وحاصل جوابه : أن ما فعله إنما صدر منه بمحض اتباع هوى النفس الأمارة وإغوائها، لا لشيء آخر من البرهان العقلي أو الإلهام الإلهي، فعند ذلك قال له موسى عليه السلام : فاذهبْ أي : اخرج من بين الناس، فإِنَّ لك في الحياة أي : في مدة حياتك، أن تقولَ لا مِسَاس والمعنى : أن لك في مدة حياتك أن تفارقهم مفارقة كلية، لا بحسب الاختيار، بل بحسب الاضطرار الملجئ إليه، وذلك أنه تعالى رماه بداء عقام١، لا يكاد يَمَسُّهُ أحد، أو يمسُّ أحدًا، إلا حُمّ من ساعته حمى شديدة، فتحامَى الناسَ وتحاموه، وكان يَصيح بأقصى طوقه : لا مساس.
وقيل : إن موسى عليه السلام نفاه من قومه، وأمر بني إسرائيل ألا يخالطوه ولا يقربوه. قال الحسن :( جعل الله عقوبة السامري ألا يمَاس الناسَ ولا يماسوه. جعل ذلك له ولمن كان منه إلى يوم القيامة ). فكأن الله تعالى شدَّد عليه المحنة، وجعل ذلك عقوبة له في الدنيا. ويقال : ابتلي بالوسواس، وأصل الوسواس من ذلك الوقت. وقال قتادة : بقاياه اليوم يقولون ذلك : لا مساس. ويقال : إن موسى همّ بقتل السامري، فقال الله تعالى له : لا تقتله ؛ فإنه سخي. ولعل الحكمة في عقابه بهذه العقوبة : أن مخالطته للناس نشأت من هذه الفتنة، فعوقب بالطرد والبعد عنهم.
ثم قال له الله : وإِنَّ لك موعدًا أي : في الآخرة، لن تُخْلَفه أي : لن يُخلفك الله ذلك الوعد، بل يُنجزه لك أَلبتةَ، بعد ما عاقبك في الدنيا. أو لن تجاوزه ولن تخطئه، بل لا بد لك من ملاقاته. وانظر إِلى إِلهك العجل، الذي ظَلْتَ عليه عاكفًا ؛ مقيمًا على عبادته، لنُحَرِّقنه أي : والله لنحرقنه بالنار، وقيل بالمبْرد، مبالغةً في الحرق، ويعضده قراءة :" لنحْرُقنه "، ثم لنَنْسِفَنَّه أي : لنذرينه بالريح في اليمِّ ؛ في البحر، رمادًا، أو مبرودًا كأنه هباء، نَسْفًا بحيث لا يبقى منه عين ولا أثر، وقد فعل عليه السلام ذلك كله حينئذ، كما يشهد بذلك الأمرُ بالنظر، وإنما لم يصرح به ؛ تنبيهًا على كمال ظهوره، واستحالة الخلف في وعده المؤكد باليمين.
والسنبتاء : كل حيوان جريء، وقيل : اسم للنمر. وخَفْ أبناءَ جنسك واخش منهم كما تخشى الضراغم والسُّنْبَتا وخالِطْهم وزايلهم حِذارًا وكن كالسامري إذا لُمِسْتَ
ويقال، لمن ركن إلى شيء دون الله تعالى ؛ مِنْ علم، أو عمل، أو حال، أو مقام، أو فني في مخلوق :( وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفًا لنُحرقنه ثم لننسفنّه في اليم نسفًا ). وفي بعض الأثر : يقول الله :" يا عبدي، لا تركْن لشيء دوني، فإنْ ركنتَ إلى علم جهّلناك فيه، وإن ركنت إلى عمل رددناه عليك، وإن ركنتَ إلى حال وقفناك معه، وإن ركنتَ إلى معرفة نكرناها عليك. فأي حيلة لك أيها العبد، فكن لنا عبدًا أكن لك ربًّا ". أو كما قال. وإليه الإشارة بقوله : إنما إلهكم الله... الآية.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي