الْأَنْصَارِيُّ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ [١] بْنِ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ:
حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: «إِنَّ [خَلْقَ] [٢] أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ أَوْ قَالَ: يُبْعَثُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيَكْتُبُ رِزْقَهُ وَعَمَلَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، قَالَ: وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ غَيْرُ ذِرَاعٍ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ غَيْرُ ذِرَاعٍ [فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ] [٣] فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا».
«٣٦٠» أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَادِرِ الْجُرْجَانِيُّ أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ أَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ:
يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَدْخُلُ الْمَلَكُ عَلَى النطفة بعد ما تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَيُكْتَبَانِ ذَلِكَ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيُكْتَبَانِ، وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ [وَأَثَرُهُ] [٤] وَأَجَلُهُ وَرِزْقُهُ ثُمَّ تُطْوَى الصحف، فلا يزاد فيها [و] لا ينقص».
[سورة آل عمران (٣) : آية ٧]
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٧)
قَوْلُهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ، مُبَيِّنَاتٌ مُفَصَّلَاتٌ سُمِّيَتْ مُحْكَمَاتٍ من الإحكام، [لإحكامها] [٥] فَمَنَعَ الْخَلْقَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهَا لِظُهُورِهَا وَوُضُوحِ مَعْنَاهَا، هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ،
٣٦٠- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أبو الطفيل اسمه عامر بن واثلة، صحابي صغير أكثر رواياته عن الصحابة، توفي سنة ١١٠، وهو آخر من مات من الصحابة قاله مسلم وغيره.
- أخرجه المصنف من طريق مسلم، وهو في «صحيحه» (٢٦٤٤) بهذا الإسناد.
- وأخرجه أحمد ٤/ ٦- ٧ والآجري في «الشريعة» ص (١٨٢- ١٨٣) وابن أبي عاصم في «السنة» ٨٠ من طريق سفيان بن عيينة به.
- وورد من وجه آخر عن أبي الطفيل عامر بن واثلة به.
أخرجه مسلم ٢٦٤٥ والحميدي ٨٢٦ وابن حبان ٦١٧٧ واللالكائي في «أصول الاعتقاد» (١٠٤٥ و١٠٤٧) والآجري ص ١٨٣- ١٨٤ والطبراني ٣٠٣٦ و٣٠٤٣ و٣٠٤٥.
(١) في الأصل «زين» والتصويب من «كتب التراجم».
(٢) زيادة عن المخطوط وط- و «شرح السنة».
(٣) سقط من المخطوط.
(٤) سقط من المطبوع وط.
(٥) في المطبوع وط «كأنه أحكمها».
أي: أصله الذي يعول [١] عَلَيْهِ فِي الْأَحْكَامِ، وَإِنَّمَا قَالَ: هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ، وَلَمْ يَقُلْ: أُمَّهَاتِ الْكِتَابِ لِأَنَّ الْآيَاتِ كُلَّهَا فِي تَكَامُلِهَا وَاجْتِمَاعِهَا كَالْآيَةِ الْوَاحِدَةِ، وكلام الله تعالى وَاحِدٌ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: كُلُّ آيَةٍ مِنْهُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ، كَمَا قَالَ: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً [الْمُؤْمِنُونَ: ٥٠]، أَيْ: كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا آيَةً، وَأُخَرُ، جَمْعُ أُخْرَى، وَلَمْ يَصْرِفْهُ لِأَنَّهُ مَعْدُولٌ عَنِ الْآخَرِ مِثْلَ: عُمَرَ وَزُفَرَ، مُتَشابِهاتٌ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ فَرَّقَ هَاهُنَا بَيْنَ المحكم والمتشابه وقد جعل الله كُلَّ الْقُرْآنِ مُحْكَمًا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، فَقَالَ: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ [هود: ١]، وجعل كُلَّهُ مُتَشَابِهًا [فِي مَوْضِعٍ آخَرَ] [٢] فَقَالَ: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً [الزُّمَرِ:
٢٣] ؟ قِيلَ: حَيْثُ جَعَلَ الْكُلَّ مُحْكَمًا أَرَادَ أَنَّ الْكُلَّ حَقٌّ لَيْسَ فِيهِ عَبَثٌ وَلَا هَزْلٌ، وَحَيْثُ جَعَلَ الْكُلَّ مُتَشَابِهًا أَرَادَ أَنَّ بَعْضَهُ يُشْبِهُ بعضا في الحق والصدق [٣] والحسن، وجعل بعضه هاهنا مُحْكَمًا وَبَعْضَهُ مُتَشَابِهًا.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِمَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الْمُحْكَمَاتُ هُنَّ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام: ١٥١]، وَنَظِيرُهَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الْإِسْرَاءِ: ٢٣] الْآيَاتِ. وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: الْمُتَشَابِهَاتُ حُرُوفُ التَّهَجِّي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: الْمُحْكَمُ مَا فِيهِ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مُتَشَابِهٌ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي الْحَقِّ وَيُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ [الْبَقَرَةِ: ٢٦]، وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ [يُونُسَ: ١٠٠]، وَقَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: الْمُحْكَمُ النَّاسِخُ الَّذِي يُعْمَلُ بِهِ وَالْمُتَشَابِهُ الْمَنْسُوخُ الَّذِي يُؤْمَنُ بِهِ وَلَا يُعْمَلُ بِهِ. وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: مُحْكَمَاتُ الْقُرْآنِ: نَاسِخُهُ، وَحَلَالُهُ، وَحَرَامُهُ، وَحُدُودُهُ، وَفَرَائِضُهُ، وَمَا يُؤْمَنُ بِهِ، وَيُعْمَلُ بِهِ وَالْمُتَشَابِهَاتُ: مَنْسُوخُهُ، وَمُقَدَّمُهُ، وَمُؤَخَّرُهُ، وَأَمْثَالُهُ، وَأَقْسَامُهُ، وَمَا يُؤْمَنُ بِهِ وَلَا يُعْمَلُ بِهِ. وقيل:
المحكم [٤] مَا أَوْقَفَ اللَّهُ الْخَلْقَ عَلَى مَعْنَاهُ. وَالْمُتَشَابِهُ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تعالى بعلمه، ولا سَبِيلَ لِأَحَدٍ إِلَى عِلْمِهِ، نَحْوَ الخبر عن أشراط الساعة، وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ وَنُزُولِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وقيام الساعة، وفناء الدنيا. قال أحمد بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: الْمُحْكَمُ مَا لَا يَحْتَمِلُ مِنَ التَّأْوِيلِ غَيْرَ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَالْمُتَشَابِهُ مَا احْتَمَلَ أَوْجُهًا. وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ مَا يعرف معناه وتكون حجّته واضحة، ودلائله لائحة لا يشتبه، وَالْمُتَشَابِهُ هُوَ الَّذِي يُدْرَكُ عِلْمُهُ بِالنَّظَرِ، وَلَا يَعْرِفُ الْعَوَامُّ تَفْصِيلَ الْحَقِّ فِيهِ مِنَ الْبَاطِلِ. وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمُحْكَمُ مَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ فِي الْمَعْنَى، وَالْمُتَشَابِهُ مَا لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ إِلَّا بِرَدِّهِ إِلَى غيره.
ع «٣٦١» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُمَا فِي رِوَايَةِ بَاذَانَ: الْمُتَشَابِهُ حُرُوفُ التَّهَجِّي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ مِنْهُمْ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ وَكَعْبُ بن الأشرف ونظراؤهما أتوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ حُيَيٌّ: بَلَغَنَا أنه أنزل عليك الم (١) ننشدك الله أأنزلت عَلَيْكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَإِنْ كان
(١) في المخطوط وط «يعمل» والمثبت يناسب لفظ «عليه».
(٢) زيادة عن- ط-.
(٣) زيد في المطبوع «في».
(٤) في المطبوع «المحكمات». [.....]
ذَلِكَ حَقًّا فَإِنِّي أَعْلَمُ مُدَّةَ مُلْكِ أُمَّتِكَ هِيَ إِحْدَى وَسَبْعُونَ سَنَةً، فَهَلْ أُنْزِلَ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «نعم:
المص (١) [الأعراف: ١] »، قَالَ: فَهَذِهِ أَكْثَرُ، هِيَ إِحْدَى وسبعون وَمِائَةُ سَنَةٍ، قَالَ: فَهَلْ غَيْرُهَا؟ قال:
«نعم، الر [هود: ١] »، قَالَ: هَذِهِ أَكْثَرُ هِيَ مِائَتَانِ وإحدى وسبعون سَنَةٍ، [قَالَ] [١] : فَهَلْ غَيْرُهَا؟
قَالَ: «نعم المر [الرعد: ١] »، قَالَ: هَذِهِ أَكْثَرُ هِيَ مِائَتَانِ وإحدى وسبعون سنة، ولقد غلظت عَلَيْنَا فَلَا نَدْرِي أَبِكَثِيرِهِ نَأْخُذُ أَمْ بِقَلِيلِهِ، وَنَحْنُ مِمَّنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَذَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ، أَيْ: مَيْلٌ عَنِ الْحَقِّ، وَقِيلَ: شَكٌّ، فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنِيِّ بِهَذِهِ الْآيَةِ، قَالَ الرَّبِيعُ: هم وفد نجران الذين [٢] خَاصَمُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالُوا لَهُ: أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحٌ مِنْهُ؟ قَالَ: بلى، قالوا: حسبنا ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُمُ الْيَهُودُ طَلَبُوا علم أجل هذه الأمة واستخراجه [٣] بِحِسَابِ الْجُمَّلِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هُمُ الْمُنَافِقُونَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: هُمُ الْخَوَارِجُ. وَكَانَ قَتَادَةُ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ، قَالَ: إِنْ لَمْ يَكُونُوا الْحَرُورِيَّةَ وَالسَّبَئِيَّةَ فَلَا أَدْرِي مَنْ هُمْ؟ وَقِيلَ: هُمْ جَمِيعُ الْمُبْتَدِعَةِ.
«٣٦٢» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ أَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ:
تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ إلى قوله: أُولُوا الْأَلْبابِ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ».
قَوْلُهُ تَعَالَى: ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ: طَلَبَ الشِّرْكِ، قَالَهُ الرَّبِيعُ وَالسُّدِّيُّ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ابْتِغَاءَ الشُّبُهَاتِ وَاللَّبْسِ لِيُضِلُّوا بِهَا جُهَّالَهُمْ، وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ: تَفْسِيرِهِ وَعِلْمِهِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [الكهف: ٧٨]، وقيل: ابتغاء [٤] عاقبته، وطلب أَجَلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ حِسَابِ الجمل،
- وهو في «شرح السنة» (١٠٦) بهذا الإسناد.
- أخرجه المصنف من طريق البخاري وهو في «صحيحه» (٤٥٤٧) بهذا الإسناد.
- وأخرجه مسلم ٢٦٦٥ وأبو داود ٤٥٩٨ والترمذي ٢٩٩٣ و٢٩٩٤ وأحمد ٦/ ٢٥٦ وابن حبان ٧٣ والدارمي ١/ ٥٥ والطحاوي في «المشكل» (٣/ ٢٠٨) والبيهقي في «الدلائل» (٦/ ٥٤٥) من طريق يزيد بن إبراهيم بهذا الإسناد.
- وأخرجه الترمذي ٢٩٩٣ وابن ماجه ٤٧ وأحمد ٦/ ٤٨ وابن حبان ٧٦ والطحاوي في «المشكل» (٣/ ٢٠٧ و٢٠٨) من طرق عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عائشة.
قال الترمذي: هكذا روى غير واحد هذا الحديث عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عائشة، ولم يذكروا فيه القاسم بن محمد....
اهـ.
(١) زيادة عن المخطوط.
(٢) في الأصل «إن» والتصويب عن «تفسير الطبري» (٦٥٩٩).
(٣) في المخطوط «استخرجها».
(٤) لفظ «ابتغاء» ليس في المخطوط.
دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: ٥٩]، أَيْ: عَاقِبَةً.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي نَظْمِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وَالرَّاسِخُونَ وَاوُ الْعَطْفِ، يَعْنِي: أَنَّ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ يَعْلَمُهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ وَهُمْ مَعَ عِلْمِهِمْ: يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَالرَّبِيعِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: يَقُولُونَ حَالًا مَعْنَاهُ: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [١] قَائِلِينَ آمَنَّا بِهِ، هَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى [الْحَشْرِ: ٧]، ثُمَّ قَالَ: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ [الْحَشْرِ: ٨]، إِلَى أَنْ قَالَ: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الْحَشْرِ: ٩] ثُمَّ قال: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ [الْحَشْرِ:
١٠]، وَهَذَا عَطْفٌ عَلَى مَا سَبَقَ، ثُمَّ قَالَ: يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا [الْحَشْرِ: ١٠]، يعني: هم مع استحقاقهم للفيء يَقُولُونَ: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا، أَيْ: قَائِلِينَ عَلَى الْحَالِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي العلم، وقال مُجَاهِدٍ: أَنَا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ وَالرَّاسِخُونَ وَاوُ الِاسْتِئْنَافِ، وَتَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَهُوَ قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَعَائِشَةَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عنهم، وَرِوَايَةُ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَأَكْثَرُ التَّابِعِينَ، وَاخْتَارَهُ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ وَالْأَخْفَشُ، وَقَالُوا: لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ إِلَّا اللَّهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْقُرْآنِ [٢] تَأْوِيلٌ اسْتَأْثَرَ الله بعلمه ولم يُطْلِعْ عَلَيْهِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ، كَمَا اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِ السَّاعَةِ، وَوَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَنُزُولِ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَنَحْوِهَا. وَالْخَلْقُ مُتَعَبِّدُونَ فِي الْمُتَشَابِهِ بِالْإِيمَانِ بِهِ، وَفِي الْمُحْكَمِ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَالْعَمَلِ، وَمِمَّا يُصَدِّقُ ذَلِكَ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ «إِنْ تَأْوِيلُهُ إِلَّا عِنْدَ اللَّهِ، وَالرَّاسِخُونَ في العلم يقولون آمنّا»، وَفِي حَرْفِ أُبَيٍّ:
«وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ آمَنَّا بِهِ»، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: انْتَهَى عِلْمُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ إِلَى أَنْ قَالُوا: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ من عند ربنا. وهذا القول أَقْيَسُ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَأَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْآيَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، [أَيِ: الدَّاخِلُونَ فِي الْعِلْمِ] [٣] هُمُ الَّذِينَ أَتْقَنُوا عِلْمَهُمْ بِحَيْثُ لَا يَدْخُلُ فِي مَعْرِفَتِهِمْ شَكٌّ، وَأَصْلُهُ مِنْ رُسُوخِ الشَّيْءِ [فِي الشَّيْءِ] [٤] وَهُوَ ثُبُوتُهُ، يُقَالُ: رَسَخَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِ فُلَانٍ، يَرْسُخُ رُسْخَا وَرُسُوخًا، وَقِيلَ: الرَّاسِخُونَ فِي العلم مؤمنو أَهْلِ الْكِتَابِ، مَثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ [النساء: ١٦٢]، يعني: الدارسون [٥] علم التوراة والإنجيل، وَسُئِلَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، قَالَ: الْعَالِمُ الْعَامِلُ بِمَا عَلِمَ الْمُتَّبِعُ لَهُ [٦]. وَقِيلَ: الرَّاسِخُ فِي الْعِلْمِ مَنْ وُجِدَ فِي عِلْمِهِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: التَّقْوَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَالتَّوَاضُعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَلْقِ، وَالزُّهْدُ [٧] بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدُّنْيَا، وَالْمُجَاهَدَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ. وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: بِقَوْلِهِمْ آمَنَّا بِهِ سَمَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى رَاسِخِينَ [٨] فِي الْعِلْمِ، فَرُسُوخُهُمْ فِي الْعِلْمِ قَوْلُهُمْ آمَنَّا بِهِ، أَيْ: بِالْمُتَشَابِهِ، كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا: الْمُحْكَمُ وَالْمُتَشَابِهُ وَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ، وَمَا عَلِمْنَا وَمَا لم نعلم، وَما يَذَّكَّرُ: [و] ما يَتَّعِظُ بِمَا فِي الْقُرْآنِ، إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ: ذوو العقول.
(٢) في المطبوع «في القرآن» بدل «للقرآن».
(٣) زيد في المطبوع وط.
(٤) زيد في المطبوع وط.
(٥) في المخطوط «المدارسين».
(٦) في المطبوع «لما علم» بدل «له» والمثبت عن- ط.
(٧) في المخطوط «وزهده».
(٨) في المخطوط «راسخون».
معالم التنزيل
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي
عبد الرزاق المهدي