ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤ

رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " عرفة كلها موقف، ومنى كلها منحر، وكل فجاج مكة طريق ومنحر "، وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " كل عرفة موقف، وكل منى منحر "، وفي بعض الأخبار: " في كل أيام التشريق ذبح "، وعن علي - رضي اللَّه عنه - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أتى الجمرة، فرمى بها، ثم أتى المنحر فقال: " هذا المنحر، ومنى كلها منحر "، وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " إنما المنحر بمكة، ولكنها نزهت عن الدماء، ومنى مكة ".
وقوله: (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) أي: خافت وفرقت؛ خوفا منه (وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ) من المصائب والرزايا (وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) هذه الآية قد ذكرنا تأويلها في سورة الأنفال.
وقوله: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) قَالَ بَعْضُهُمْ: من فرائض اللَّه.
وقال الحسن: من دين اللَّه.
والأشبه أن يكون قوله: (مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ)، أي: من معالم دين اللَّه وعبادته ونسكه؛ لأن الشعائر هي المعالم في اللغة، خصت بها المناسك دون غيرها من العبادات فجعلها معالم لها، والبدنة سميت: بدنة؛ لما تعظم في أنفسها وتبدن، ويقال للرجل إذا عظم في نفسه: بدن فلان.
وظاهر ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " البدنة تجزئ عن سبعة، والبقرة تجزئ عن سبعةٍ " أن البدنة هي الجزور والإبل؛ حيث قال: " البدنة تجزئ عن سبعة،

صفحة رقم 418

والبقرة تجزئ عن سبعة " فرق بين البدنة والبقرة بالذكر، واللَّه أعلم.
وقوله (لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ) قَالَ بَعْضُهُمْ: المنافع الحاضرة من الركوب، والحلب، والحمل عليها بعد ما قلدت وأوجبت هديًا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ) إلى أن تقلد، فإذا قلدت فلهم الأجر في الآخرة، وكأن هذا أشبه، أي: يكون قوله: (لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ) أي: الأجر في الآخرة؛ لأن الانتفاع بها لا يحل إذا أوجبت بدنة إلا في حال الاضطرار؛ لأنّه قال في آية أخرى: (لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ)، وفي الانتفاع بها إحلال شعائره؛ لذلك قال أصحابنا: لا ينتفع بالبدن،

صفحة رقم 419

وما روي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه رأى رجلًا يسوق بدنة، فقال له: " اركبها " فقال: إنها بدنة يا رسول اللَّه، فقال النبي: " اركبها "، فقال: إنها بدنة. فقال: " اركبها ويحك "، وفي بعض الأخبار: " ويلك؛ فهذا عندنا لما رأى بالرجل الحاجة الشديدة إلى ركوبها، وهو ما ذكرنا: أن الانتفاع بها يجوز في حال الاضطرار، ولا يجوز في حال الاختيار؛ إذ الانتفاع بالمحرمات يجوز في حال الاضطرار، فعلى ذلك بالبدن التي جعلت معالم للمناسك، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ) دل هذا أن ذكر اسم اللَّه من شرط الذبيحة؛ لأنه لم يذكر الذبح بنفسه، ولكن إنما ذكر: ذكر اسمه، فلولا أنهم فهموا من ذكر اسم الله عليها ذبحها ونحرها، وإلا لم يكتف بذكر اسمه دون ذكر الذبح؛ فدل أنهم إنما عرفوا ذلك به، وأنه من لئرط جوازها، واللَّه أعلم.
وقوله: (صَوَافَّ)، فيه لغات ثلاث:
إحداها: (صوافي): أي بالياء، وهو من الإخلاص لله، والصفو له.
والثانية: (صوافن) بالنون، وهو من عقل ثلاث قوائم منها، وترك أخرى مطلقة.
والثالثة: (صوافٍ) بالتنوين، أي: قياما مصطفة.
وكأن جميع ما ذكر يراد أن يجمع فيها من الإخلاص له وعقل القوائم، والقيام، وكذلك جاءت السنة والآثار. وفي حرف ابن مسعود: (صوافن)، بالنون، وتأويله ما ذكرنا.
وظاهر الآية يدل على القيام؛ لأنه قال: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا)، وقوله: (وَجَبَتْ)، أي: سقطت، والسقوط إنما يكون من القيام، فدل أنها تنحر قيامًا لا مضطجعة، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَكُلُوا مِنْهَا) قد ذكرنا هذا فيما تقدم في قوله: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) و (الْبَائِسَ الْفَقِيرَ): من سألك؛ هذا قول بعض.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (الْبَائِسَ): المعروف بالبؤس، و (الْفَقِيرَ): المتعفف الذي لا يسأل.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (الْبَائِسَ): المسكين، و (الْفَقِيرَ): فقير.
قَالَ بَعْضُهُمْ: (الْبَائِسَ): الضرير.
و (الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ):
قَالَ بَعْضُهُمْ: (الْقَانِعَ): هو الراضي، وهو من القناعة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو السائل، وهو من القنوع، (وَالْمُعْتَرَّ): الذي يعتريك ولا يسأل،

صفحة رقم 420

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية