قال شعيب عند ذلك : إني أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتي هَاتَيْنِ . قال أكثر المفسرين : إنه زوجه الصغيرة منهما، وهي التي ذهبت لطلب موسى واسمها صفورة(١). قوله : أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى (٢) روي عن أبي عمرو «أنْكِحَكَ حدى » بحذف همزة «إحدَى »(٣)، وهذه تشبه قراءة ابن محيصن «فَجَاءَتْهُ حْدَاهُما »، وتقدم التشديد في نون «هَاتَيْنِ » في سورة النساء(٤).
قوله على أَن تَأْجُرَنِي في محل نصب على الحال، إما من الفاعل أو من المفعول، أي : مشروطاً على أو عليك ذلك(٥). و «تَأْجُرَنِي » مضارع أَجَرْتُه، كنتُ له أجيراً، ومفعوله(٦) الثاني محذوف، أي : وتأجُرنِي نفسَك(٧)، و «ثَمَانِيَ حِجَجٍ » ظرف له(٨). ونقل أبو حيان عن الزمخشري أنها هي المفعول الثاني(٩). قال شهاب الدين الزمخشري لم يجعلها مفعولاً ثانياً على هذا الوجه، وإنّما جعلها مفعولاً ثانياً على وجه آخر، وأما(١٠) على هذا الوجه فلم(١١) يجعلها غير ظرف، وهذا نصه ليتبين لك، قال :«تَأْجُرَنِي »، من أجرته إذا كنت له أجيراً، كقولك(١٢) : أبوته إذا كنت له أَباً، و «ثَمَانِيَ حِجَجٍ » ظرف(١٣)، أو مِنْ أجرته(١٤) إذا أثبته، ومنه تعزية رسول الله صلى الله عليه وسلم :«آجركُم اللَّهُ ورحِمَكُمْ »(١٥) و «ثماني حججٍ » مفعول به، ومعناه رعية ثماني حجج(١٦). فنقل الشيخ(١٧) عنه الوجه الأول من المعنيين المذكورين في «تأجُرنِي » فقط، وحكى عنه أنه أعرب «ثَمَاني حِجَجٍ » مفعولاً به، وكيف يستقيم ذلك أو يتجه ؟ وانظر إلى الزمخشري كيف قدر مضافاً ليصح(١٨) المعنى به، أي : رَعْيُ ثَمَانِي حِجَجٍ، لأن العمل هو الذي تقع به الإثابة لا نفس الزمان، فكيف يوجه الإجارة على الزمان(١٩) ؟.
( قوله )(٢٠) «فَمِنْ عِنْدِكَ » يجوز أن يكون في محل رفع خبراً لمبتدأ محذوف تقديره : فهي من عندك، أو نصب أي : فقد زدتها أو تفضلت بها من عندك(٢١).
فصل :
معنى الآية : أريدُ أن أنكِحَكَ إحدى ابنتيَّ هاتين على أن تكون أجيراً لي ثمانِ سنين قال الفراء(٢٢) : أي تجعل ثوابي من تزويجها أنْ ترعى غنمي ثماني حجج(٢٣)، تقول العرب : أَجَرَكَ اللَّه بأجْرِكَ، أي : أثابك والحِجَج : السِّنُون، واحدها حجَّة.
فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً أي : عشر سنين «فَمِنْ عِنْدِك » أي : ذلك تفضل منك وتبرع ليس بواجب(٢٤) عليك(٢٥). واعلم أن هذا اللفظ - وإن كان على الترديد - فلا شبهة أنه عند التزويج عين، ولا شبهة في أن العقد وقع على أقل الأجلين، والزيادة كالتبرع(٢٦). ودلت الآية على أنَّ العمل قد يكون مهراً كالمال، وعلى أن إلحاق الزيادة بالثمن والمثمَّن جائز، ولكنه(٢٧) شرع من قبلنا(٢٨)، ودلَّت أيضاً على أنه يجوز أن يشرط الوليُّ، وعلى أنَّ عقد النكاح لا تفسده الشروط التي لا يوجبها العقد(٢٩). ( واستدل بعض الحنفية بهذه الآية على صحة بيع أحد هذين العبدين، أو الثوبين، وفيه نظر، لأنها مراضاة لا معاقدة. ودلت الآية أيضاً على صحة الإجارة بالطعمة والكسوة، كما جرت به العادة، ويؤيده قوله عليه السلام :«إنَّ مُوسَى أَجَّر نَفْسه ثَمَانِيَ سنينَ أوْ عَشْرَة على عفة فرجه وطعام بطنه » وهو مذهب الحنابلة قاله ابن كثير(٣٠).
فصل :
قال النووي : الإجارة بكسر الهمزة هو المشهور، وحكى الرافعي(٣١) أن الجياني(٣٢) حكى في الشامل أيضاً ضم الهمزة، قال أهل اللغة : وأصل الأجر الثواب، يقال : أجرت فلاناً عن عمله كذا أي : أثبته، والله يأجر العبد أي ؛ يثيبه، والمستأجر يثيب المأجور عوضاً عن بذل المنافع. قال الواحدي : قال المبرد : يقال أجرت داري ومملوكي غير ممدود، وآجرت ممدود قال المبرد : والأول أكثر )(٣٣) (٣٤).
قوله : وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ أي ؛ ألزمك تمام العشر. وأَنْ أَشُقَّ، مفعول «أريد » وحقيقة قولهم(٣٥) : شَقَّ عليه أي : شقَّ ظنَّه نصفين فتارة يقول أطيق، وتارة لا أطيق، وهو من أحسن مجاز(٣٦).
قوله سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ قال عمر : أي في حسن(٣٧) الصحبة والوفاء ولين الجانب(٣٨). وقيل : أراد الصلاح على العموم، وإنما قال إِن شَاءَ اللَّهُ للاتكال على توفيقه ومعونته(٣٩)، فإنْ قيل : كيف ينعقد العقدُ بهذا الشَّرط، ولو قلت أنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ الله لا تطلَّق ؟ فالجواب : هذا ما يختلف بالشرائع(٤٠).
٢ في ب: إحدى ابنتي..
٣ انظر المختصر (١١٢)، البحر المحيط ٧/١١٥..
٤ عند قوله تعالى: واللّذان يأتيانها منكم فآذوهما من الآية (١٦)..
٥ انظر التبيان ٢/١٠١٩..
٦ في ب: ومفعول. وهو تحريف..
٧ انظر البحر المحيط ٧/١١٥..
٨ انظر البيان ٢/٢٣١، التبيان ٢/١٠١٩..
٩ البحر المحيط ٧/١١٥..
١٠ في الأصل: أما..
١١ في ب: فلا..
١٢ في ب: كقوله..
١٣ في الكشاف: ظرفه..
١٤ في الكشاف: أو من أجرته كذا..
١٥ انظر الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف(١٢٦)..
١٦ الكشاف ٣/١٧٣..
١٧ في ب: النسخ. وهو تحريف..
١٨ في الأصل: يصح..
١٩ الدر المصون ٥/٢١٦..
٢٠ ما بين القوسين بياض في الأصل..
٢١ انظر التبيان ٢/١٠١٩..
٢٢ قال الفراء: سقط من الأصل..
٢٣ معاني القرآن ٢/٣٠٥..
٢٤ في ب: بواحد. وهو تحريف..
٢٥ انظر البغوي ٦/٣٣٣-٣٣٤..
٢٦ انظر الفخر الرازي ٢٤/٢٤٢..
٢٧ في ب: ولكن..
٢٨ انظر الفخر الرازي ٢٤/٢٤٢..
٢٩ المرجع السابق..
٣٠ انظر تفسير ابن كثير ٣/٣٨٥..
٣١ هو عبد الكريم بن محمد الرافعي، فقيه شافعي قزويني، تضلع في المذهب والعلوم الإسلامية وله مشاركة في التاريخ واللغة، من كتبه: فتح العزيز في شرح الوجيز للغزالي، والتدوين في أخبار قزوين. مات سنة ٦٢٣ هـ. المنجد في الأعلام (٢٦٠)..
٣٢ في النسختين: الحار. والتصويب من تهذيب الأسماء واللغات للنووي ص ٤..
٣٣ انظر تهذيب الأسماء واللغات (٤)..
٣٤ ما بين القوسين سقط من ب..
٣٥ في ب: قوله..
٣٦ انظر الكشاف ٣/١٦٤..
٣٧ في الأصل: جنس..
٣٨ انظر البغوي ٦/٣٣٤..
٣٩ انظر الفخر الرازي ٢٤/٢٤٢..
٤٠ انظر الفخر الرازي ٢٤/٣٤٣..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود