بِشَكِّه (١) سِرًّا، كاللبن (٢) الذي يُجتذَب (٣) عند الحلب. ويقال: (قد مارى فلانٌ فلانا): إذا جادله واستخرج غضبه (٤).
٦١ - قوله تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ أي: في عيسى عليه السلام. وقيل (٥): الهاء تعود إلى الْحَقُّ، في قوله: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ. مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ. أنَّ عيسى عبد الله ورسوله. فَقُل تَعَالَواْ. أصله: (تعالَيُوا)؛ لأنه (تَفاعَلُوا)؛ من: (العُلُوِّ)، فاستُثْقِلت الضمة على الياء، فسُكِّنت، ثم حُذِفَت لاجتماع الساكِنَيْن. وأصله: العُلُوُّ والارتفاع.
فمعنى (تعالَ): ارتفع. إلاَّ أنه أكثر (٦) في الاستعمال حتى صار لكل مجيء، وصار بمنزلة (هَلُمَّ) (٧).
وقوله تعالى: نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ. فقال المفسرون (٨): لمَّا احتجَّ الله تعالى على النصارى من طريق القياس بقوله: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى [آل
(٢) في (أ): (كاللين). والمثبت من بقية النسخ.
(٣) في (ج): (يجتلب).
(٤) ونصُّ قول ابن الأنباري: (وقولهم: "قد مارى فلان فلانًا"، قال أبو بكر: معناه: قد استخرج ما عنده من الكلام "الحجة" وهو مأخوذ من قولهم: "مَرَيْتُ الناقةَ والشاة، أمْريهما مَرْيًا": إذا مسحت ضروعهما لتَدُرّا).
(٥) لم أقف على القائل، وقد حكى المفسرون القولين دون بيان الذاهب إلى القول الثاني. وقد ذهب الطبري إلى الأول، وأجاز الثاني. انظر: "تفسيره" ٣/ ٢٩٨، "تفسير البغوي" ١/ ٤٨، "زاد المسير" ١/ ٣٩٩.
(٦) في (ب)، (د): (كثر).
(٧) انظر: "الزاهر" ٣/ ٢٧٧، "مفردات ألفاظ القرآن" ٥٨٤ (علا).
(٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٤٢٣.
عمران: ٥٩]، الآية؛ أمر (١) النبي - ﷺ -، أن يحتجَّ عليهم من طريق الإعجاز وهو: المباهلة.
ومعنى المباهلة: الدعاء على الظالم من الفريقين (٢). فلما نزلت هذه الآية، دعا رسول - ﷺ - وفد نجران إلى المباهلة، وخرج رسول الله - ﷺ - محتضنًا الحسينَ (٣)، آخذًا بيد الحَسَن (٤)، وفاطمة (٥) تمشي خلفه، وعَلِيٌّ خلفها، وهو يقول لهم: إذا أنا دعوت فَأَمِّنوا. فقال: أُسْقُفُّ (٦) نَجْران: يا
(٢) انظر: "تأويل مشكل القرآن" ٥٥٦، "الزاهر" ١/ ٢١٩، "مقاييس اللغة" ١/ ٣١١ (بهل). وقد ذكر ابن فارس أن (بهل) أصل لثلاثة معانٍ: الابتهال، والتضرع، والدعاء، ثم قال: (والمباهلة يرجع إلى هذه، فإن المتباهِلَيْن يدعو كل واحد منهما على صاحبه، قال تعالى: ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [آل عمران: ٦١].
(٣) هو: أبو عبد الله، الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، حفيد رسول الله - ﷺ - ابن بنته فاطمة رضي الله عنها، اختلف في سنة ولادته ما بين سنة (٤ هـ - ٦ هـ)، وكان رحمه الله دَيِّنا فاضِلا كثيرَ الصيام والصلاة والحج، وقُتِل رضي الله عنه بكربلاء من الكوفة سنة (٦١ هـ)، إثر خروجه على بني أمية رضي الله عنه. انظر: "الاستيعاب" ١/ ٤٤٢، "الإصابة" ١/ ٣٣٢.
(٤) هو: أبو محمد، الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، حفيد رسول الله - ﷺ -، ابن بنته فاطمة رضي الله عنها وُلِد سنة (٣ هـ)، كان حليمًا ورعًا فاضلًا، ترك المُلْك والدنيا حرصًا على دماء المسلمين، ورغبة فيما عند الله، اختلف في سنة وفاته ما بين (٤٩ هـ - ٥١ هـ)، ودفن بالبقيع. رضي الله عنه. انظر: "الاستيعاب" ١/ ٤٣٦، "الإصابة" ١/ ٣٢٨.
(٥) هي: الزهراء، بنت رسول الله - ﷺ -، وزوج علي بن أبي طالب رضي الله عنه ابن عم رسول الله - ﷺ -، وأم الحسن والحسين رضي الله عنهما. انظر: "الاستيعاب" ٤/ ٤٤٧، "الإصابة" ٤/ ٣٧٧.
(٦) الأُسقُفُّ بتشديد الفاء، وتخفيفها: لقب ديني لأحبار النصارى، فوق القسِّيس، =
معشر النصارى: إني لأرى وجوهًا لو سألوا الله أن يزيل جبلًا عن مكانه لأزاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة. ثمَّ قبلوا الجِزْيَةَ وانصرفوا. فقال رسول الله - ﷺ -: "والذي نفسي بيده، إنَّ العذاب قد تدلَّى على أهل نجران، ولو تلاعنوا، لمُسِخوا قِرَدَةً وخنازيرَ، ولا ضطَرَبَ عليهم الوادي نارًا، ولاستأصل الله نجرانَ وأهلَهُ، حتى الطيرَ على الشجر، ولَمَا حالَ الحولُ على النصارى حتى هلكوا" (١).
(١) وردت قصة المباهلة في كتب السنة، والتفسير بالمأثور، بروايات وألفاظ مختلفة تتفق في مضمونها مع ما ذكره المؤلف، ولكن لم أجد الرواية بهذا اللفظ الذي ساقه المؤلف إلا عند البغوي في "تفسيره" ٢/ ٤٨، وذكرها الزمخشري في "الكشاف" ١/ ٤٣٤. وتتفق بعض ألفاظ رواية المؤلف مع بعض الروايات الواردة في كتب السنة، وتقرب من بعضها، كما أن بعض ألفاظها بالمعنى. انظر: "روايات المباهلة" في "صحيح البخاري" (٤٣٨٠) كتاب: المغازي، باب: (قصة أهل نجران). "صحيح مسلم" (٢٤٠٤) كتاب: فضائل الصحابة، باب (من فضائل علي)، "سنن الترمذي" (٢٩٩٩)، كتاب: التفسير، باب: من سورة آل عمران، وقال عنه: (حسن صحيح). "مسند أحمد" ١/ ٢٤٨، "مستدرك الحاكم" ٢/ ٥٩٤ وصححه، ووافقه الذهبي. "مصنَّف ابن أبي شيبة" ٦/ ٣٨١ رقم الحديث (٣٢١٧٥)، "سيرة ابن هشام" ٢/ ٢١٥، "تفسير الطبري" ٣/ ٢٩٩ - ٣٠١، "تفسير =
وقوله تعالى: وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ. قال أهل المعاني: يعني بـ (الأنفس): بني العم. والعرب لا تستنكر أن تخبر عن ابن العم بأنه نفسُ ابن عمِّهِ، وقد قال الله تعالى: وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ (١)؛ أراد: إخوانكم من الدين (٢)، فأجرى (٣) الأخوَّةَ في (٤) الدين، مجرى الأخوَّةِ في (٥) القرابةِ (٦). وإذا (٧) وقعت النفس على البعيد في النسب، كان أجدر أن تقع على القريب في النسب والدين؛ وإنَّما قلنا هذا؛ لأن المتكلم لا يقول ادعوا فلانا وفلانا ونفسي؛ لأنه يكون حاضرًا.
(١) سورة الحجرات: ١١ وبعدها: وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.
(٢) في (ج)، (د): (من المؤمين).
(٣) في (ج): (وأجرى).
(٤) في (ب): (من).
(٥) في (ب): (من).
(٦) وقد ذكر ابن خالويه أن من معاني (النفس): الأخ. ثم استدل له بقوله تعالى في آية ٢٩ من النساء: وَلَا تَقتُلُوا أَنفُسَكُم، وقال: (أي: إخوانكم). وقد نقل صاحب "اللسان" قوله ابن خالويه، واستدل له بقوله تعالى: فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ آية: ٦١ سورة النور. انظر ليس في كلام العرب، لابن خالويه: ١٩٦، "لسان العرب" ٦/ ٢٣٤ (نفس). وكذا فسرها ابن قتيبة، فقال: (أي: إخواننا وإخوانكم). "تفسير غريب القرآن" ١٠٦.
(٧) في (ج): (إذا) بدون واو.
وقوله تعالى: ثُمَّ نَبْتَهِلْ الابتهال في اللغة يكون على معنيين:
أحدهما: التضرع إلى الله.
والثاني: الالتعان، والدعاء بـ (البَهْلَةِ)، وهي: اللَّعْنَةُ. يقال: (عليه بَهْلَةُ اللهِ)؛ وبَهلتهُ؛ أي: لعنته (١).
قال لَبِيد:
| في قُرومٍ سادةٍ مِن قومِهم | نَظَرَ الدهرُ إليهم فابْتَهَلْ (٢). |
(٢) البيت، في ديوانه: ١٩٧، وقد ورد منسوبًا له، في "تفسير الطبري" ٣/ ٢٩٨، "الزاهر" ١/ ٢١٩، "معاني القرآن" للنحاس ١/ ٤١٥، "النكت والعيون" للماوردي: ١/ ٣٩٨، "أساس البلاغة" ١/ ٧١ (بهل)، "تفسير القرطبي" ٤/ ١٠٤. وقد وردت روايته في بعض المصادر السابقة: (في كهول سادة)، وورد في كل المصادر السابقة: (.. من قومه) بدلًا من: (.. من قومهم). و (قُروم) مفردها: (قَرْم)، وهو: السيِّد المقدَّم في الرأي والمعرفة وتجارب الأمور. ويقال كذلك للسيد الرئيس: (مُقرَم). انظر: "أساس البلاغة" ٢/ ٢٤٨ =
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي