قال الزَّجَّاج: اشتقاقه من الخَبْت (١)، وهو المنخفض من الأرض.
فكل مخبت (٢) متواضع (٣). وذكرنا معنى الإخبات عند قوله وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ [هود: ٢٣].
٣٥ - قوله تعالى الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ قال ابن عباس: يريد: خافت.
قال مقاتل بن حيان: وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ عندما يخوّفون (٤).
وهذا على أنهم إنما توجل قلبوهم إذا خوفوا بالله، ليس (٥) أنهم يخافونه حتى لا يرجونه.
وقوله وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ يعني من البلاء والمصائب في طاعة الله. قاله ابن عباس ومقاتل (٦).
وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ في أوقاتها، يؤدونها كما استحفظهم الله.
قال أبو إسحاق في قوله] (٧) وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ: القراءة الخفض وإسقاط النون، والخفض على الإضافة. [ويجوز: والمقيمين الصلاة (٨)، إلا أنه بخلاف المصحف] (٩). ويجوز أيضًا -على بعد-: والمقيمي
(٢) في (أ): (الخبت، مخبث)، وهو خطأ.
(٣) "معاني القرآن" ٣/ ٤٢٧. مع اختلاف يسير.
(٤) ذكره عنه السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ٤٩ وعزاه لابن أبي حاتم.
(٥) في (أ): (وليس).
(٦) ذكره عن مقاتل السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ٤٩ وعزاه لابن أبي حاتم.
(٧) ساقط من (أ).
(٨) هذه القراءة مروية عن ابن مسعود. "الشواذ" لابن خالويه ص ٩٥. وانظر: "تعليل القراءات الشواذ" للعكبري ص ٢٦٧.
(٩) ساقط من (ظ).
الصلاةَ (١)، على حذف النون ونصب الصلاة لطول الاسم (٢)، وأنشد سيبويه (٣).
(٢) قال أبو الفتح عثمان بن جني في "المحتسب" ٢/ ٨٠: أراد "المقيمين" فخذف النون تخفيفا، لا لتعاقبهما الإضافة.
وقال العكبري في "تعليل القراءات الشواذ" ص ٢٦٧: (والنون محذوفة للتخفيف لطول الكلمة، مثل قولهم: الحافظو..
(٣) ذكر الزجاج في "معاني القرآن" ٣/ ٤٢٧ إنشاد سيبويه لهذا البيت، لكن في المعاني "نطف" في موضع "وكف".
والبيت أنشده سيبويه في الكتاب ١/ ١٨٥ - ١٨٦ ونسبه لرجل من الأنصار وروايته فيه:
والحافظو... من ورائنا نطف.
وهو في "شرح شواهد الإيضاح" للقيسي ١٢٧، و"خزانة الأدب" ٤/ ٢٧٢ - وفيه: من ورائنا نطف، ٤/ ٢٧٥ - ٢٧٩ وفيه:- من ورائنا وكف) منسوبًا لعمرو بن امرئ القيس الخزرجي، وفي الاقتضاب للبطليوسي ٣/ ٢٠٧ منسوبًا لقيس بن الخطيم، وهو في ديوان قيس ١١٥، وفي "لسان العرب" ٩/ ٣٦٣ "وكف" منسوبًا لعمرو بن امرئ القيس أو قيس بن الخطيم.
ومن غير نسبة في "الإيضاح العضدي" للفارسي ص ١٧٥، "تهذيب اللغة" للأزهري ١٠/ ٣٩٣ "وكف".
قال البطليوسي في "الاقتضاب" ٣/ ٢٠٧: العورة: المكان الذي نخاف منه العدو، والوكف هاهنا- العيب، ويروى: نطف وهو نحو الوكف. يقول: نحن نحفظ عورة عشيرتنا فلا يأتيهم من ورائنا شيء يعابون به من بيع ثغرهم وقلة رعايته، هذا على رواية من روى من ورائنا، ومن روى من ورائهم أخرج الضمير مخرج الغيبة على لفظ الألف واللام؛ لأن معنى "الحافظو العشيرة" نحن الذين يحفظون عورة العشيرة، كما تقول: أنا الذي قام، فيخرج الضمير مخرج الغيبة وإن كنت تعني نفسك؛ لأن معناه: أنا الرجل الذي قام، وقد يقولون: أنا الذي قمت، فعلى هذا رواية من روى: من ورائنا. اهـ.
وانظر: "الخزانة" ٤/ ٢٧٤ - ٢٧٥.
| والحافظو عورة العشيرة لا | يأتيهم من ورائهم وكف |
ويحتاج هاهنا إلى أن نذكر طرفًا (٢) من شرح باب الإضافة مع الألف واللام.
قال أبو علي في كتاب "الإيضاح": إذا ألحقت الألف واللام اسم الفاعل قلت: هذا الضارب زيدًا، ولا يجوز إضافة الضارب إلى زيد. فإن ثنيت (٣) قلت: الضاربان زيدًا، فإن حذفت النون قلت: الضاربا زيد، وكذلك الجميع، وقد يجوز إذا حذفت النون من اسم الفاعل في الاثنين والجميع إذا ألحقته (٤) الألف واللام أنْ تنصب فتقول: الضاربو زيدًا، وهكذا أنشدوا:
الحافظو عورة العشيرة
قال: والأكثر الجر كما قال تعالى: وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ هذا كلامه (٥).
ومعنى الضارب زيدًا أي: الذي ضرب زيدًا، ولا تجوز الإضافة في هذا، ويجوز في التثنية والجمع (٦) نحو: الضاربا زيد والضاربو زيد، وذلك لأنَّ زيدًا في التثنية والجمع يعاقب نون التثنية والجمع، والنون قد تكون مع الألف واللام، وزيد في الضارب زيد لا يعاقب تنوينًا، لأنه لا يكون
(٢) العبارة في (ظ): (ويحتاج إلى أن يذكرها هنا طرفا).
(٣) في (أ): (نسيت)، وهو خطأ.
(٤) في (ظ): (ألحقتهما)، وفي باقي النسخ: (لحقته)، والتصويب من كتاب "الإيضاح".
(٥) "الإيضاح العضدي" لأبي علي الفارسي ١/ ١٧٥.
(٦) في (ظ)، (د)، (ع). (الجميع).
التنوين مع الألف واللام، فلا يكون في الإضافة فائدة، وذلك أن الغرض في الإضافة اللفظية أن يحذف التنوين، فيحصل في اللفظ اختصار وتخفيف بسقوط التنوين ويعاقبه المفعول المنصوب فينجرّ (١) لقيامه مقام التنوين في اللفظ، وليس في الضارب تنوين فيحذف لذلك، فإذا قلت: "الضارب زيد" كنت قد عدلت عن الأصل الذي هو النصب لغير غرض لفظي ولا حقيقي، وفي التثنية والجمع جاز الإضافة في اللفظ وعلى هذا قوله عز وجل وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ، كما قال: الفاتحو باب الأمير المبهم، وأما من قال الضاربا زيدا والضاربو زيدا فإنه لم (٢) يحذف النون لأجل الإضافة، ولكنه يحذفه لطول الاسم، ولا يجعل لحذفه تأثيرًا (٣) في الحكم، ويبقى النصب على أصله كالبيت الذي أنشده سيبويه، والأصل (٤) في حذف النون لامتداد الاسم في بيت الكتاب (٥):
(٢) موضع (لم) بياض في (ظ).
(٣) تأثيرًا ليست واضحة في (ظ).
(٤) في (ظ). (أصل).
(٥) البيت في "الكتاب" ١/ ١٨٦ منسوبًا للأخطل.
وهو في "ديوانه" ص ٣٨٧ أو ص ٤٤، و"سر صناعة الإعراب" ٢/ ٥٣٦ و"أمالي ابن الشجري" ٢/ ٣٠٦، و"شرح المفصل" لابن يعيش ٣/ ١٥٤، "المقاصد النحوية" للعيني ١/ ٣٢٤، و"خزانة الأدب" ٦/ ٦ - ٧.
قال البغدادي في الخزانة ٦/ ٧:
البيت من قصيدة للأخطل يفتخر بقومه ويهجو جريرًا، والألف للنداء، وبنو كليب ابن يربوع: رهط جرير. فخر الأخطل على جرير بمن اشتهر من قوله من بني تغلب وساد كعمرو بن كلثوم التغلبي قاتل عمرو بن هند ملك العرب، وعضم أبي حنش قاتل شرحبيل بن عمرو بن حجر وغيرهم من سادات تغلب. والأغلال جمع غل =
أبني كليب إن (١) عمي اللذا قتلا... الملوك وفككا الأغلالا
أراد اللذان فحذف النون لطول الاسم بالصلة، إذ قد اجتمع الذي والفعل والفاعل والمفعول، لأن جميع ما يتعلق بالموصول واصل في جملته وجار مجرى الجزء (٢) من الاسم، ألا ترى أن تقديمه ممتنع، والأحسن إذا حذفت النون الكسر، لأجل أن النون إذا حذف وجب أن يكون له أثر في اللفظ، وإذا قصد النصب وجب أن تبقى النون لفظًا، غير أن الذي ينصب مع الحذف لا يعتد بالحذف (٣) حرصًا على إبقاء لفظ (٤) النصب.
هذا الذي ذكرنا شرح ما ذكره أبو إسحاق مجملًا وهو مذهب البصريين (٥).
وقال الفراء: إنَّما جاز النصب مع حذف النون؛ لأنَّ العرب لا تقول في الواحد إلا بالنصب. فيقولون: هو الآخذ حقه، ينصبون الحق، لا يقولون إلا
قال السكري في "شرح ديوان الأخطل" ١/ ١٠٨ - ١٥٩، أحد عميه أبو حنش عصم بن النعمان قاتل شرحبيل بن الحارث بن عمرو آكل المراء يوم الكلاب الأول، والآخر دوكس بن الفدوكس بن مالك بن جشم.
وانظر الخلاف في أسماء عميه في "الخزانة" ٦/ ٨ - ٩.
(١) (إن): ساقطة من (أ).
(٢) في (ظ)، (ع): (الجرّ).
(٣) في (أ): (الحرف).
(٤) في (أ): (اللفظ).
(٥) انظر: "شرح المفصّل" لابن يعيش ٢/ ١٢٢ - ١٢٣، "الفوائد الضيائية" للجامي ٢/ ١٤.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي