تعيين مكان البيت الحرام والأمر بالحج إليه
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٢٦ الى ٢٩]
وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)
الإعراب:
وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ اللام: إما زائدة لأن بَوَّأْنا يتعدى إلى مفعولين، فإبراهيم هو المفعول الأول، ومَكانَ: هو المفعول الثاني، وإما ألا تكون زائدة، ويكون بَوَّأْنا محمولا على معنى (جعلنا) فكأنه قال: جعلنا لإبراهيم مكان البيت: ظرف، والمفعول محذوف، تقديره:
بوأنا لإبراهيم مكان البيت منزلا.
أَنْ لا تُشْرِكْ بِي أن: إما مخففة من الثقيلة في موضع نصب، أي بأنه لا تشرك بي، وإما مفسّرة بمعنى «أي» وإما زائدة.
يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ رِجالًا: حال منصوب من واو يَأْتُوكَ. وعَلى كُلِّ ضامِرٍ: جارّ ومجرور في موضع نصب على الحال، أي يأتوك رجالا وركبانا. ويَأْتِينَ: يعود إلى معنى كُلِّ وفعل غير العقلاء كفعل المؤنث، ودلت كُلِّ على العموم، فأتى الخبر على المعنى.
ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ ذلِكَ: إما مجرور صفة للبيت العتيق، وإما مرفوع خبر مبتدأ
محذوف، أي الأمر ذلك، مثل قوله تعالى: ذلِكَ، وَمَنْ عاقَبَ [الحج ٢٢/ ٦٠] أي الأمر ذلك.
البلاغة:
عميق عتيق سحيق أي في الآية التالية سجع مستحسن في علم البديع.
المفردات اللغوية:
وَإِذْ بَوَّأْنا أي واذكر إذ عيناه وبيناه مَكانَ الْبَيْتِ أي الكعبة ليبنيه، وكان قد رفع من زمن الطوفان في عهد نوح وَطَهِّرْ بَيْتِيَ من الأوثان والأقذار لمن يطوف به ويصلي فيه وَالْقائِمِينَ المقيمين به وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ المصلين، جمع راكع وساجد.
وَأَذِّنْ ناد بالحج، أي بالدعوة إليه، فنادى على جبل أبي قبيس: يا أيها الناس، إن ربكم بنى بيتا، وأوجب عليكم الحج إليه، فأجيبوا ربكم. والتفت بوجهه يمينا وشمالا وشرقا وغربا، فأجابه كل من كتب له أن يحج من أصلاب الرجال وأرحام الأمهات: لبيك اللهم لبيك. يَأْتُوكَ رِجالًا أي راجلين ماشين على الأقدام، جمع راجل، كتاجر وتجار وقائم وقيام، ويَأْتُوكَ:
جواب الأمر وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ أي وركبانا على كل بعير مهزول، بأن أتعبه بعد السفر فهزل.
والضامر: يطلق على الذكر والأنثى يَأْتِينَ اي الضوامر، أتى به جمعا حملا على المعنى مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ أي طريق بعيد.
لِيَشْهَدُوا ليحضروا مَنافِعَ لَهُمْ منافع دينية في الآخرة، ودنيوية بالتجارة فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ هي عشر ذي الحجة، أو يوم عرفة أو يوم النحر إلى آخر أيام التشريق- أيام عيد الأضحى بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ الإبل والبقر والغنم التي تنحر في يوم العيد وما بعده من الهدايا والضحايا فَكُلُوا مِنْها من لحومها، أباح ذلك خلافا لما كان عليه أهل الجاهلية من التحرج فيه، وهذا في المتطوع به، المستحب، دون الواجب الْبائِسَ الْفَقِيرَ أي الذي أصابه بؤس أي شدة، والفقير:
المحتاج، والأمر فيه للوجوب.
ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ أي يزيلوا أو ساخهم وشعثهم كطول الظفر والشعر، ونتف الإبط، والمراد هنا: قص الأشعار وتقليم الأظفار. وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ ما ينذرون به من البر في حجهم، ومن الهدايا والضحايا. والنذر: كل ما لزم الإنسان أو التزمه. وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ أي يطوفوا طواف الركن الذي به تمام التحلل أي طواف الإفاضة، فإنه قرينة قضاء التفث، وقيل:
طواف الوداع. والعتيق: القديم لأنه أول بيت وضع للناس.
سبب النزول: نزول الآية (٢٧) :
وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ: أخرج ابن جرير عن مجاهد قال: كانوا لا يركبون، فأنزل الله: يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ فأمرهم بالزاد، ورخص لهم في الركوب والمتجر.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى موقف المشركين من الصد عن المسجد الحرام، أراد تعالى بيان مكانة البيت الحرام وتوبيخ أولئك المشركين على فعلهم، فإن أباهم إبراهيم عليه السلام هو الذي بناه، وأمر بتطهيره للطائفين والمصلين، وأن يدعو الناس إلى الحج، للحصول على المنافع الدينية والدنيوية.
التفسير والبيان:
وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ.. أي واذكر يا محمد للناس وقت أن جعلنا لإبراهيم مكان البيت مباءة، أي مرجعا يرجع إليه للعبادة، وأرشده إليه وأذن له في بنائه. والمراد بذكر الوقت ذكر ما وقع فيه من حادث عظيم، ليتذكر المشركون، ويقلعوا عن عبادة الأوثان إلى عبادة الله الواحد الديان.
وفي هذا تقريع وتوبيخ لمن أشرك بالله في بقعة أسست من أول يوم على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له.
وفيه دليل على أن إبراهيم عليه السلام هو أول من بنى البيت العتيق، وأنه لم يبن قبله بعد رفعه وطمس معالمه في أثناء طوفان نوح عليه السلام، كما
ثبت في الصحيحين عن أبي ذرّ قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع أول؟ قال:
«المسجد الحرام» قلت: ثم أي؟ قال: «بيت المقدس» قلت: كم بينهما؟
قال: «أربعون سنة».
وقد قال الله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً الآيتين [آل عمران ٣/ ٩٦- ٩٧] وقال تعالى: وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [البقرة ٢/ ١٢٥].
أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ.. أي وقلنا له: ابنه على اسمي وحدي، ولا تشرك بي شيئا من خلقي في العبادة، وطهّر بيتي من الشرك والأوثان والأصنام والأقذار أن تطرح حوله، واجعله خالصا لهؤلاء الذين يعبدون الله وحده لا شريك له، فالطائف به يخص العبادة بالله تعالى، لا يفعل ببقعة من الأرض سواها، والقائم في الصلاة أو الدعاء لله، والراكع الساجد لله تعالى فيها.
وقد قرن الطواف بالصلاة لأنهما لا يشرعان إلا مختصين بالبيت، فالطواف عنده، والصلاة إليه، فالقائمون: هم المصلون، وذكر تعالى من أركان الصلاة أعظمها وهو القيام والركوع والسجود.
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ.. أي ناد في الناس بالحج، داعيا لهم إلى الحج إلى هذا البيت الذي أمرناك ببنائه، يأتوك راجلين ماشين، وراكبين على كل بعير ضامر مهزول، من كل طريق بعيد. والأذان والتأذين: الاعلام برفع الصوت على نحو ما يكون للصلاة. والمراد هنا: النداء في الناس بأن الله قد كتب عليهم الحج ودعاهم إلى أدائه.
روي أنه لما أمر إبراهيم عليه السلام بالأذان للحج قال: يا ربّ، وما يبلغ صوتي؟ قال: أذّن وعليّ الإبلاغ، فصعد إبراهيم خليل الله جبل أبي قبيس وصاح: يا أيها الناس، إن الله قد أمركم بحج هذا البيت، ليثيبكم به الجنة، ويجيركم من عذاب النار، فحجّوا، فأجابه من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء، لبّيك اللهم لبّيك «١». وهذا معجزة خارقة للعادة، فهو سبحانه قادر على إيصال صوت إبراهيم إلى من يشاء في أنحاء الأرض والسماء.
وهذه الآية كقوله تعالى إخبارا عن إبراهيم حيث قال في دعائه: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [إبراهيم ١٤/ ٣٧]. فليس أحد من أهل الإسلام إلا وهو يحنّ إلى رؤية الكعبة والطواف، والناس يقصدونها من سائر الجهات والأقطار.
وقد يستدل بقوله: رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ على أن الحج ماشيا لمن قدر عليه أفضل من الحج راكبا لأنه قدّمهم في الذّكر، فدل على الاهتمام بهم، وقوة هممهم، وشدة عزمهم. قال ابن عباس: ما آسى على شيء فاتني، إلا أني وددت أني كنت حججت ماشيا لأن الله يقول: يَأْتُوكَ رِجالًا «١».
والذي عليه أكثر العلماء أن الحج راكبا أفضل، اقتداء برسول الله صلّى الله عليه وسلم، فإنه حجّ راكبا، مع كمال قوته صلّى الله عليه وسلم.
وإنما قال: يَأْتُوكَ مع أن الإتيان للبيت الحرام، إشارة إلى أنه الداعي والقدوة لهم بعد، وفيه تشريف إبراهيم.
ثم أبان تعالى سبب النداء إلى الحج وحكمته فقال:
لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ، وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ.. أي أدعهم إلى الحج ليحضروا منافع لهم دينية بأن يحظوا برضوان الله، ودنيوية بما يصيبون من منافع البدن والذبائح والتجارات، وما يكون في ذلك الاجتماع العظيم من التعارف. وهذا دليل على جواز الاتجار في الحج.
وليذكروا اسم الله أي حمده وشكره والثناء عليه بالتكبير والتسبيح، على ما رزقهم من بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم، وذلك في أيام معلومات هي أيام النحر الثلاثة أو الأربعة وهو قول الصاحبين ومالك، وقيل: عشر ذي
الحجة وهو رأي أبي حنيفة والشافعي. وإذا كان ذكر اسم الله بمعنى الحمد والشكر فتكون عَلى للتعليل، ورأى الزمخشري أن ذكر اسم الله كناية عن الذبح والنحر لأن أهل الإسلام لا ينفكّون عن ذكر اسمه إذا ذبحوا أو نحروا، وتكون عَلى للاستعلاء. وفيه تنبيه على أن الغرض الأصلي فيما يتقرّب به إلى الله أن يذكر اسمه. واختير هذا الأسلوب ليشير إلى أن ذكر الله وحده دون شرك هو المقصود الأعظم وتوسيط الرزق للحث على الشكر والتقرب بتلك القربة والتهوين عليهم في الإنفاق.
ثم أمر الله تعالى بالأكل من تلك الذبائح أمر إباحة فقال:
فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ أي فاذكروا اسم الله على الذبائح، وكلوا من لحومها، وأطعموا البائس الذي أصابه بؤس أي شدة، الفقير المحتاج.
والأمر بالأكل من الذبائح كما ذكر لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من نسائكهم. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون ندبا، لما فيه من مساواة الفقراء ومواساتهم وإظهار التواضع، ومن هنا استحب الفقهاء أن يأكل الموسع من أضحيته مقدار الثلث.
وثبت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم لما نحر هديه، أمر من كل بدنة ببضعة (قطعة من اللحم) فتطبخ، فأكل من لحمها، وحسا من مرقها.
ومذهب الشافعي أن الأكل مستحب، والإطعام واجب، فإن أطعمها جميعها جاز وأجزأ. وقوله: فَكُلُوا التفات إليهم بالخطاب ليؤكد لهم إباحة الأكل من تلك الذبائح.
ثم أمر تعالى بالنظافة وإيفاء النذر والطواف، فقال:
ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ، وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ، وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ هذه أوامر بواجبات ثلاثة على سبيل الإيجاب، أي ليزيلوا الأوساخ من على أجسادهم بقص الأظفار وحلق الأشعار ونحوه من الأغسال، وليوفوا نذورهم التي نذروها
تقربا إلى الله تعالى من أعمال البر، والنذر: كل ما لزم الإنسان أو التزمه، وليطوفوا طواف الركن أو الإفاضة، وقيل: طواف الوداع، بالبيت العتيق أي القديم، فهو أقدم بيت للعبادة.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١- إن بناء الكعبة المشرفة أو البيت الحرام على يد إبراهيم الخليل عليه السلام بأمر من الله تعالى له هدفان:
الأول- إعلان وحدانية الله تعالى وإظهار التوحيد الخالص من شوائب الشرك.
الثاني- تطهير البيت من جميع الأصنام والأوثان والأقذار وكل مظاهر الكفر والبدع وجميع الأنجاس والدماء، كما قال تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الحج ٢٢/ ٣٠].
والأصح أن الخطاب في ذلك وما يأتي لإبراهيم، وليس لمحمد عليهما الصلاة والسلام.
٢- قوله: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ إعلام بفريضة الحج. وهذا يدل على أن الحج كان مفروضا في زمن إبراهيم عليه السلام، فإن كانت الفرضية باقية لم تنسخ في عهد نبي بعده، كانت الأوامر به في شريعتنا مؤكدة لتلك الفرضية.
وإن نسخت تلك الفرضية، كان وجوب الحج علينا بقوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران ٣/ ٩٧]. وذلك في عام الوفود في السنة التاسعة.
وأما آية: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة ٢/ ١٩٦] النازلة في السنة
السادسة، فليست صريحة في الإيجاب إذ يحتمل أن المراد وجوب إتمامهما بعد الشروع فيهما، فيكون الشروع فيهما ليس واجبا.
وأما إن النبي صلّى الله عليه وسلم حج حجتين قبل الهجرة فهما نافلتان على ملة أبينا إبراهيم عليه السلام، ثم حج بعد الهجرة حجة الوداع في السنة العاشرة، وهي حجة الإسلام.
وأما إن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يبادر بالحج سنة تسع عام الفرضية لأن الوقت حينئذ كان زمن النسيء (تأخير أزمان الشهور) ولم يكن الزمن الحقيقي قد استقر حتى تعود عشر ذي الحجة إلى مركزها الصحيح من السنة، وقد علم النبي صلّى الله عليه وسلم أنها ستعود إلى مركزها الحقيقي في السنة العاشرة، فتأخر إليها كي يقع حجة في الوقت الحقيقي الذي فرض الله على الناس الحج فيه. وليس على أبي بكر الذي حج في السنة التاسعة ولا على غيره حرج في حجهم ما دام أمر الزمان مختلطا.
ونداء إبراهيم بالحج على جبل أبي قبيس وإسماع صوته إلى الآفاق معجزة، فالله قادر على إيصال صوت إبراهيم إلى من يشاء في أي مكان. أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت قال: ربّ قد فرغت، فقال: أذّن في الناس بالحج، قال: يا رب، وما يبلغ صوتي؟ قال:
تعال أذّن، وعلي البلاغ، قال: ربّ كيف أقول؟ قال: قل: «يا أيها الناس، كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق» فسمعه أهل السماء والأرض، ألا ترى أنهم يجيبون من أقصى البلاد، يلبّون.
٣- قوله: يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ وعد بإجابة الناس إلى حج البيت ما بين راجل وراكب. وفيه دليل على جواز كل من المشي والركوب إلى الحج، ولا خلاف في ذلك، وإنما الخلاف في الأفضل منهما:
فرأى بعض المالكية أن المشي أفضل، لما فيه من المشقة على النفس،
ولحديث ابن ماجه في سننه عن أبي سعيد الخدري قال: حجّ النبي صلّى الله عليه وسلم وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة
، ولقول ابن عباس المتقدم.
وذهب جمهور الفقهاء منهم الإمام مالك إلى أن الركوب أفضل، اقتداء بالنبي صلّى الله عليه وسلم، ولكثرة النفقة، ولتعظيم شعائر الحج بأهبة الركوب. وأما مجرد تقديم رِجالًا على الركبان فلا يدل على الأفضلية، لأن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب، ولجواز أن يكون تقديم الرجال على الركبان، للإشارة إلى مسارعة الناس في الامتثال، حتى إن الماشي ليكاد يسبق الراكب.
وترفع الأيدي عند رؤية البيت الحرام في مذهب أحمد وجماعة لما
روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «ترفع الأيدي في سبعة مواطن: افتتاح الصلاة، واستقبال البيت، والصّفا والمروة، والموقفين «١»، والجمرتين».
٤- دلّ قوله: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ على جواز التجارة في الحج قال مجاهد: المنافع: التجارة وما يرضي الله من أمر الدنيا والآخرة. ونص الفقهاء على جواز التجارة للحجاج من غير كراهة إذا لم تكن هي المقصودة من السفر، بدليل قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة ٢/ ١٩٨] والفضل: التجارة بلا خلاف.
وكلمة مَنافِعَ تدل على حكمة الحج، وأنه شرع لما فيه من منافع عظيمة في الدين والدنيا، فمناسك الحج من أعظم مظاهر الخشية والإخلاص لله في الذكر والدعاء والعبادة، وهي تدل على التجرد من مفاتن الدنيا وزينتها، وتبعث على عدم التعلق بشهواتها وزخارفها. كما أنها بواعث على الرحمة والإحسان، والعدل
والمساواة، والتعاون، إذ يتعاون الناس في أسفارهم، ويتراحمون، ويتعارفون في هذا المؤتمر الأكبر، ويكونون متساوين لا فرق بين حاكم ومحكوم، ولا بين غني وفقير. ثم إنه كان وما يزال الحج محققا لمنافع معيشية لأهل الحجاز.
٥- يرى المالكية أن ذبح الهدي لا يجوز ليلا، للآية: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ لأن الله جعل ظرف النحر هو الأيام لا الليالي. والحق أن اليوم يطلق على النهار، وعلى مجموع النهار والليل. وغير المالكية يرون كراهة الذبح ليلا، لاحتمال الخطأ فيه بسبب الظلمة.
والأيام المعلومة في رأي الإمام مالك وأبي يوسف ومحمد: هي أيام النحر، وهي العيد واليومان بعده. وفي رأي أبي حنيفة والشافعي: هي عشر ذي الحجة، وهي معلومات لأن شأن المسلمين الحرص على معرفتها.
وأيام النحر عند الحنفية والمالكية ثلاثة أيام: العاشر ويومان بعده، وعند الشافعي: إنها أربعة: العاشر وما بعده. والرأي الأول مروي عن جمع من الصحابة. والثاني بدليل
ما روى البيهقي عن جبير بن مطعم أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «وكلّ أيام التشريق ذبح»
وهي ثلاثة بعد يوم النحر، لكن الإمام أحمد ضعّف هذا الحديث.
ووقت الذبح بعد النحر في رأي مالك: بعد صلاة الإمام وذبحه، وعند أبي حنيفة: بعد الفراغ من الصلاة دون ذبح، وفي رأي الشافعي: بعد دخول وقت الصلاة ومقدار خطبتين. قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافا بين العلماء في أن من ذبح قبل الصلاة، وكان من أهل المصر أنه غير مضحّ،
لقوله صلّى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم عن البراء بن عازب: «من ذبح قبل الصلاة فتلك شاة لحم».
وأما أهل البوادي ومن لا إمام له: فمشهور مذهب مالك أنه يتحرى ذبح الإمام أو أقرب الأئمة إليه. وقال الحنيفة: يجزيهم من بعد الفجر.
٦- قوله تعالى: فَكُلُوا مِنْها يراد منه الإباحة، مثل قوله: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [المائدة ٥/ ٢] وقوله: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ [الجمعة ٦٢/ ١٠] أو يراد منه الندب والاستحباب، فيستحب للرجل أن يأكل من هديه وأضحيته، وأن يتصدق بالأكثر، مع تجويز الصدقة بالكل وأكل الكل عند المالكية. وذلك خلافا لما كان عليه أهل الجاهلية من التحرج عن الأكل من الهدايا، فأباح النص الأكل منها أو ندب إليه لقصد مواساة الفقراء.
لكن جواز الأكل من الهدايا ليس عاما في كل هدي، فإن دم الجزاء لا يجوز لصاحبه الأكل منه اتفاقا، ودم التطوع يجوز الأكل منه اتفاقا.
أما دم التمتع والقران: فقال الشافعية: إنه دم جبر، فلا يجوز لصاحبه الأكل منه. ورأى الحنفية أنه دم شكر، فأباحوا لصاحبه الأكل منه، عملا بظاهر الآية، فإنها رتبت قضاء التفث على الذبح والطواف، ولا دم تترتب عليه هذه الأفعال إلا دم المتعة والقران، فإن سائر الدماء يجوز ذبحها قبل هذه الأفعال وبعدها، فدل ذلك على أن المراد في الآية دم المتعة والقران.
وثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلم أكل من البدن التي ساقها في حجة الوداع، وقد كان قارنا على الراجح عندهم.
وإذا كان يجوز إطعام الأغنياء منها، جاز لصاحب الذبيحة أن يأكل منها، ولو كان غنيا.
ومشهور مذهب مالك رضي الله عنه أن صاحب الذبيحة لا يأكل من ثلاث من دماء الكفارات: جزاء الصيد، ونذر المساكين، وفدية الأذى، ويأكل مما سوى ذلك إذا بلغ محلّه، واجبا كان أو تطوعا. وإذا أكل مما منع منه، يغرم في قول راجح للمالكية قدر ما أكل لأن التعدي إنما وقع على اللحم، وفي قول آخر: يغرم هديا كاملا.
٧- قوله تعالى: وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ ظاهره وجوب إطعام الفقراء
من الهدايا، وبه أخذ الشافعي، وقال أبو حنيفة: إنه مندوب لأنها دماء نسك، فتتحقق القربة فيها بإراقة الدم، أما إطعام الفقراء فهو مندوب.
ويستحب عند أكثر العلماء أن يتصدق من أضحيته وهديه بالثلث، ويطعم الثلث، ويأكل هو وأهله الثلث. ولم يثبت هذا التقسيم عند مالك. والمسافر في رأي الجمهور يطالب بالأضحية كما يطالب بها الحاضر، لعموم الخطاب بها.
ولا يطالب بها عند أبي حنيفة. كما لا يطالب عند مالك من المسافرين الحاج بمنى، فلم ير عليه أضحية.
٨- لا يجوز بيع شيء من الهدايا، لاقتصار النص على الأكل والطعام، ولما
رواه البخاري ومسلم عن علي رضي الله عنه قال: «أمرني النبي صلّى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه، فقال: اقسم جلودها وجلالها، ولا تعط الجازر منها شيئا»
فلا يجوز بيع شيء منها بالأولى.
٩- قوله: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ دليل على وجوب التحلل الأصغر، وذلك بالحلق أو التقصير.
١٠- قوله: وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ يدل على وجوب الوفاء بالنذر وإخراجه إن كان دما أو هديا أو غيره، ويدل ذلك على أن النذر لا يجوز أن يأكل منه وفاء بالنذر. وكذلك جزاء الصيد، وفدية الأذى لأن المطلوب أن يأتي به كاملا من غير نقص لحم ولا غيره، فإن أكل من ذلك، كان عليه هدي كامل.
ولا وفاء بنذر المعصية
لقوله صلّى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد عن جابر: «لا وفاء لنذر في معصية الله»
وقوله فيما رواه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن عائشة: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه».
١١- قوله: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ يدل على لزوم هذا الطواف، والمراد به طواف الإفاضة الذي هو من واجبات الحج. قال الطبري: لا خلاف بين المتأولين في ذلك.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي