الِاحْتِكَارُ عَنْ مُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَسَادِسُهَا: الْمَنْعُ مِنْ عِمَارَتِهِ. وَسَابِعُهَا: عَنْ عَطَاءٍ قَوْلُ الرَّجُلِ فِي الْمُبَايَعَةِ لَا واللَّه وَبَلَى واللَّه. وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ فُسْطَاطَانِ أَحَدُهُمَا فِي الْحِلِّ وَالْآخَرُ فِي الْحَرَمِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُعَاتِبَ أَهْلَهُ عَاتَبَهُمْ فِي الْحِلِّ، فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ: كُنَّا نُحَدِّثُ أَنَّ مِنَ الْإِلْحَادِ فِيهِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لَا واللَّه وَبَلَى واللَّه.
وَثَامِنُهَا: وَهُوَ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ: أَنَّ الْإِلْحَادَ بِظُلْمٍ عَامٌّ فِي كُلِّ الْمَعَاصِي، لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ صَغُرَ أَمْ كَبُرَ يَكُونُ هُنَاكَ أَعْظَمُ مِنْهُ فِي سَائِرِ الْبِقَاعِ حَتَّى قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا بِعَدَنَ هَمَّ بِأَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً عِنْدَ الْبَيْتِ أَذَاقَهُ اللَّه عَذَابًا أَلِيمًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تُضَاعَفُ السَّيِّئَاتُ فِيهِ كَمَا تُضَاعَفُ الْحَسَنَاتُ، فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يُقَالُ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ: نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ غَيْرُ لَائِقٍ بِكُلِّ الْمَعَاصِي قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ، فَإِنَّ كُلَّ عَذَابٍ يَكُونُ أَلِيمًا، إِلَّا أَنَّهُ تَخْتَلِفُ مَرَاتِبُهُ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَعْصِيَةِ.
المسألة الثَّالِثَةُ: الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: بِإِلْحادٍ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْأَوْلَى وَهُوَ اخْتِيَارُ صَاحِبِ «الْكَشَّافِ» أَنَّ قَوْلَهُ: بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ حَالَانِ مُتَرَادِفَانِ وَمَفْعُولُ يُرِدْ مَتْرُوكٌ لِيَتَنَاوَلَ كُلَّ مُتَنَاوَلٍ كَأَنَّهُ قَالَ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ مُرَادًا مَا عَادِلًا عَنِ الْقَصْدِ ظَالِمًا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، يَعْنِي أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى مَنْ كَانَ فِيهِ أَنْ يَضْبِطَ نَفْسَهُ وَيَسْلُكَ طَرِيقَ السَّدَادِ وَالْعَدْلِ فِي جَمِيعِ مَا يَهُمُّ بِهِ وَيَقْصِدُهُ. الثَّانِي: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَجَازُهُ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ إِلْحَادًا وَالْبَاءُ مِنْ حُرُوفِ الزَّوَائِدِ.
المسألة الرَّابِعَةُ: لَمَّا كَانَ الْإِلْحَادُ بِمَعْنَى الْمَيْلِ مِنْ أَمْرٍ إِلَى أَمْرٍ بَيَّنَ اللَّه تَعَالَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْإِلْحَادِ مَا يَكُونُ مَيْلًا إِلَى الظُّلْمِ، فَلِهَذَا قَرَنَ الظُّلْمَ بِالْإِلْحَادِ لِأَنَّهُ لَا مَعْصِيَةَ كَبُرَتْ أَمْ صَغُرَتْ إِلَّا وَهُوَ ظُلْمٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لُقْمَانَ: ١٣].
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ فَهُوَ بَيَانُ الْوَعِيدِ وَفِيهِ مَسَائِلُ:
المسألة الْأُولَى: مَنْ قَالَ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي ابْنِ خَطَلٍ قَالَ: الْمُرَادُ بِالْعَذَابِ أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَهُ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَلَا وَجْهَ لِلتَّخْصِيصِ إِذَا أَمْكَنَ التَّعْمِيمُ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْعَذَابَ فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُتَوَعَّدُ بِهِ.
المسألة الثَّانِيَةُ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَرْءَ يَسْتَحِقُّ الْعَذَابَ بِإِرَادَتِهِ لِلظُّلْمِ كَمَا يَسْتَحِقُّهُ عَلَى عَمَلِ جَوَارِحِهِ.
المسألة الثَّالِثَةُ: ذَكَرُوا قَوْلَيْنِ فِي خَبَرِ إِنَّ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ: الْأَوَّلُ: التَّقْدِيرُ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ فَهُوَ عَائِدٌ إِلَى كِلْتَا الْجُمْلَتَيْنِ. الثَّانِي: أَنَّهُ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ جَوَابِ الشَّرْطِ عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ نُذِيقُهُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ. وَكُلُّ من ارتكب فيه ذنبا فهو كذلك.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٢٦ الى ٢٩]
وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)
[في قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً] اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ: وَإِذْ بَوَّأْنا أَيْ وَاذْكُرْ حِينَ جَعَلْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ مَبَاءَةً، أَيْ مَرْجِعًا يَرْجِعُ إِلَيْهِ لِلْعِمَارَةِ وَالْعِبَادَةِ. وَكَانَ قَدْ رَفَعَ الْبَيْتَ إِلَى السَّمَاءِ أَيَّامَ الطُّوفَانِ وَكَانَ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، فَأَعْلَمَ اللَّه تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَكَانَهُ بِرِيحٍ أَرْسَلَهَا فَكَشَفَتْ مَا حَوْلَهُ فَبَنَاهُ عَلَى وَضْعِهِ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ بِأَنْ يَأْتِيَ مَوْضِعَ الْبَيْتِ فَيَبْنِيَ، فَانْطَلَقَ فَخَفِيَ عَلَيْهِ مَكَانُهُ فَبَعَثَ اللَّه تَعَالَى عَلَى قَدْرِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ فِي الْعَرْضِ وَالطُّولِ غَمَامَةً وَفِيهَا رَأْسٌ يَتَكَلَّمُ وَلَهُ لِسَانٌ وَعَيْنَانِ فَقَالَ يَا إِبْرَاهِيمُ ابْنِ عَلَى قَدْرِي وَحِيَالِي فَأَخَذَ فِي الْبِنَاءِ وَذَهَبَتِ السَّحَابَةُ، وَهَاهُنَا سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: لَا شَكَّ أَنَّ (أَنْ) هِيَ الْمُفَسِّرَةُ فَكَيْفَ يَكُونُ النَّهْيُ عَنِ الشِّرْكِ وَالْأَمْرُ/ بِتَطْهِيرِ الْبَيْتِ تَفْسِيرًا لِلتَّبْوِئَةِ الْجَوَابُ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا قَالَ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَرْجِعًا لِإِبْرَاهِيمَ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ مَا مَعْنَى كَوْنِ الْبَيْتِ مَرْجِعًا لَهُ، فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ بِقَلْبِهِ مُوَحِّدًا لِرَبِّ الْبَيْتِ عَنِ الشَّرِيكِ وَالنَّظِيرِ، وَبِقَالَبِهِ مُشْتَغِلًا بِتَنْظِيفِ الْبَيْتِ عَنِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا لَمْ يُشْرِكْ باللَّه فَكَيْفَ قَالَ (أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي) الْجَوَابُ: الْمَعْنَى لَا تَجْعَلْ فِي الْعِبَادَةِ لِي شَرِيكًا، وَلَا تُشْرِكْ بِي غَرَضًا آخَرَ فِي بِنَاءِ الْبَيْتِ.
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: الْبَيْتُ مَا كَانَ مَعْمُورًا قَبْلَ ذَلِكَ فَكَيْفَ قَالَ (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ) الْجَوَابُ: لَعَلَّ ذَلِكَ الْمَكَانَ كَانَ صَحْرَاءَ وَكَانُوا يَرْمُونَ إِلَيْهَا الْأَقْذَارَ، فَأَمَرَ إِبْرَاهِيمَ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَتَطْهِيرِهِ مِنَ الْأَقْذَارِ، وَكَانَتْ مَعْمُورَةً فَكَانُوا قَدْ وَضَعُوا فِيهَا أَصْنَامًا فَأَمَرَهُ اللَّه تَعَالَى بِتَخْرِيبِ ذَلِكَ الْبِنَاءِ وَوَضْعِ بِنَاءٍ جَدِيدٍ وَذَلِكَ هُوَ التَّطْهِيرُ عَنِ الْأَوْثَانِ، أَوْ يُقَالُ الْمُرَادُ أَنَّكَ بَعْدَ أَنْ تَبْنِيَهُ فَطَهِّرْهُ عَمَّا لَا يَنْبَغِي مِنَ الشِّرْكِ وَقَوْلِ الزُّورِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا لِلطَّائِفِينَ بِالْبَيْتِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْقائِمِينَ أَيِ الْمُقِيمِينَ بِهَا وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ أَيْ مِنَ الْمُصَلِّينَ مِنَ الْكُلِّ، وَقَالَ آخَرُونَ الْقَائِمُونَ وَهُمُ الْمُصَلُّونَ، لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ فِي صَلَاتِهِ جَامِعًا بَيْنَ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ واللَّه أَعْلَمُ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ فَفِيهِ مَسَائِلُ:
المسألة الْأُولَى: قَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وَآذِنْ بِمَعْنَى أَعْلِمْ.
المسألة الثَّانِيَةُ: فِي الْمَأْمُورِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ هُوَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
قَالُوا لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ قَالَ سُبْحَانَهُ: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ قَالَ يَا رَبِّ وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي؟ قَالَ عَلَيْكَ الْأَذَانُ وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ. فَصَعِدَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ الصَّفَا وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَبَا قُبَيْسٍ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَلَى الْمَقَامِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ كَيْفَ أَقُولُ؟ قَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: قُلْ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ لَبَّى، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ صَعِدَ الصَّفَا فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّه كَتَبَ عَلَيْكُمْ حَجَّ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ فَسَمِعَهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَمَا بَقِيَ شَيْءٌ سَمِعَ صَوْتَهُ إِلَّا أَقْبَلَ يُلَبِّي يَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى إِنَّ اللَّه يَدْعُوكُمْ إِلَى حَجِّ الْبَيْتِ الْحَرَامِ لِيُثِيبَكُمْ بِهِ الْجَنَّةَ وَيُخْرِجَكُمْ مِنَ النَّارِ، فَأَجَابَهُ يَوْمَئِذٍ مَنْ كَانَ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ،
وَكُلُّ مَنْ وَصَلَ إِلَيْهِ صَوْتُهُ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ وَمَدَرٍ وَأَكَمَةٍ أَوْ تُرَابٍ،
قَالَ مُجَاهِدٌ: فَمَا حَجَّ إِنْسَانٌ وَلَا يَحُجُّ أَحَدٌ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ إِلَّا وَقَدْ أَسْمَعَهُ ذَلِكَ النِّدَاءَ، فَمَنْ أَجَابَ مَرَّةً حَجَّ مَرَّةً، وَمَنْ أَجَابَ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ. فَالْحَجُّ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ عَلَى ذَلِكَ الْمِقْدَارِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ: لَمَّا أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْأَذَانِ تَوَاضَعَتْ لَهُ الْجِبَالُ وَخَفَضَتْ وَارْتَفَعَتْ لَهُ الْقُرَى، قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ: يَبْعُدُ قَوْلُهُمْ إِنَّهُ أَجَابَهُ الصَّخْرُ وَالْمَدَرُ، لِأَنَّ الْإِعْلَامَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِمَنْ يُؤْمَرُ بِالْحَجِّ/ دُونَ الْجَمَادِ، فَأَمَّا مَنْ يَسْمَعُ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ نِدَاءَهُ فَلَا يَمْتَنِعُ إِذَا قَوَّاهُ اللَّه تَعَالَى وَرَفَعَ الْمَوَانِعَ وَمِثْلُ ذَلِكَ قَدْ يَجُوزُ فِي زَمَانِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمَأْمُورَ بِقَوْلِهِ: وَأَذِّنْ هُوَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَاخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْمُعْتَزِلَةِ وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأَنَّ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ وَأُمْكِنَ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُخَاطَبُ بِهِ فَهُوَ أَوْلَى وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ: وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ لا يوجب أن يكون قوله: وَأَذِّنْ يرجع إليه إذ قد بينا أن معنى قوله: وَإِذْ بَوَّأْنا أي واذكر يا محمد إذ بَوَّأْنَا فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَذْكُورِ، فَإِذَا قَالَ تَعَالَى: وَأَذِّنْ فَإِلَيْهِ يَرْجِعُ الْخِطَابُ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ ذَكَرُوا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَذِّنْ وُجُوهًا: أَحَدُهَا: إِنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يُعْلِمَ النَّاسَ بِالْحَجِّ. وَثَانِيهَا: قَالَ الْجُبَّائِيُّ أَمَرَهُ اللَّه تَعَالَى أَنْ يُعْلِنَ التَّلْبِيَةَ فَيُعْلِمَ النَّاسَ أَنَّهُ حَاجٌّ فَيَحُجُّوا مَعَهُ قَالَ وَفِي قَوْلِهِ: يَأْتُوكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَحُجَّ فَيُقْتَدَى بِهِ وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ ابْتِدَاءُ فَرْضِ الْحَجِّ مِنَ اللَّه تَعَالَى لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أَمَّا قَوْلُهُ: يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ فَفِيهِ مَسَائِلُ:
المسألة الْأُولَى: الرِّجَالُ الْمُشَاةُ وَاحِدُهُمْ رَاجِلٌ كَنِيَامٍ وَنَائِمٍ وَقُرِئَ رُجَالٌ بِضَمِّ الرَّاءِ مُخَفَّفَ الْجِيمِ وَمُثَقَّلَهُ وَرِجَالٌ كَعِجَالٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا وَقَوْلُهُ: وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ أَيْ رُكْبَانًا وَالضُّمُورُ الْهُزَالُ ضَمُرَ يَضْمُرُ ضُمُورًا، وَالْمَعْنَى أَنَّ النَّاقَةَ صَارَتْ ضَامِرَةً لِطُولِ سَفَرِهَا. وَإِنَّمَا قَالَ: يَأْتِينَ أَيْ جَمَاعَةُ الْإِبِلِ وَهِيَ الضَّوَامِرُ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ مَعْنَاهُ عَلَى إِبِلٍ ضَامِرَةٍ فَجُعِلَ الْفِعْلُ بِمَعْنَى كُلٍّ وَلَوْ قَالَ يَأْتِي عَلَى اللَّفْظِ صَحَّ وَقُرِئَ يَأْتُونَ صِفَةً لِلرِّجَالِ وَالرُّكْبَانِ، وَالْفَجُّ الطَّرِيقُ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ فِي سَائِرِ الطُّرُقِ اتِّسَاعًا، وَالْعَمِيقُ الْبَعِيدُ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ مَعِيقٍ يُقَالُ بِئْرٌ بَعِيدَةُ الْعُمْقِ وَالْمَعْقِ.
المسألة الثَّانِيَةُ: الْمَعْنَى: وَأَذِّنْ، لِيَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ، أَيْ وَأَذِّنْ، لِيَأْتُوكَ عَلَى هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ: وَأَذِّنْ فَإِنَّهُمْ يَأْتُوكَ عَلَى هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ.
المسألة الثَّالِثَةُ: بَدَأَ اللَّه بِذِكْرِ الْمُشَاةِ تَشْرِيفًا لَهُمْ،
وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الْحَاجَّ الرَّاكِبَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا رَاحِلَتُهُ سَبْعُونَ حَسَنَةً وَلِلْمَاشِي سَبْعُمِائَةِ حَسَنَةٍ مِنْ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّه وَمَا حَسَنَاتُ الْحَرَمِ قَالَ الْحَسَنَةُ بِمِائَةِ أَلْفِ حَسَنَةٍ».
المسألة الرَّابِعَةُ: إِنَّمَا قَالَ: يَأْتُوكَ رِجالًا لِأَنَّهُ هُوَ الْمُنَادِي فَمَنْ أَتَى بِمَكَّةَ حَاجًّا فَكَأَنَّهُ أَتَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَنَّهُ يُجِيبُ نِدَاءَهُ.
أَمَّا قَوْلُهُ: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ فَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ بِالْحَجِّ فِي قَوْلِهِ: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ذَكَرَ حِكْمَةَ ذَلِكَ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَاخْتَلَفُوا فِيهَا فَبَعْضُهُمْ حَمَلَهَا عَلَى مَنَافِعِ الدُّنْيَا. وَهِيَ أَنْ يَتَّجِرُوا فِي أَيَّامِ الْحَجِّ،
وَبَعْضُهُمْ حَمَلَهَا عَلَى مَنَافِعِ الْآخِرَةِ،
وَهِيَ الْعَفْوُ وَالْمَغْفِرَةُ عَنْ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ،
وَبَعْضُهُمْ حَمَلَهَا عَلَى الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا، وَهُوَ الْأَوْلَى.
المسألة الثَّانِيَةُ: إِنَّمَا نَكَّرَ الْمَنَافِعَ لِأَنَّهُ أَرَادَ مَنَافِعَ مُخْتَصَّةً بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ دِينِيَّةً وَدُنْيَوِيَّةً لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ.
المسألة الثَّالِثَةُ: كَنَّى عَنِ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّه تَعَالَى لِأَنَّ أَهْلَ الْإِسْلَامِ لَا يَنْفَكُّونَ عَنْ ذِكْرِ اسْمِهِ إِذَا نَحَرُوا وَذَبَحُوا وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْغَرَضَ الْأَصْلِيَّ فِيمَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّه تَعَالَى أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّه تَعَالَى، وَأَنْ يُخَالِفَ الْمُشْرِكِينَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَذْبَحُونَهَا لِلنُّصُبِ وَالْأَوْثَانِ قَالَ مُقَاتِلٌ إِذَا ذَبَحْتَ فَقُلْ بِسْمِ اللَّه واللَّه أَكْبَرُ اللَّهُمَّ مِنْكَ وَإِلَيْكَ وَتَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَزَادَ الْكَلْبِيُّ فَقَالَ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّه رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَالَ الْقَفَّالُ: وَكَانَ الْمُتَقَرِّبُ بِهَا وَبِإِرَاقَةِ دِمَائِهَا مُتَصَوِّرٌ بِصُورَةِ مَنْ يَفْدِي نَفْسَهُ بِمَا يُعَادِلُهَا فَكَأَنَّهُ يَبْذُلُ تِلْكَ الشَّاةَ بَدَلَ مُهْجَتِهِ طَلَبًا لمرضاة اللَّه تعالى، واعترافا بأن تقصيره كاد يَسْتَحِقُّ مُهْجَتَهُ.
المسألة الرَّابِعَةُ: أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ صَارُوا إِلَى أَنَّ الْأَيَّامَ الْمَعْلُومَاتِ عَشْرُ ذِي الحجة وَالْمَعْدُودَاتِ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَقَتَادَةَ وَالْحَسَنِ، وَرِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمُ اللَّه، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ عِنْدَ النَّاسِ لِحِرْصِهِمْ عَلَى عِلْمِهَا مِنْ أَجْلِ أَنَّ وَقْتَ الْحَجِّ فِي آخِرِهَا. ثُمَّ لِلْمَنَافِعِ أَوْقَاتٌ مِنَ الْعَشْرِ مَعْرُوفَةٌ كَيَوْمِ عَرَفَةَ، وَالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَكَذَلِكَ الذَّبَائِحُ لَهَا وَقْتٌ مِنْهَا وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ إِنَّهَا يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي مُسْلِمٍ قَالَ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً عِنْدَ الْعَرَبِ بَعْدَهَا وَهِيَ أَيَّامُ النَّحْرِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّه.
أَمَّا قَوْلُهُ: بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَقَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : الْبَهْمَةُ مُبْهَمَةٌ فِي كُلِّ ذَاتِ أَرْبَعٍ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، فَبُيِّنَتْ بِالْأَنْعَامِ وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالضَّأْنُ وَالْمَعَزُ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَكُلُوا مِنْها فَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ أَمْرُ وُجُوبٍ لِأَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا لَا يَأْكُلُونَ مِنْهَا تَرَفُّعًا عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَأَمَرَ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْكُفَّارِ وَمُسَاوَاةِ الْفُقَرَاءِ وَاسْتِعْمَالِ التَّوَاضُعِ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْوُجُوبِ. ثم قال الْعُلَمَاءُ مَنْ أَهْدَى أَوْ ضَحَّى فَحَسَنٌ أَنْ يَأْكُلَ النِّصْفَ وَيَتَصَدَّقَ بِالنِّصْفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَأْكُلُ الثلث ويدخر الثُّلُثَ وَيَدَّخِرُ الثُّلُثَ وَيَتَصَدَّقُ بِالثُّلُثِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّه أَنَّ الْأَكْلَ مُسْتَحَبٌّ وَالْإِطْعَامَ وَاجِبٌ فَإِنْ أَطْعَمَ جَمِيعَهَا أَجْزَأَهُ وَإِنْ أَكَلَ جَمِيعَهَا لَمْ يُجْزِهُ، هَذَا فِيمَا كَانَ تَطَوُّعًا، فَأَمَّا الْوَاجِبَاتُ كَالنُّذُورِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْجُبْرَانَاتُ لِنُقْصَانِ مِثْلِ دَمِ الْقِرَانِ وَدَمِ التَّمَتُّعِ وَدَمِ الْإِسَاءَةِ وَدِمَاءِ الْقَلْمِ وَالْحَلْقِ فَلَا يُؤْكَلُ مِنْهَا.
أَمَّا قَوْلُهُ: وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ فَلَا شُبْهَةَ فِي أَنَّهُ أَمْرُ إِيجَابٍ، وَالْبَائِسُ الَّذِي أَصَابَهُ بُؤْسٌ أَيْ شِدَّةٌ وَالْفَقِيرُ الَّذِي أَضْعَفَهُ الْإِعْسَارُ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ فَقَارِ الظَّهْرِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْبَائِسُ الَّذِي ظَهَرَ بُؤْسُهُ فِي ثِيَابِهِ وَفِي وَجْهِهِ، وَالْفَقِيرُ الَّذِي لَا يَكُونُ كَذَلِكَ فَتَكُونُ ثِيَابُهُ نَقِيَّةً وَوَجْهُهُ وَجْهَ غَنِيٍّ.
أَمَّا قَوْلُهُ: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ قَالَ الزَّجَّاجُ: إِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ لَا يَعْرِفُونَ التَّفَثَ إِلَّا مِنَ التَّفْسِيرِ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ أَصْلُ التَّفَثِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كُلُّ قَاذُورَةٍ تَلْحَقُ الْإِنْسَانَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ نَقْضُهَا. وَالْمُرَادُ هَاهُنَا قص الشارب
مفاتيح الغيب
أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي