ﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸ

فمن شرطية، وجاز أن يكون استفهامية لإنكار وجود من يحاجه من بعد أن النصارى عجزوا من المخاصمة حاجك أي جادلك من النصارى فيه أي في عيسى أو في الحق من بعد ما جاءك من العلم بأن عيسى عبد الله ورسوله، وفي ذكر هذا القيد للمباهلة تنبيه على أن المسلم لا ينبغي أن يباهل الأبعد بعد كمال اليقين فقل يا محمد تعالوا أمر من التفاعل من العلو، قال الفراء : معناه كأنه قال ارتفعوا، قلت : كأنه يطلب منه أن يظهر على مكان عال ليبصر ما خفي عن بصره ثم استعير وغلب استعماله في طلب التأمل والتوجه من المخاطب بالرأي فيما خفي عنه، فحاصل المعنى هلموا بالرأي والعزم، وقد يستعمل للدعاء إلى مكان قريب من الداعي ندع مجزوم في جواب الأمر
أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم يعني ندع كل منا ومنكم نفسه وأعزة أهله من الأبناء والنساء فنضمهم إلى أنفسنا حتى يعم ما نزل بالكاذب من العذاب أجمعهم، وقدمهم على النفس لأن الرجل يخاطر بنفسه لهم ويحارب دونهم ولأن الأصل في الدعاء المغايرة بين الداعي والمدعو والمغايرة بين والرجل وبين أبنائه ونسائه حقيقي وبينه وبين نفسه اعتباري فقدم الحقيقي على الاعتباري. روى مسلم والترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال لما نزلت هذه الآية، دعا رسول الله عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال :" اللهم هؤلاء أهل بيتي " ١ ثم نبتهل افتعال ومعناه التفاعل، واختير الافتعال هاهنا على التفاعل لأن المقصود منه جلب اللعنة إلى نفسه إن كان كاذبا ودفعها إلى خصمه إن كان صادقا وجلب الشر إلى نفسه أسرع وقوعا من دفعه إلى غيره فكان الغرض منه اكتساب اللعنة، والبهلة بالضمة والفتحة وأصله الترك يقال بهلت الناقة إذا تركتها بلا إصرار وفي اللعينة الترك من الرحمة والبعد من رحمة الله تعالى في الدنيا والآخرة وذلك يقتضي وقوع العذاب لأن العصمة من العذاب لا يتصور إلا برحمته، وفي كلمة ثم إشارة أن اللائق من العاقل التأخير والتراخي في المباهلة فنجعل لعنت الله على الكاذبين ٦١ عطف تفسيري على نبتهل وبالفاء إشارة إلى أن وقوع اللعنة لا يتراخى عن الابتهال بل يعقبه بلا مهلة، قال البغوي : فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية على وفد نجران دعاهم إلى المباهلة قالوا : حتى نرجع وننظر في أمرنا نأتيك غدا، فخلا بعضهم ببعض فقالوا للعاقب وكان ذا رأيهم يا عبد المسيح ما ترى ؟ قال : والله لقد عرفتم يا معشر النصارى إن محمدا نبي مرسل ووالله ما لاعن قوم نبيا قط، فعاش كبيرهم ونبت صغيرهم ولئن فعلتم ذلك لتهلكن فإن أبيتم إلا الإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا لرجل وانصرفوا إلى بلادكم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم محتضنا الحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة يمشي خلفه وعليّ خلفها وهو يقول : إذا دعوت فأمنوا، فقال أسقف نجران : يا معشر النصارى إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا عن مكانه لأزاله لا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة، فقالوا : يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك وأن نتركك على دينك ونثبت على ديننا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" فإن أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم " فأبوا، قال :" فإني أنابذكم " فقالوا : ما لنا بحرب العرب طاقة ولكنّا نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة ألفا في صفر وألفا في رجب، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك وقال :" والذي نفسي بيده إن العذاب قد تدلى على أهل نجران ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي نارا ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى هلكوا " وكذا أخرج أبو نعيم في الدلائل من طرق عن ابن عباس.
واستدل الروافض قبحهم الله بهذه الآية على نفي خلافة الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم وكون عليّ عليه السلام وهو الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا : المراد بالأبناء في هذه الآية الحسن والحسين وبالنساء فاطمة وبأنفسنا عليّ فجعل الله سبحانه عليا نفس صلى الله عليه وسلم، وأراد الله تعالى به كون علي رضي الله عنه مساويا له صلى الله عليه وسلم في الفضائل وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بالتصرف في الناس من أنفسهم قال الله تعالى : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ٢ فكان علي كذلك فهو الإمام والجواب عنه بوجوه :
أحدها أن الأنفس بصيغة الجمع يدل على نفس النبي ونفس من تبعه ولا يدل ذلك على كون نفسهما واحدا مع كونه ظاهر البطلان،
ثانيها : أنه جاز أن يكون عليّ أيضا مرادا بالأبناء كالحسن والحسين بعموم المجاز فإن الختن يطلق عليه الابن عرفا،
وثالثها : أنه جاز أن يكون المراد بأنفسنا من يتصل به نسبا ودينا كما في قوله تعالى : ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ٣ وقوله تعالى تقتلون أنفسكم ٤ وقوله تعالى : ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ٥ وقوله تعالى ولا تلمزوا أنفسكم ٦ فحينئذ لا يلزم المساواة بينهما أصلا،
ورابعها : أن مساواة عليّ النبي صلى الله عليه وسلم في جميع الصفات باطل باتفاق الفريقين والمساواة في بعضها لا يفيد المساواة فيما نحن فيه، خامسها : أنه لو كانت الآية دالة على كون علي أولى بالتصرف لزم كونه كذلك في حياته صلى الله عليه وسلم وأنتم لا تقولون به لكن هذه القصة تدل على كون هؤلاء الكرام أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

١ أخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل علي بن أبي طالب (٢٤٠٤) وأخرجه الترمذي في كتاب: المناقب، باب: فضل فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها (٣٨٨٠)..
٢ سورة الأحزاب، الآية: ٦..
٣ سورة البقرة، الآية: ٨٤..
٤ سورة البقرة، الآية: ٨٥.
٥ سورة النور، الآية: ١٢..
٦ سورة الحجرات، الآية: ١١..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير