ﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ

ولكلِّ أمة ؛ جماعة مؤمنة قبلكم، جعلنا منسَكًا أي : مُتَعبدًا وقربانًا يتقربون به إلى الله -عزّ وجلّ- والمنسك -بالفتح- : مصدر، وبالكسر : اسم موضع النُسك، أي : لكلٍّ جعلنا عبادة يتعبدون بها، أو موضع قربان، يذبحون فيه مناسكهم، ليذكروا اسمَ الله دون غيره، على ما رزقهم من بهيمة الأنعام أي : عند نحرها وذبحها، فإِلهكم إِلهٌ واحدٌ أي : اذكروا على الذبائح اسم الله وحده ؛ فإن إلهكم إله واحد، فله أسلِمُوا أي : فإذا كان إلهكم إلهًا واحدًا ؛ فأخلصوا له التقرب، أو الذكر خاصة، واجعلوه له سالمًا، لا تشوبوه بإشراك.
وبشر المخبتين ؛ المطمئنين بذكر الله، أو المتواضعين، أو المخلصين، فإن الإخبات من الوظائف الخاصة بهم. والخَبْتُ : المطمئن من الأرض. وعن ابن عباس رضي الله عنه : هم الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا. وقيل : تفسيره ما بعده، وهو قوله : الذين إِذا ذُكرَ اللهُ وجِلَتْ قلوبُهم .
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : أعظم شعائر الله التي يجب تعظيمها أولياء الله، الدالين على الله، ثم الفقراء المتوجهون إلى الله، ثم العلماء المعلمون أحكام الله، ثم الصالحون المنتسبون إلى الله، ثم عامة المؤمنين الذين هم من جملة عباد الله. ويجب تعظيم مَنْ نصبه الله لقيام خطة من الخطط ؛ لإصلاح العباد ؛ كالسلاطين، ولو لم يعدلوا، والقضاة والقواد، والمقدمين لأمور العامة، فتعظيم هؤلاء كله من تقوى القلوب. ويدخل في ذلك : الأماكن المعظمة ؛ كالمساجد والزوايا، وأما الفقير فَيُعَظِّمُ كل ما خلق الله حتى الكلاب، ويتأدب مع كل مخلوق.
وقوله تعالى : لكم فيها منافع أي : لكم في هذه التجليات، إن عظمتموها وعرفتم الله فيها، منافع، ترعَوْن من أنوارها وتشربون من خمرة أسرارها، فتزدادوا معرفة وتكميلاً، إلى أجل مسمى، وهو مقام التمكين، فحينئذ تواجهه أنوار المواجهة، فتكون الأنوار له، لا هو للأنوار، لأنه لله لا لشيء دونه، قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [ الأنعام : ٩١ ]. ثم محل هذه الأنوار إلى بيت الحضرة، فحينئذ يستغني بالله عن كل ما سواه. وقوله تعالى : ولكل أمة جعلنا منسكًا أي : لكل عصر جعلنا تربية مخصوصة، والوصول واحد ؛ ولذلك قال : فإلهكم إله واحد . وقال القشيري : الشرائعُ مختلفةٌ فيما كان من المعاملات، متفقة فيما كان من جملة المعارف. ثم قال : ذكّرهم الله بأنه هو الذي أمرهم ويُثيبهم، فله أسلموا : اسْتَسلموا لحكمِه، من غير استكراهٍ من داخل القلب ولا من اللفظ. هـ.
وقوله تعالى : والبدن... الآية. قال الورتجبي : فيه إشارة إلى ذبح النفس بالمجاهدات، وزمها بالرياضات عن المخالفات، وفناء الوجود للمشاهدات، حتى لا يبقى للعارف في طريقه حظ من حظوظه، ويبقى لله مفردًا من جميع الخلائق. هـ.
وفي قوله تعالى : فاذكروا اسم الله عليها صواف ، إشارة إلى أن النفس لا تموت إلا بصحبة من ماتت نفسه، فلا تموت النفس مع صحبة أهل النفوس الحية أبدًا. فإذا ماتت وسقطت جنوبها، وظفرتم بها ؛ فكلوا من أنوار أسرارها وعلومها ؛ لأن النفس، إذا ماتت، حييت الروح، وفاضت عليها العلوم اللدنية، فكلوا منها، وأطعموا السائل والمتعرض لنفحاتكم. وقوله تعالى : لن ينال الله لحومها... الآية، قال الورتجبي : الإشارة فيه إلى جميع الأعمال الصالحة من العرش إلى الثرى، لا يلحق الحق بحق المراد منه، ولكن يصل إليه قلب جريح من محبته، ذُبح بسيف شوقه، مطروح على باب عشقه. قال سهل في قوله : ولكن يناله التقوى : هو التبري والإخلاص. هـ.
قال القشيري : لا عِبْرةً بإظهار الأفعال، سواء كانت بدنيةً أو ماليةً صِرْفًا، أو مما يتعلق بالوجهين، ولكن العبرة بقرائنها من الإخلاص، فإذا انضَافَ إلى الجوارح إخلاص القصود، وتَجَرَّدَتْ عن ملاحظة أصحابِها الأغيار، صَلُحَتْ للقبول، وينال صاحبها القرب، بشهود الحق بنعت التفرد. ثم قال : لتكبروا الله على ما هداكم وأرشدكم إلى القيام بحقِّ العبودية على قضية الشرع، وبشر المحسنين ، الإحسان، كما في الخبر :" أنْ تعبد الله كَأنك تراه ". وأمارةُ صحته : سقوطُ تعب القلب عن صاحِبهِ، فلا يستثقلُ شيئًا ولا يتبرم بشيءٍ. هـ. قلت : خواطر الاستثقال والتبرم لا تضر ؛ لأنه طبع بشري، وإنما يضر ما سكن في القلب.
وقال في الإحياء : ليس المقصود من إراقة دم القربان الدم واللحم، بل ميل القلب عن حب الدنيا، وبذلُها ؛ إيثارًا لوجه الله تعالى، وهذه الصفة قد حصلت عند جزم النية والهمة، وإن عاق عن العمل عائق. فلن ينال الله لحومُها ولا دماؤها، ولكن يناله التقوى منكم، والتقوى ها هنا عمل القلب، من نية القربة، وإرادة الخير، وإخلاص القصد لله، وهو المقصود، وعمل الظاهر مؤكد له، ولذلك كانت نية المؤمن أبلغ من عمله ؛ فإنَّ الطاعات غذاء القلوب، والمقصود : لذة السعادة بلقاء الله تعالى، والتنعم بها، وذلك فرع محبته والأنس به، ولا يكون إلاّ بذكره، ولا يفرغ إلا بالزهد في الدنيا، وترك شواغلها والانقطاع عنها. هـ.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير