ذلك أي : الأمر ذلك، وهذا من فضل الكلام، كما يقدم الكاتبُ جملة من الكلام، ثم يقول : هذا، وقد كان كذا وكذا وكذا، إذا أراد أن يخرج من كلام إلى كلام آخر، وإن كان له تعلق بما قبله. والكلام هنا متصل بتعظيم حرمات البيت، فقال : ومن يعظِّم حُرمات الله ، جمع حرمة، وهو ما لا يحل هتكه من الشريعة، فيدخل ما يتعلق بالحج دخولاً أوليًا، وقيل : حرمات الله : البيت الحرام، والمشعر الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام. وقيل : المحافظة على الفرائض والسنن واجتناب المعاصي، فهو خيرٌ له أي : فالتعظيم خير له ثوابًا عند ربه ، ومعنى التعظيم : العلم بوجوب مراعاتها، والعمل بموجبه، والاهتمام بشأنه والتأدب معه. والله تعالى أعلم.
يقول الحقّ جلّ جلاله : وأُحِلتْ لكم الأنعامُ أي : أكلها، إِلا ما يُتلىَ أي : سيتلى عليكم منها في آية المائدة١، كالميتة والموقوذة وأخواتهما. والمعنى : إن الله قد أحل لكم الأنعام إلاَّ ما بيَّن في كتابه، فحافظوا على حدوده، ولا تُحرِّموا شيئًا مما أحلَّ لكم، كتحريم البحيرة وما معها، ولا تُحلوا ما حرَّم، كإحلال المشركين الميتة والموقوذة وغيرهما.
ثم نهى عن الأوثان التي كانوا يذبحون لها، فقال : فاجتنبوا الرجس من الأوثان ؛ لأن ذلك من تعظيم حرمات الله، و من : للبيان، أي : فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان. والرجس : كل ما يستقذر من الخبث، وسمى الأوثان رجسًا على طريقة التشبيه، أي : فكما تنفرون بطباعكم من الرجس، فعليكم أن تنفروا عنها. والمراد : النهي عن عبادتها، أو عن الذبح تقربًا لها. واجتنبوا قولَ الزُّور ، وهو تعميم بعد تخصيص، فإنَّ عبادة الأوثان رأس الزور، ويدخل فيه الكذب والبهتان وشهادة الزور. وقيل : المراد شهادة الزور فقط، لِمَا رُوي أنه -عليه الصلاة والسلام- قال :" عَدلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الإِشْرَاكَ بِاللهِ تعالى " ثلاثًا، وتلى هذه الآية٢. والزور من الزّور، وهو الانحراف والميل ؛ لأن صاحبه ينحرف عن الحق، ولا شك أن الشرك داخل في الزور ؛ لأن المشرك يزعم أن الوثن تحق له العبادة، وهو باطل وزور.
هـ. قلت : ومن كان عقده الوصول إلى حضرة القدس ومحل الأنس، فوفاؤه ألا يرجع عن صحبة من سقاه خمرة المحبة، وحمله إلى درجة المعرفة. ثم قال : ومَنْ عاهد الله بقلبه، ثم لا يفي بذلك، فهو من جملة قول الزور. هـ. وهو أيضًا ليس بمُعَظِّمٍ لحرمات الله، حيث طلبها ثم تهاون وتركها. والله تعالى أعلم.
٢ أخرجه أحمد في المسند ٤/٣٢١..
الإشارة : قوله تعالى : ثم ليقضوا تفثهم ، قال القشيري : أي : حوائجهم، ويحققوا عهودهم، ويُوفوا نذورهم فيما عقدوه مع الله بقلوبهم، فَمَنْ كان عقدُه التوبةَ ؛ فوفاؤه ألاَّ يرجعَ إلى العصيان، ومَنْ كان عَهْدُه اعتناقَ الطاعةِ، فَشَرْطُ وفائه ترك تقصيره، ومن كان عهدُه ألاَّ يرجع إلى طلب مقامٍ وتطلع إكرامٍ، فوفاؤه استقامته على الجملة، التي دخل عليها في هذه الطريق، بألا يرجع إلى استعجال نصيبٍ واقتضاءِ حظ.
هـ. قلت : ومن كان عقده الوصول إلى حضرة القدس ومحل الأنس، فوفاؤه ألا يرجع عن صحبة من سقاه خمرة المحبة، وحمله إلى درجة المعرفة. ثم قال : ومَنْ عاهد الله بقلبه، ثم لا يفي بذلك، فهو من جملة قول الزور. هـ. وهو أيضًا ليس بمُعَظِّمٍ لحرمات الله، حيث طلبها ثم تهاون وتركها. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي