ويأتي دور الأب، وما ينبغي له من الحزم في مثل هذه المواقف، فالرجل سيكون أجيرا عنده، وفي بيته بنتان، سيتردد عليهما ذهابا وإيابا، ليل نهار، والحكمة تقتضي إيجاد علاقة شرعية لوجوده في بيته ؛ لذلك رأى أن يزوجه إحداهما ليخلق وضعا، يستريح فيه الجميع :
قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين(١) على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين ٢٧
في الأمثال نقول :( اخطب لبنتك ولا تخطب لابنك ) ذلك لأن كبرياء الأب يمنعه أن يعرض ابنته على شاب فيه كل صفات الزوج الصالح- وإن كان القلة يفعلون ذلك- وهذه الحكمة من الأب في أمر زواج ابنته تحل لنا إشكالات كثيرة، فكثيرا ما نجد الشاب سوى الدين، سوى الأخلاق، لكن مركزه الاجتماعي- كما نقول- دون مستوى البنت وأهلها، فيتهيب أن يتقدم لها فيرفض.
وفي هذه الحالة على الأب أن يجرئ الشاب على التقدم، وأن يلمح له بالقبول إن تقدم لابنته، كأن يقول له : لماذا لم تتزوج يا ولد حتى الآن، وألف بنت تتمناك ؟ أو غير ذلك من عبارات التشجيع.
أما أن ترتقي إلى مستوى التصريح كسيدنا شعيب إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين... ٢٧ ( القصص ) فهذا شيء آخر، وأدب عال عن العارض، ومن المعروض عليه، وفي مجتمعاتنا كثير من الشباب والفتيان ينتظرون هذه الجرأة وهذا التشجيع من أولياء أمور البنات.
ألا ترى أن الله أباح لنا أن نعرض بالزواج لمن توفي عنها زوجها، قال تعالى : ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء... ٢٣٥ ( البقرة ) ولا تخفى علينا عبارات التلميح التي تلفت نظر المرأة للزواج.
وقوله : على أن تأجرني ثماني حجج.... ٢٧ ( القصص ) أي : تكون أجيرا عندي ثماني سنوات، وهذا مهر الفتاة، أراد به أن يغلي من قيمة بنته، حتى لا يقول زوجها : إنها رخيصة، أو أن أباها رماها عليه.
فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين ٢٧ ( القصص )يعني : حينما تعايشني ستجدني طيب المعاملة، وستعلم أنك موفق في هذا النسب، بل وستزيد هذه المدة محبة في البقاء معنا.
تفسير الشعراوي
الشعراوي