ومعنى: إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى أي: إلى أيام معلومةن فإذا ذهبت تلك الأيام، لم يأتِ أحد لأماكن يبتغي الأجر، مثل عرفة ورمي الجمار ومزدلفة، فإنما منافعها في تلك الأيام بعينها، وهي الأجل المسمى.
ثم قال: ثُمَّ مَحِلُّهَآ إلى البيت العتيق.
أي: ثم محل البدن أن يبلغ الحرم، فتنحر بها.
وقيل: المعنى: ثم محلكم أيها الناس من مناسك حجكم إلى البيت العتيق إذا طفتم طواف الإفاضة.
وقال ابن زيد: معنا: ثم محل الحج إلى البيت العتيق. أي: إذا طافوا بالبيت طواف الإفاضة انقضت أيام الحج.
قوله تعالى ذكره: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً. إلى قوله: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
أي: ولكل جماعة سلفت قبلكم من أهل الإيمان جعلنا ذبحاً يهرقون دمه ليذكروا اسم الله [على ما رزقهم] عند ذبحهم إياه.
وقوله: مِّن بَهِيمَةِ الأنعام.
فخص لأن من البهائم ما ليس من الأنعام، كالخيل والبغال والحمير. وسميت بهائم لأنها لا تتكلم.
وقال مجاهد: منسكاً: هو هراقة الدماء.
وقال ابن عباس: منسكاً عبداً.
وقال عكرمة: مذبحاً.
والمَنْسِك بالكسر موضع الذبح، كالمجلس موضع الجلوس لأن اسم المكان من فعل يفعل المفعل.
والمَنْسَك بالفتح: المصدر فيكون معنى قراءة من كسر، ولكل أمة جعلنا موضع ذبح.
ومن قرأ بالفتح، فتقديره: ولكل أمة جعلنا أن يتقربوا بذبح الذبائح.
وقيل: مَنسَكاً متعبداً، وهو ما يعبد الله به.
" والمنسك ": العبادة والناسك: العابد.
وأصل المنسك أن يكون اسم المكان الذي يعبد الله فيه.
ثم قال تعالى: فإلهكم إله وَاحِدٌ.
أي: فإلهكم إله واحد فلا تذكروا معبوداً غيره على ذبائحكم.
وقيل: المعنى: فاجتبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور. /
فإلهكم إله وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ، أي: اخضعوا بالطاعة.
وَبَشِّرِ المخبتين.
أي: الخاشعين المطمئنين إلى الله، قاله مجاهد.
قال ابن عيينة: " المخبتين ": المطئنين.
وقال قتادة: المتواضعين.
وقيل: المخبتون: الذين لا يظلمون الناس، وإذا ظلموا لم ينتصروا.
والخبت في اللغة: المكان المطمئن المنخفض، والزور: الباطل.
وقيل: إنه أريد به في هذا الموضع الكذب.
وقيل: المخبتين: المخلصين.
ثم قال تعالى: الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ.
أي: خشعت قلوبهم وجلاً من عقابه.
قال ابن زيد: وجلت قلوبهم: لا تقسوا والصابرين على مَآ أَصَابَهُمْ أي: من
شدة في أمر الله. والمقيمي الصلاة " يعني المفروضة " وما رزقانهم ينفقون، أي: يزكون وينفقون على عيالهم.
ثم قال والبدن جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ الله.
أي: هي ما أشعرهم الله به، وأعلمهم إياه من أمر دينه. فبين أن ذبح البدن هو مما أعملهم الله به من أمور دينه والتقرب إليه به. أي: من إعلام الله، أمركم بنحرها في مناسك حجكم إذا قلدتموها وأشعرتموها.
" والبدن " جمع بدنة، كخشبة وخشب، إلا أن الإسكان في " بدن " أحسن، والضم في " خشب " أحسن، لأن بدناً أصله النعت، لأنه من البدانية وهو السمن وخشبة اسم غير نعت. والنعت أثقل من الاسم، فكان إسكانه وتخفيفه أولى من الاسم.
" والبدن ": الإبل. وإنما سميت بدناً لأجل السمانة والعظم. وقوله:
لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ.
أي: أجر من الآخرة بنحرها والصدقة منها وفي الدنيا: الركوب إذا احتيج إلى ركوبها.
ثم قال تعالى: فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا صَوَآفَّ أي: انحروها واذكروا اسم الله عليها قائمة على ثلاثة تعقل اليد اليسرى.
وقال ابن عباس: فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا قال: الله أكبر، الله أكبر، اللهم منك
ولك. صَوَآفَّ قياماً على ثلاثة.
وقرأ الحسن والأعرج: صَوَافِي، جمع صافية، ومعناها مخلصين في نحرها لله لا شرك فيها لأحد.
وقرأ ابن مسعود: صَوَافِنَ. جمع صافنة، وهي القائمة على ثلاث.
وروي عن مجاهد أنه قال: " صواف "، قائمة على أربع مصفوفة. و " صوافن ": قائمة على ثلاث.
قال قتادة: معقولة اليد اليمنى.
وقال مجاهد: " اليسرى ".
ونحر النبي ﷺ بدنة قياماً. ودل على ذلك قوله: فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا.
أي: إذا اسقطت على جنوبها. وهو قول: مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي. واستحب عطاء أن تنحر باركة معقولة لئلا تؤذي بدمها أحداً. وقد روى جابر أن رسول الله ﷺ وأصحابه، كانوا ينحرون البدنة معقولة اليد اليسرى قائمة
على ما بقي من قوائمها.
وكان النبي ﷺ يقول إذا ذبح: " بسم الله والله أكبر ".
وقوله تعالى: فَكُلُواْ مِنْهَا. إباحة، لأن المشركين كانوا لا يأكلون من ذبائحهم، فرخص الله للمسلمين في ذلك. ثم قال: وَأَطْعِمُواْ القانع والمعتر.
قال ابن عباس: القانع: المستغنى بهما أعطيته وهو في بيته، والمعتر: الذي يتعرض لك ويلم [رجاء] أن تعطيه، ولا يسأل.
وقال مجاهد: " القانع " جارك، يقنع بما أعطيته. " والمعتر ": الذي يتعرض لك، ولا يسألك.
وعن ابن عباس: " القانع " الذي يقنع بما عنده ولا يسأل، " والمعتر " الذي يعترك فيسألك.
وقال قتادة: " القانع ": المتعفف الجالس في بيته، " والمعتر " الذي يعتريك
فيسألك.
وقال الحسن: " القانع السائل "، " والمعتر: الذي يتعرض ولا يسأل.
وكذلك قال زيد بن أسلم وابن جبير أن القانع: السائل.
وعن مجاهد: " القانع " جارك وإن كان غنياً. " والمعتر ": الذي يعتريك.
وعن زيد بن أسلم أيضاً: القانع ": المسكين الطواف. " والمعتر ": الصديق الضعيف الذي يزور.
وقال محمد بن كعب القرظي: " القانع ": الذي يقنع بالشيء اليسير يرضى به، و " المعتر " الذي يمر بجانبك ولا يسأل شيئاً.
وقيل: " القانع " الذي هو فقير لا يسأل. " والمعتر " الفقير الذي يسأل.
وعن مجاهد: " القانع ": الطامع. " والمعتر " الذي يعتر من غني أو فقير.
وقال عكرمة: " القانع ": الطامع.
وقال ابن زيد: " القانع ": المسكين. " والمعتر ": الذي يتعرض للحم وليس
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي