وبعد أن استنكر كتاب الله ما قام به مشركو قريش من صد الرسول والمؤمنين عن بيت الله الحرام عام الحديبية، وبعدما توعد الله كل من أراد في بيته بإلحاد، انتقل مجرى الحديث إلى التذكير ببناء البيت الذي رفع قواعده إبراهيم وابنه إسماعيل، والتذكير بالرسالة السامية التي أعد الله لها هذا البيت عبر القرون والأجيال، فقال تعالى : وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود، وأذن في الناس بالحج [ الآيتان : ٢٤، ٢٥ ].
وهذه الآية تتضمن بطريق التعريض توبيخ مشركي قريش على ما هم فيه من المفارقات والتناقضات، فبينما هم يدعون البنوة لإبراهيم، إذا بهم يصرون على الشرك الذي كان إبراهيم أعدى عدو له حتى تبرأ من أبيه وقومه من أجله، وبينما إبراهيم كان يحرص على تطهير البيت من كل رجس و خبث-بما في ذلك رجس الأوثان والأصنام، وخبث الأوساخ والأقذار-إذا بمشركي قريش ينتهكون حرمة البيت الحرام، ويملأونه بالأوثان والأصنام، وبينما إبراهيم كان يعد للعدة ليكون البيت مكانا مقدسا يحج إليه عباد الرحمن، الذين أنعم الله عليهم بنعمة الإيمان، من جميع الأقاليم والأوطان، إذا بمشركي قريش ينزلون به إلى عبادة الأوثان.
والخطاب في قوله تعالى هنا لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي وأذن في الناس بالحج موجه لإبراهيم الخليل عليه السلام، وكأن كتاب الله يعيد على مسامع رسوله والمؤمنين نفس الخطاب الإلهي الذي تلقاه إبراهيم الخليل، يوم وكل الله إليه وإلى ابنه إسماعيل إقامة البيت الحرام، وإذا كان هذا الخطاب موجها بالأصالة إلى إبراهيم الخليل عليه السلام فإنه موجه بالتبع إلى خاتم الأنبياء والرسل، مجدد ملة إبراهيم، الذي أمره الله بإعادة الحق إلى نصابه، عند تيسر أسبابه، وكأنما كان التذكير ببناء البيت الحرام، وبالحكمة التي من أجلها وضع للناس، تمهيدا لما ورد بعد ذلك في هذا الربع، من توجيه الخطاب إلى مشركي قريش ومن سلك مسلكهم، بقوله تعالى : فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور * حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق . ومعنى بوأنا لإبراهيم مكان البيت جعلناه يبوء إليه ويقيم فيه، كقوله تعالى في آية أخرى لنبوئنهم من الجنة غرفا [ العنكبوت : ٥٨ ].
والجمع بين عبادة الأوثان وقول الزور هنا في قران واحد، والأمر باجتنابهما معا في آن واحد، مبني على ما يوجد بينهما من ارتباط وثيق، فالشرك في الحقيقة هو رأس الزور، لأن المشرك بالله يزعم زورا وبهتانا أن الوثن يستحق العبادة، ويشهد له بالقدرة على الضر والنفع وغيره من صفات الكمال، التي هي من صفات الله وحده دون سواه، وكل قول من أقوال الزور يلتقي مع الشرك في أنه كذب وباطل، وغير مطابق للحقيقة.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري