ﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸ

ثم قال تعالى - آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يُبَاهِلَ مَنْ عَانَدَ الحق في أمر عيسى بعد ظهور البيانِ : فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ أي : نحضرهم في حال المباهلة ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ أي : نلتعن فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ أي : منا أو منكم.
وكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران، أن النصارى حين قدموا فجعلوا يُحَاجّون في عيسى، ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية، فأنزل الله صَدْرَ هذه السورة رَدا عليهم، كما ذكره الإمام محمد بن إسحاق بن يَسَار وغيره.
قال ابن إسحاق في سيرته المشهورة وغيره : وقَدم١ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نَجْران، ستون راكبا، فيهم أربعة عَشرَ رجلا من أشرافهم يؤول إليهم أمرهم، وهم : العاقب، واسمه عبد المسيح، والسيد، وهو الأيْهَم، وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل، وأويس الحارث٢ وزيد، وقيس، ويزيد، ونبيه، وخويلد، وعمرو، وخالد، وعبد الله، وَيُحَنَّس.
وأمْرُ هؤلاء يؤول إلى ثلاثة منهم، وهم : العاقب وكان أمير القوم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه، والسيد وكان عالمهم وصاحب رَحْلهم ومُجتمعهم، وأبو حارثة بن علقمة وكان أسْقُفهم وحَبْرَهم وإمامهم وصاحب مدارسهم، وكان رجلا من العرب من بني بكر بن وائل، ولكنه تَنَصَّر، فعظمته الروم وملوكها وشرفوه، وبنوا له الكنائس وَمَوَّلُوه وأخْدَموه، لما يعلمونه من صلابته في دينهم. وقد كان يعرف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وشأنه وصفته بما علمه من الكتب المتقدمة جيدا، ولكن احتمله جهله على الاستمرار في النصرانية لما يرى [ من ]٣ تعظيمه فيها ووجاهته عند أهلها.
قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، قال : قَدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فدخلوا عليه مَسْجِدَه حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرَات : جُبَب وأرْدية، في جَمَال رجال بني الحارث بن كعب. قال : يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم. وقد حانت صلاتهم، فقاموا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دَعُوهم فصلّوا إلى المشرق.
قال : فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو حارثة بن علقمة، والعاقب عبد المسيح، أو السيّد الأيهم، وهم من النصرانية على دين الملك، مع اختلاف أمرهم، يقولون : هو الله، ويقولون : هو ولد الله، ويقولون : هو ثالث ثلاثة. تعالى الله [ عن ذلك علوًا كبيرا ]٤ وكذلك قول النصرانية، فهم يحتجون في قولهم :" هو الله " بأنه كان يحيي الموتى، ويُبْرئُ الأسقامَ، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طيرا٥ وذلك كله بأمر الله، وليجعله آية للناس.
ويحتجون في قولهم بأنه ابن الله، يقولون : لم يكن له أب يعلم، وقد تكلم في المهد بشيء لم يصنعه أحد من بني آدم قبله.
ويحتجون في٦ قولهم بأنه ثالث ثلاثة، بقول الله تعالى : فعلنا، وأمرنا، وخلقنا، وقضينا ؛ فيقولون : لو كان واحدًا ما قال إلا فعلتُ وقضيتُ وأمرتُ وخلقتُ ؛ ولكنه هو وعيسى ومَرْيَم وفي كل ذلك من٧ قولهم قد نزل القرآن.
فلما كلمه الحَبْران قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أسْلِمَا " قالا قد أسلمنا. قال :" إنَّكُمَا لَمْ تُسْلِمَا فأسْلِما " قالا بلى، قد أسلمنا قبلك. قال :" كَذَبْتُمَا، يمْنَعُكُمَا مِنَ الإسْلامِ دُعَاؤكُما٨ لله ولدا، وَعِبَادَتُكُمَا الصَّلِيبَ وأكْلُكُمَا الخِنزيرَ ". قالا فمن أبوه يا محمد ؟ فَصَمَتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما فلم يجبهما، فأنزل الله في ذلك من قولهم، واختلاف أمرهم، صَدْرَ سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها.
ثم تَكَلَّم ابن إسحاق على التفسير٩ إلى أن قال : فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من الله، والفَصْلُ من القضاء بينه وبينهم، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إنْ رَدّوا ذلك عليه، دعاهم إلى ذلك ؛ فقالوا : يا أبا القاسم، دَعْنَا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل١٠ فيما دعوتنا إليه، فانصرفوا عنه، ثم خَلَوْا بالعاقب، وكان ذا رأيهم، فقالوا : يا عبدَ المسيح، ماذا ترى ؟ فقال : والله يا معشر النصارى لقد عرَفْتم أن محمدًا لنبيٌّ مرسل، ولقد جاءكم بالفَصْل من خَبَر صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما لاعَن قوم نبيًا قط فبقي كبيرهم، ولا نبت صَغيرهم، وإنه للاستئصال١١ منكم إن فعلتم، فإن كنتم [ قد ]١٢ أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادعُوا الرجلَ وانصرفوا إلى بلادكم.
فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا : يا أبا القاسم، قد رأينا ألا نلاعنك، ونتركك على دينك، ونرجعَ على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضاه لنا، يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من أموالنا، فإنكم١٣ عندنا رضًا.
قال محمد بن جعفر : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ائْتُونِي الْعَشِيَّة أبعث معكم القوي الأمين "، فَكان١٤ عمر بن الخطاب يقول : ما أحببت الإمارة قَطّ حُبّي إياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فَرُحْتُ إلى الظهر مُهَجّرا، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهرَ سلَّم، ثم نَظَر عن يمينه وعن يساره، فجعلت أتطاول له ليراني، فلم يَزَلْ يلتمس ببصره حتى رأى أبا عُبَيدة بن الجَرَّاح، فدعاه :" اخْرُجْ معهم، فَاقْضِ بينهم بِالْحَقِّ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ". قال عمر : فذهب بها أبو عبيدة، رضي الله عنه١٥.
وقد روى ابن مردويه من طريق محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن١٦ قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خُدَيْج : أن وفد أهل نجران قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه، إلا أنه قال في الأشراف : كانوا اثني عشر. وذكر بقيته بأطول من هذا السياق، وزيادات أخَر.
وقال البخاري : حدثنا عباس بن الحسين، حدثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صِلَة بن زُفَر، عن حذيفة قال : جاء العاقبُ والسيدُ صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه، قال : فقال أحدهما لصاحبه : لا تَفْعَلْ، فوالله إن١٧ كان نبيا فلاعناه لا نفلحُ نحنُ ولا عَقبنا من بعدنا. قالا إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلا أمينًا، ولا تبعث معنا إلا أمينا. فقال :" لأبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلا أمينًا١٨ حَقَّ أمِينٍ "، فاستشرفَ لها أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :" قُمْ يَا أبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحٍِ " فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" هَذَا أمِينُ هذه الأمَّةِ ".
[ و ]١٩ رواه البخاري أيضا، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة٢٠ من طرق عن أبي إسحاق السَّبِيعي، عن صِلَة، عن حذيفة، بنحوه.
وقد رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجة، من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق، عن صلَة عن ابن مسعود، بنحوه٢١.
وقال البخاري : حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن خالد، عن أبي قِلابة، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لكل أُمَّةٍ أمينٌ وأمين هذه الأمَّة أبُو عبيدة بْنُ الْجَرَّاحِ " ٢٢.
وقال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل بن يزيد الرَّقِّي أبو يزيد، حدثنا فُرَات، عن عبد الكريم ابن مالك الجزَري " عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : قال أبو جهل : إن رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطَأ على عنقه. قال : فقال :" لو فعلَ لأخَذته الملائكةُ عيانًا، ولو أن اليهود تمنَّوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرَجَعوا لا يجدون مالا ولا أهلا " ٢٣.
وقد رواه الترمذي، والنسائي، من حديث عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن عبد الكريم، به. وقال الترمذي :[ حديث ]٢٤ حسن صحيح٢٥.
وقد روى البيهقي في دلائل النبوة قصَّة وَفْد نَجْران مطولة جدًا، ولنذكره فإن فيه فوائدَ كثيرة، وفيه غرابة وفيه مناسبة لهذا المقام، قال البيهقي :
حدثنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل، قالا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بُكَيْر، عن سلمة بن عبدِ يَسُوع، عن أبيه، عن جده قال يونس - وكان نصرانيا فأسلم - : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه طس سليمان :" بِاسْم إلَهِ إِبْرَاهِيمَ وإسْحَاقَ ويَعْقُوبَ، مِنْ مُحَمَّدٍ الَّنِبيِّ رَسُولِ اللهِ إلَى أسْقف نَجْرانَ وأهْلِ نَجْرانَ سِلْم٢٦ أَنْتُم، فإنِّي أحْمَدُ إلَيْكُمْ إلَهَ إبْرَاهِيمَ وإِسْحَاقَ ويَعْقُوبَ. أَمَّا بَعْدُ، فإنِّي أَدْعُوكُم إلَى عِبَادَةِ اللهِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ، وأدْعُوكُمْ إلَى وِلايَةِ اللهِ مِنْ وِلايَةِ الْعِبَادِ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَالْجِزْيَةُ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ٢٧ آذَنْتُكُمْ بِحَرْبٍ والسَّلامُ ".
فلما أتى الأسقف الكتاب فقرأه فَظعَ به، وذَعَره ذُعرًا شديدًا، وبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له : شُرَحْبيل بن وَداعة - وكان من هَمْدان ولم يكن أحد يُدْعَى إذا نزلت مُعْضلة قَبْلَه، لا الأيهم ولا السِّيد ولا العاقب - فدفع الأسْقُفُ كتابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شُرَحْبيل، فقرأه، فقال الأسقف : يا أبا مريمَ، ما رأيك٢٨ ؟ فقال شرحبيل : قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة، فما يُؤْمنُ أن يكون هذا هو ذاك الرجل، ليس لي في النبوة رأي، ولو كان أمر من أمور الدنيا لأشرت عليك فيه برأيي، وجَهِدتُ لك، فقال له الأسقف : تَنَحَّ فاجلس. فَتَنَحَّى شرحبيل فجلس ناحية، فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران، يقال له : عبد الله بن شرحبيل، وهو من ذي أصبح من حمْير، فأقرأه الكتاب، وسأله عن الرأي فيه، فقال له مثل قول شرحبيل، فقال له الأسقف : فاجلس، فتَنَحى فجلس ناحية. وبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران، يقال له : جبار بن فيض، من بني الحارث بن كعب، أحد بني الحماس، فأقرأه الكتاب، وسأله عن الرأي فيه ؟ فقال له مثل قول شُرَحبيل وعبد الله، فأمره الأسقف فتنحى فجلس ناحية.
فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعًا، أمر الأسقف بالناقوس فضُرب به، ورُفعت النيران والمسوح في الصوامع، وكذلك كانوا يفعلون إذا فَزعوا بالنهار، وإذا كان فزعُهم ليلا ضربوا بالناقوس، ورفعت النيران في الصوامع، فاجتمعوا٢٩ حين ضرب بالناقوس ورفعت المسوح أهل الوادي أعلاه وأسفل

١ في ر: "وفد"..
٢ في جـ، ر: "وأوس بن الحارث"..
٣ زيادة من جـ، ر، أ، و..
٤ زيادة من جـ، أ..
٥ في جـ، ر، أ، و: "طائرا"..
٦ في جـ، ر، أ، و: "على"..
٧ في جـ، ر: "في"..
٨ في جـ، أ، و: "ادعاؤكما"..
٩ في جـ، ر، أ، و: "تفسيرها"..
١٠ في جـ، ر: "تريد أن تفعل"..
١١ في جـ، ر: "الاستئصال"..
١٢ زيادة من أ، و..
١٣ في جـ، أ: "وإنكم"..
١٤ في جـ: "وكان"..
١٥ السيرة النبوية لابن هشام (١/٥٧٣ - ٥٧٥) ورواه الطبري في تفسيره (٦/١٥١) من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق به..
١٦ في أ: " عن"..
١٧ في أ، و: "لأن"..
١٨ في أ: "أمينا خير أمين"..
١٩ زيادة من أ، و..
٢٠ صحيح البخاري برقم (٣٧٤٥) (٧٢٥٤) (٤٣٨٠، ٤٣٨١) وصحيح مسلم برقم (٢٤٢٠) وسنن الترمذي برقم (٣٧٩٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٨١٩٧) وسنن ابن ماجة برقم (١٣٥)..
٢١ المسند (١/٤١٤) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٨١٩٦) وسنن ابن ماجة برقم (٣١٣٦)..
٢٢ البخاري برقم (٣٧٤٤)، (٤٣٨٢)، (٧٢٥٥)، ورواه مسلم في صحيحه برقم (٦٩٠) من حديث أنس بن مالك..
٢٣ في جـ: "أهلا ولا مالا"..
٢٤ زيادة من جـ..
٢٥ المسند (١/٢٤٨) وسنن الترمذي برقم (٣٣٤٨)، والنسائي في السنن برقم (١١٦٨٥)..
٢٦ في جـ، ر، أ، و: "أسلم"..
٢٧ في جـ، ر، أ، و: "أبيتم فقد"..
٢٨ في جـ: "ما رأيك يا أبا مريم"..
٢٩ في جـ، ر: "فاجتمع"..

تفسير القرآن العظيم

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي

تحقيق

سامي سلامة

الناشر دار طيبة للنشر والتوزيع
سنة النشر 1420
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 8
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية