ﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾ

فلما سمع موسى منه ذلك قال فاذهب فَإِنَّ لَكَ فِي الحياة أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ أي : فاذهب من بيننا واخرج عنا فإن لك في الحياة، أي ما دمت حياً، وطول حياتك أن تقول : لا مساس. المساس مأخوذ من المماسة، أي لا يمسك أحد ولا تمسّ أحداً، لكن لا بحسب الاختيار منك، بل بموجب الاضطرار الملجئ إلى ذلك ؛ لأن الله سبحانه أمر موسى أن ينفي السامريّ عن قومه، وأمر بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يقربوه ولا يكلموه عقوبة له. قيل : إنه لما قال له موسى ذلك هرب، فجعل يهيم في البرية مع السباع والوحش لا يجد أحداً من الناس يمسه، حتى صار كمن يقول : لا مساس، لبعده عن الناس وبعد الناس عنه، كما قال الشاعر :

حمال رايات بها قناعسا حتى تقول الأزد لا مسايسا
قال سيبويه : وهو مبني على الكسر. قال الزجاج : كسرت السين ؛ لأن الكسرة من علامة التأنيث. قال الجوهري في الصحاح : وأما قول العرب : لا مساس، مثل قطام، فإنما بني على الكسر لأنه معدول عن المصدر، وهو المس. قال النحاس : وسمعت عليّ بن سليمان يقول : سمعت محمد بن يزيد المبرد يقول : إذا اعتلّ الشيء من ثلاث جهات وجب أن يبنى، وإذا اعتل من جهتين وجب ألا ينصرف، لأنه ليس بعد الصرف إلا البناء، فمساس، دراك اعتل من ثلاث جهات : منها أنه معدول، ومنها أنه مؤنث، ومنها أنه معرفة، فلما وجب البناء فيه وكانت الألف قبل السين ساكنة كسرت السين لالتقاء الساكنين. وقد رأيت أبا إسحاق، يعني الزجاج، ذهب إلى أن هذا القول خطأ وألزم أبا العباس إذا سميت امرأة بفرعون أن يبنيه وهذا لا يقوله أحد. وقد قرأ بفتح الميم أبو حيوة والباقون بكسرها. وحاصل ما قيل في معنى لا مساس ثلاثة أوجه : الأوّل : أنه حرّم عليه مماسة الناس، وكان إذا ماسه أحد حمّ الماس والممسوس، فلذلك كان يصيح إذا رأى أحداً : لا مساس. والثاني : أن المراد منع الناس من مخالطته ؛ واعترض بأن الرجل إذا صار مهجوراً فلا يقول هو : لا مساس، وإنما يقال له. وأجيب بأن المراد الحكاية، أي أجعلك يا سامريّ بحيث إذا أخبرت عن حالك قلت : لا مساس. والقول الثالث : أن المراد انقطاع نسله، وأن يخبر بأنه لا يتمكن من مماسة المرأة، قاله أبو مسلم وهو ضعيف جداً. ثم ذكر حاله في الآخرة فقال : وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَن تُخْلَفَهُ أي لن يخلفك الله ذلك الموعد، وهو يوم القيامة، والموعد مصدر، أي إن لك وعداً لعذابك، وهو كائن لا محالة، قال الزجاج : أي يكافئك الله على ما فعلت في القيامة والله لا يخلف الميعاد. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وابن محيصن واليزيدي والحسن :«لن تخلفه بكسر » اللام، وله على هذه القراءة معنيان : أحدهما : ستأتيه ولن تجده مخلفاً كما تقول أحمدته، أي وجدته محموداً. والثاني : على التهديد، أي لا بدّ لك من أن تصير إليه. وقرأ ابن مسعود :«لن نخلفه » بالنون، أي لن يخلفه الله. وقرأ الباقون بفتح اللام، وبالفوقية مبنياً للمفعول، معناه ما قدّمناه. وانظر إلى إلهك الذي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً ظلت أصله : ظللت فحذفت اللام الأولى تخفيفاً، والعرب تفعل ذلك كثيراً. وقرأ الأعمش بلامين على الأصل. وفي قراءة ابن مسعود :«ظلت » بكسر الظاء. والمعنى : انظر إلى إلهك الذي دمت وأقمت على عبادته، والعاكف : الملازم. لنُحَرّقَنَّهُ قرأ الجمهور بضم النون وتشديد الراء من حرّقه يحرّقه. وقرأ الحسن بضم النون وسكون الحاء وتخفيف الراء من أحرقه يحرقه. وقرأ عليّ وابن عباس وأبو جعفر وابن محيصن وأشهب والعقيلي :«لَنَحْرُقَنَّهُ » بفتح النون وضم الراء مخففة، من حرقت الشيء أحرقه حرقاً : إذا بردته وحككت بعضه ببعض أي : لنبردنه بالمبارد، ويقال للمبرد : المحرق. والقراءة الأولى أولى، ومعناها : الإحراق بالنار، وكذا معنى القراءة الثانية، وقد جمع بين هذه الثلاث القراءات بأنه أحرق، ثم برد بالمبرد، وفي قراءة ابن مسعود :«لنذبحنه ثم لنحرقنه » واللام هي الموطئة للقسم ثُمَّ لَنَنسِفَنَهُ فِي اليم نَسْفاً النسف : نفض الشيء ليذهب به الريح. قرأ أبو رجاء :«لننسفنه » بضم السين، وقرأ الباقون بكسرها، وهما لغتان. والمنسف : ما ينسف به الطعام، وهو شيء منصوب الصدر أعلاه مرتفع، والنسافة : ما يسقط منه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله : يا هارون مَا مَنَعَكَ إلى قوله : أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي قال : أمره موسى أن يصلح ولا يتبع سبيل المفسدين، فكان من إصلاحه أن ينكر العجل. وأخرج عنه أيضاً في قوله : وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي قال : لم تنتظر قولي ما أنا صانع، وقال ابن عباس : لم ترقب : لم تحفظ قولي. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : فَإِنَّ لَكَ فِي الحياة أن تقول مساس قال : عقوبة له وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَن تُخْلَفَهُ قال : لن تغيب عنه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وانظر إلى إلهك الذي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً قال : أقمت لَنُحَرقَنَّهُ قال : بالنار ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي اليم قال : لنذرينه في البحر. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه كان يقرأ :«لَنُحَرقَنَّهُ» خفيفة، ويقول : إن الذهب والفضة لا تحرق بالنار، بل تسحل بالمبرد ثم تلقى على النار فتصير رماداً. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال : اليم : البحر. وأخرج أيضاً عن عليّ قال : اليم النهر. وأخرج أيضاً عن قتادة في قوله : وَسِعَ كُلَّ شَيء عِلْماً قال : ملأ. وأخرج أيضاً عن ابن زيد في قوله : مِن لَدُنَّا ذِكْراً قال : القرآن. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد : وِزْراً قال : إثماً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ القيامة حِمْلاً يقول : بئس ما حملوا.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية