هو الذي أنزل عليك الكتاب أي القرآن منه آيات محكمات التي أحكمت وأتقنت عبارتها بحيث لا يشتبه على سامع عالم باللغة منطوقه ولا مفهومه ولا مقتضاه إما بلا تأمل كقوله تعالى : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم (١) وقوله تعالى : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه (٢) وقوله تعالى : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (٣) وإما بعد طلب وتأمل من غير حاجة إلى بيان من الشارع كقوله تعالى : والسارق و السارقة (٤) يظهر شموله للطرار بأدنى تأمل لوجود معنى السرقة فيه مع زيادة وعدم شموله للنباش لنقصان معنى السرقة فيه فإن السرقة أخذ مال مملوك لغيره على سبيل الخفية وكفن الميت غير مملوك لأحد فإن الميت باعتبار أحكام الدنيا ملحق بالجماد لا يصلح للمالكية وحق الورثة لا يتعلق إلا بعد التكفين، وكقوله تعالى : وأرجلكم إلى الكعبين (٥) فإنه بعد التأمل يظهر أنه معطوف على المغسولات لضرب الغاية فيه وقوله تعالى : ثلاثة قروء (٦) فإنه بعد التأمل يظهر أن المراد به الحيضات دون الأطهار لأن الطلاق مشروع في الطهر فلا يتصور عدد الثلاثة بلا نقصان أو زيادة إلا في الحيضات وقوله تعالى : قوارير من فضة (٧) يظهر بالتأمل أن المراد كون صفائها كصفاء القوارير كائنا من جنس الفضة، فعلى هذا أدخل في المحكم الظاهر و النص و المفسر والمحكم و الخفي و المشكل على اصطلاح الأصوليين وما ذكرنا من تفسير المحكم هو المستفاد من قول ابن عباس، وهو المعنى من قول محمد بن جعفر بن الزبير : إن المحكم ما لا يحتمل من التأويل غير وجه واحد وما قيل المحكم ما يعرف معناه ويكون حجة واضحة ودلائل لائحة هن أم الكتاب قال في القاموس : الأم الوالدة وأم كل شيء أصله وعماده، و للقوم رئيسهم وكل شيء انضمت إليه أشياء، قلت : الكتاب هاهنا إما بمعنى المكتوب أي المفهرس كما في قوله تعالى : كتب عليكم الصيام (٨) فالإضافة بمعنى اللام والأم بمعنى الوالدة أو الأصل يعني المحكمات هن والدات وأصول لما كتب علينا إتيانه أو الكف عنه من الفرائض و المحرمات، وإما بمعنى القرآن فالإضافة حينئذ إما بمعنى من يعني أنها أم للأحكام من الكتاب يؤخذ منها الأحكام بلا حاجة بيان من الشارع وإما بمعنى اللام و المعنى أنها عماد للقرآن وبمنزلة رئيس القوم لسائر الآيات يحتاج إليها غيرها ويضم إليها حتى يستفاد من غيرها المراد منها يردها إلى المحكمات وكأن القياس أن يقال : أمهات الكتاب لكن أورد لفظ المفرد ليدل على أن المحكمات كلها بمنزلة أم واحد لأن الأحكام المفروضة تؤخذ من جميعها لا من كل واحد منها وكذا مرجع المتشابهات إلى مجموعها باعتبار بعضها لا إلى كل واحد منها وآيات وأخر جمع أخرى معدول من الأخر أو أخر من ولذا منع من الصرف للعدل و الوصف متشابهات التي يشتبه على السامع العارف باللغة المراد منه بحيث لا يدرك بالطلب ولا بالتأمل إلا بعد بيان من الشارع بعبارة محكمة فإن وجد البيان والتعليم من جهة الشارع وظهر المراد منها سميت مجملا على اصطلاح الأصوليين كالصلاة، والزكاة، والحج، والعمرة، وآية الربا ونحو ذلك، وإن لم يوجد البيان والتعليم سميت حينئذ متشابها على اصطلاحهم ولا يجوز هذا القسم إلا فيما لا يتعلق به العمل كيلا يلزم التكليف بما لا يطاق وذلك كالمقطعات القرآنية، وقوله تعالى : يد الله فوق أيدهم (٩) الرحمن على العرش استوى ٥ (١٠) وقد يظهر مراد تلك القسم من الآيات على بعض العرفاء بتعليم من الله تعالى بالإلهام كما علم آدم الأسماء كلها واقتباس أنوار النبوة بعد شرح الصدر، وإن كان ذلك المراد أحيانا بحيث لا يمكن تعليمه باللسان لعدم شمول خزينة العلم من العوام على مراده ولا على العلم بوضع لفظ بإزائه، وأما ما يتعلق به التكليف فلا يجوز تأخير بيانه عن وقت الحاجة كيلا يلزم التكليف بما لا يطاق. فإن قيل : قال الله تعالى : آلر كتاب أحكمت آياته (١١) وقال في موضع آخر كتابا متشابها (١٢) فكيف فرق هاهنا فقال : منه آيات محكمات وأخر متشابهات ؟ قلنا : حيث جعل القرآن كله محكما فمعناه أنه متقن محفوظ عن فساد المعنى وركاكة اللفظ لا يستطيع أحد معارضته و الطعن فيه، وحيث جعل كله متشابها أراد أن بعضه يشبه بعضا في الحسن و الكمال، وفرق هاهنا من حيث وضوح المعنى وخفائه.
فأما الذين في قلوبهم زيغ أي ميل عن الحق، قال الربيع : هم وفد نجران خاصموا النبي صلى الله عليه وسلم في عيسى عليه السلام، وقالوا له ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه ؟ قال : بلى قالوا حسبنا فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال الكلبي : هم اليهود طلبوا علم أجل هذه الأمة واستخراجه بحساب الجمل. قال ابن عباس : إن رهطا من اليهود منهم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف ونظراؤهما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال حيي : بلغنا أنه أنزل عليك الم فننشدك الله أنزل عليك ؟ قال : نعم، قال فإن كان ذلك حقا فإني أعلم مدة تلك أمتك هي إحدى وسبعون سنة فهل أنزل غيرها ؟ قال : نعم المص، قال : فهذه أكثر هي إحدى وستون ومائة سنة فهل غيرها ؟ قال : نعم الر، قال : هذه أكثر هي مائتين وإحدى وثلاثون سنة، فهل غيرها ؟ قال : نعم المر، قال : هذه أكثر وهي مائتان وإحدى وسبعون سنة ولقد خلطت علينا فلا ندري أبكثيرة نأخذ أم بقليلة ونحن مما لا نؤمن بهذا فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال ابن جريج هم المنافقون وقال الحسن : هم الخوارج كذا أخرج أحمد وغيره عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية فأما الذين في قلوبهم زيغ قال : إن لم يكونوا الحرورية و السابية فلا أدري من هم، وقيل : هم جميع المبتدعة، والصحيح أن اللفظ عام لجميع من ذكر وجميع أصناف المبتدعة، عن عائشة : قالت : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات إلى قوله : أولوا الألباب ٧ قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمّى الله فاحذرهم " (١٣) رواه البخاري، وعن أبي مالك الأشعري : أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول :" ما أخاف على أمتي إلاّ ثلاث خلال " وذكر منها " أن يفتح لهم الكتاب فيأخذه يبتغي تأويله وليس يعلم تأويله إلا الله و الراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب " فيتبعون ما تشابه منه أي يتعلقون بالمتشابه الذي يحتمل ما يذهب إليه المبتدع تبعا لهواه من غير رجوع إلى المحكمات من الآيات و الأحاديث وبلا حملها على ما يطابقها من المحكمات أو السكوت مع الإيمان و التسليم بمرادها، فالواجب رد المتشابهات إلى المحكمات مهما أمكن حتى يتبين مراد المجمل فيعمل به كما في الصلاة و الزكاة والربا أو السكوت عن تأويله مع الإيمان بها و التسليم بمرادها، فلما ثبت بإجماع الأمة ومحكم نصوص الأحاديث المتواترة أن المؤمنين يرون الله سجانه في الآخرة كما يرون القمر ليلة البدر فلا بد أن يؤمن به، ويقول : المراد بالرؤية و النظر في قوله تعالى : وجوه يومئذ ناضرة ٢٢ إلى ربها ناظرة ٢٣ (١٤) هي النظر بالبصر وما لم يثبت كذلك كما في قوله تعالى : يد الله فوق أيدهم (١٥) و الرحمن على العرش استوى (١٦) يسكت فيه مؤمنا به ولا يحمل على ظاهره ويتبع المحكم من قوله : ليس كمثله شيء (١٧) فيقول بكونه تعالى منزها عن صفات الممكنات ولا يتعب نفسه في تأويل المقطعات فإنه غير مأذون فيه ابتغاء الفتنة منصوب على العلية من قوله فيتّبعون، أي يفعلون ذلك لطلب أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك والتلبيس ومناقضة المحكم بالمتشابه وهذه وظيفة المنافقين، كما حكي أن بعض اليهود لما رأوا دولة الإسلام واستعلاءه حسدوا على ذلك وتيقنوا أن ذلك التأييد من الله تعالى للمسلمين لأجل دينهم فنافقوا أو دخلوا في الإسلام ظاهرا واتبعوا المتشابهات بتأويلات زائغة وأظهروا المذاهب الباطلة فصاروا حرورية ومعتزلة وروا فض ونحو ذلك ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله عطف على ابتغاء الفتنة أي طلبوا أن يأولوه على ما يشتهونه وقد يكون ابتغاء التأويل بناء على الجهل فقط وذلك من بعض المتأخرين من المبتدعة، وأما من الأوائل المنافقين منهم فكان الداعي على اتباع المتشابهات غالبا مجموع الطلبين وما يعلم تأويله أي بيان المتشابه من الآيات على ما هو المراد من عند الله تعالى إلا الله أي لا يجوز أن يعلمه غيره تعالى إلا بتوقيف منه ولا يكفي لمعرفته العلم بلغة العرب، فالحصر إضافي نظيره قوله تعالى : لاّ يعلم من في السماوات و الأرض الغيب إلاّ الله (١٨) يعني لا يعلم الغيب غيره تعالى إلا بتوقيف منه، فهذه الآية لا تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم وبعض الكمّل من أتباعه لم يكونوا عالمين بمعاني للمتشابهات، كيف وقد قال الله تعالى ثمّ إنّ علينا بيانه ١٩ (١٩) فإنه يقتضي أن بيان القرآن محكمه ومتشابهه من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم واجب ضروري لا يجوز أن يكون شيء منها غير مبين له عليه السلام، وإلا يخلو الخطاب عن الفائدة ويلزم الخلف في الوعد، والحق ما حققناه في أوائل سورة البقرة أن المتشابهات هي أسرار بين الله تعالى وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقصد بها إفهام العامة بل إفهام الرسول ومن شاء إفهامه من كمّل أتباعه، بل هي مما لا يمكن بيانها للعامة وإنما يدركها أخص الخواص بعلم لدني مستفاد بنوع من المعية الذاتية والصفاتية الغير المتكيفة.
والراسخون أي الذين رسخوا، أي ثبتوا أو تمكنوا في العلم بحيث لا تعترضه شبهة وهم أهل السنة و الجماعة الذين عضوا بالنواجذ على محكمات الكتاب و السنة واقتفوا في تفسير القرآن إجماع السلف الصالح من الصحابة و التابعين الذين هم خيار الأمة، وردوا المتشابهات إلى المحكمات وتركوا الأهواء و التلبيسات، وقيل : الراسخون في العلم مؤمنوا أهل الكتاب، قلت : لا وجه لتخصيصهم، وقالت الصوفية العلية : الراسخون في العلم هم المنسلخون عن الهواء بالكلية بفناء القلب و النفس و العناصر المتفوضون في التجليات الذاتية حيث لا يعتريهم شبهة المترنمون بما قالوا لو كشفت الغطاء ما ازددت يقينا، أخرج الطبراني وغيره عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الراسخين في العلم ؟ قال :" من برّت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه وعفف بطنه وفرجه فذلك من الراسخين في العلم " قلت : هذا شأن الصوفية. ثم اختلف العلماء في نظم هذه الآية : فقال قوم : الواو للعطف والمعنى أن تأويل المتشابه يعلمه الله ويعلمه الراسخون في العلم فعلى هذا قوله تعالى : يقولون آمنا به حال منهم يعني قائلين آمنّا، نظيره قوله تعالى : للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم (٢٠) إلى أن قال : والذين تبوءوا الدار والإيمان (٢١) ثم قال : والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان (٢٢) وهذا قول مجاهد و الربيع، وروي عن ابن عباس أنه كان يقول في هذه الآية : أنا من الراسخين في العلم، وعن مجاهد : أنا ممن يعلم تأويله، وذهب الأكثرون : إلى أن الواو للاستئناف وتم الكلام عند قوله :{ وما يعلم تأويله إل
٢ سورة الإسراء، الآية: ٢٣..
٣ سورة الشورى، الآية: ١١..
٤ سورة المائدة، الآية: ٣٨..
٥ سورة المائدة، الآية: ٦..
٦ سورة البقرة، الآية: ٢٢٨.
٧ سورة الإنسان، الآية ١٦..
٨ سورة البقرة، الآية: ١٨٣
.
٩ سورة الفتح، الآية: ١٠..
١٠ سورة طه، الآية: ٥..
١١ سورة هود، الآية: ١..
١٢ سورة الزمر، الآية: ٢٣..
١٣ أخرجه البخاري في كتاب: تفسير القرآن، باب: (منه آيات محكمات) (٤٥٤٧) وأخرجه مسلم في كتاب: العلم، باب: النهي عن اتباع متشابه القرآن (٢٦٦٥)..
١٤ سورة القيامة، الآية: ٢٢، ٢٣..
١٥ سورة الفتح، الآية: ١٠..
١٦ سورة طه، الآية: ٥..
١٧ ٦ سورة الشورى، الآية: ١١.
١٨ سورة النمل، الآية: ٦٥..
١٩ سورة القيامة، الآية: ١٩..
٢٠ سورة الحشر، الآية: ٨..
٢١ سورة الحشر، الآية: ٩..
٢٢ سورة الحشر، الآية: ١٠..
التفسير المظهري
المظهري