ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩ

( ١ ) المحكمات : من الإحكام. وسيرد شرح لمداها أكثر بعد.
( ٢ ) أم الكتاب : هذه الكلمة وردت في سورتي الزخرف والرعد أيضا، غير أن المتبادر أنها هنا غير ما عنته في السورتين. وقد قال بعض المؤولين : إنها هنا تعني العماد والأساس في القرآن. وقال بعضهم : إنها عنت الأصل الذي يرجع إليه في القرآن. وكلا التأويلين وجيه. ونحن نرجح الثاني والله أعلم.
( ٣ ) المتشابهات : من التشابه الذي بمعنى المقاربة والمماثلة أو من معنى الاشتباه في حقيقة المعنى، وسيرد شرح لمداها أكثر بعد.
( ٤ ) زيغ : انحراف عن الحق.
( ٥ ) تأويله : شرحنا معاني هذه الكلمة واشتقاقاتها في سياق تفسير سورة الأعراف. وجاءت هنا مرتين. والمتبادر من روح الآية أنها في المرة الأولى عنت صرف المتشابهات إلى ما يؤدي إلى الشك والشبهات والفتنة. وعنت في المرة الثانية المراد من الآيات المتشابهات ومداها وحكمتها وماهيتها. والله تعالى أعلم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ ( ١ ) هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ( ٢ ) وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ( ٣ ) فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ( ٤ ) فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ ( ٥ ) وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ ( ٧ ) رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ( ٨ ) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ( ٩ ) [ ٧ ـ ٩ ].
المتبادر في شرح وتأويل هذه الآيات والله أعلم هو ما يلي :
في الآيات إشارة إلى ما احتواه القرآن من أنواع الآيات ومواقف كل من المنحرفين عن الحق الذين في قلوبهم زيغ والراسخين في العلم منها. فقد أنزل الله تعالى على نبيه الكتاب ـ والخطاب في الآيات موجه إلى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ـ وفيه آيات محكمات وآيات متشابهات. والمحكمات هن أم الكتاب التي فيها الأسس والأهداف المحكمة التي يجب أن تكون المرجع والتي لا تتحمل تأويلات عديدة. والمتشابهات هي التي جاءت للتشبيه والتمثيل والتي تتحمل وجوها عديدة للتأويل. فالذين في قلوبهم زيغ ويريدون المماراة والتمحّل يصرفون الآيات المتشابهات إلى ما يؤدي إلى الشك والفتنة ويتمحلون في تأويلها تبريرا لأهوائهم وتمشيا مع انحرافهم وزيغهم وبقصد صرف الناس عن الأهداف والأسس والمبادئ المحكمة في حين أن الله هو الذي يعلم التأويل الصحيح القطعي للمتشابهات. والراسخون في العلم يعرفون ذلك ولا يتمحلون في ما لا يدركون مما هو مغيب عنهم من تأويل المتشابهات القطعي ويقولون : آمنا به كل من عند ربنا. ويدعون الله عز وجل أن يثبت قلوبهم على الحق بعد أن هداهم إليه، وأن لا يزيغ قلوبهم عنه وأن يهبهم رحمة منه. ويقرون أن الله جامع الناس إلى يوم معين يدانون فيه غير مرتابين في ذلك ؛ لأن الله قد وعد به وهو لا يخلف الميعاد.
وهذا الموقف من الآيات المحكمات والمتشابهات هو الجدير بذوي العقول الراجحة الذين يتعظون بالموعظة والتذكير ويقفون عند الحق الموقف الواجب.
تعليق على الآية
هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ... إلخ
والآيتين التاليتين لها
ومداها في صدد التنزيل القرآني
لقد روى المفسرون روايتين في نزول الآيات جاء في واحدة منها : أن جماعة من اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الحروف المتقطعة في أوائل السور ومدة نبوته ومدة الحياة الدنيا بقصد تعجيزه وإفهامه، فنزلت الآيات لتدمغهم بالزيغ والمماحكة وقصد صرف الناس عن آيات القرآن المحكمة وإثارة شكوكهم وشبهاتهم. وجاء في واحدة أن وفد نصارى نجران بعد أن تناظروا مع النبي في أمر عيسى ودعاهم النبي إلى المباهلة امتنعوا، وقالوا له : ألست تقول إن عيسى من روح الله وكلمته ؟ قال : بلى. فقالوا هذا حسبنا فنزلت الآيات لتندد بهم وتذكر أنهم احتجوا بالآيات المتشابهة، وتركوا الآيات المحكمة التي تنزّه الله عن الولد، وتقرر أن عيسى عبد الله ورسوله، وأنه دعا إلى عبادة الله وحده، وأن ولادته كانت بمعجزة ربانية وحسب. والروايتان لم تردا في الصحاح. غير أن اتفاق الرواة على أن صدر سورة آل عمران نزل في مناسبة قدوم وفد نصارى نجران ومناظرته مع النبي تجعل الرجحان للراوية الثانية.
والروايات تدور حول نزول الآية الأولى أي السابعة مع أن هذه الآية والآيتين اللتين بعدها جملة واحدة نزلت معا في ما يتبادر لنا. والمتبادر أن حكمة التنزيل اقتضت تنزيل الآيات الثلاث معا لإتمام التقرير للموقف الذي يجب أن يقفه الراسخون في العلم وذوو العقول الراجحة من الآيات المحكمة والمتشابهة. ودوران الرواية حول الأولى لا يمنع أن تكون الآيات الثلاث نزلت معا كما هو المتبادر.
والآيات وإن كانت نزلت في مناسبة حادث وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن أسلوبها المطلق يجعلها عامة المدى والتطبيق كشأن أمثالها.
ومدى الآيات خطير جدا لاتصاله بالقرآن وفهمه، وهذا مما يسوغ التوسع في شرحها.
وفيما يلي شرح لمداها وما روي وقيل في سياقها وتعليق عليه :
١ ـ في صدد معنى محكمات تعددت التأويلات المروية عن أهل التأويل من أصحاب رسول الله وتابعيهم(١) منها أنها كل ما يعول عليه في القرآن من أحكام ويعمل به من حلال وحرام. أو كل ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان. أو الآيات الواضحة التي لا تحتمل تأويلات عديدة. أو الأوامر والنواهي القرآنية. أو الآيات الناسخة المثبتة للأحكام، أو الأحكام التي لم يطرأ عليها نسخ. أو أركان الإسلام وعماد الدين والفرائض والحدود وسائر ما بالخلق حاجة إليه وما كلفوا به بعاجلهم وآجلهم. ولم نطلع على حديث نبوي أو صحابي وثيق السند. والكلمة تتحمل كل هذه المعاني أو جلها. ويمكن مع ذلك أن يقال استلهاما من روح الآية من جملة هن أم الكتاب أنها تعني الآيات التي لا تتحمل تأويلات عديدة ولا اشتباها والتي فيها إلى ذلك مبادئ وأحكام ووصايا واضحة غير منسوخة في الشؤون الدينية والدنيوية. وفي سورة محمد آية قد تساعد على فهم مدى الكلمة أو صورة من صورها وهي : ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم ( ٢٠ ) والصورة في الآية هي أمر رباني قطعي وصريح بالقتال والله أعلم.
٢ ـ في صدد مدى متشابهات قيل (٢) إنها ما سوى الأحكام والحلال والحرام. أو ما استأثر الله تعالى بعلمه الحقيقي أو أشراط الساعة، أو القصص والأمثال. أو المجازات والتشبيهات، أو ما يحتمل وجوها عديدة للتأويل، أو المتشابهة في الصفة المختلفة في النوع. ولم نطلع كذلك على أثر نبوي أو صحابي وثيق السند في ذلك. والذي نستلهمه من روح الآية أنها الآيات التي تتحمل وجوها عديدة للتأويل أو التي يتشابه فهمها وتأويلها على الأذهان بسبب تنوعها وتنوع سبكها ومقامها وألفاظها والله تعالى أعلم.
وننبه بهذه المناسبة إلى أنه ورد في الآية [ ٢٣ ] من سورة ( الزمر ) تعبير ( المتشابه ) في هذه الصيغة الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فماله من هاد ( ٢٣ ) غير أن التعبير في هذه الآية ليس هو في مقام ومدلول تعبير المتشابهات في آية آل عمران التي نحن في صددها كما هو ظاهر. وهذه ميزة من ميزات البلاغة القرآنية واللغة الفصحى التي نزل بها القرآن حيث يتغير مدلول الكلمة أحيانا بتغير الصيغة التي وردت فيها. ولقد شرحنا مدى الكلمة في تفسير سورة الزمر فنكتفي بهذا التنبيه.
٣ ـ والآية الأولى على كل حال تقرر بصراحة أن القرآن يحتوي نوعين من الآيات واحدا محكما وآخر متشابها، والأول هو أم الكتاب وعماده. وأهل التأويل متفقون إجمالا على أن المحكمات هي ما فيها أحكام ومبادئ دينية ودنيوية محكمة. فيكون ما عدا ذلك هو من النوع الثاني الذي يتبادر لنا، والله أعلم أن الآيات التي فيها تشبيه وتمثيل وترغيب وترهيب ووعظ وتذكير وتنبيه وتنويه وتأنيب وحجاج ثم الآيات التي فيها صفات الله عز وجل وروحه وأعضاؤه وحركاته وكلامه والملائكة والجن وإبليس والشياطين والمعجزات وخلق الأكوان ومشاهدها ونواميسها ومشاهد الحياة الأخروية. فالآيات التي فيها ذلك مختلفة في أساليبها وألفاظها وصورها ويمكن أن تتحمل وجوها عديدة أو أن يتشابه فهمها على الأذهان، أو يعجز العقل البشري بعامة أو عقول بعض الناس عن إدراك مداها وماهيتها، أو يبدو للمشرع غير المتمعن وغير الراسخ في العلم أن فيها تغايرا أو تباينا أو تناقضا.
والمتمعن في هذا النوع من الآيات يجد أنها تهدف إلى تدعيم ما احتواه القرآن من المبادئ والتلقينات والعقائد والأحكام والتشريعات والتعاليم والوصايا أو بكلمة أخرى إلى تدعيم المحكمات القرآنية. وبذلك يظهر له حكمة التنزيل في جعل آيات القرآن نوعين نوعا محكما وآخر داعما. أو نوعا أسسا ونوعا وسائل كما ذكرنا ذلك في كتابنا ( القرآن المجيد ).
ويبدو أن حكمة التنزيل قد شاءت أن تأتي آيات النوع الثاني بالأساليب المتنوعة التي وصفت بالمتشابهات التي ذكرنا ما قيل في مدى مفهومها لتحقيق ما أرادته هذه الحكمة من تدعيم للمحكمات. ولقد لحظنا ذلك ونبهنا على ما استشففناه من حكمته ومقاصده في المناسبات الكثيرة التي وردت فيها فصول وآيات النوع الثاني وأساليبها المتنوعة في اختلاف مقاماتها في السورة التي سبق تفسيرها. وإنه ليصح أن يقال على ضوء ما تقدم : أن الآية ( الأولى ) أي السابعة هي مفتاح القرآن الذي يجب على الناظرين فيه مسلمين كانوا أم غير مسلمين أن يتقيدوا به والذي لا يجوز ولا يصح الخروج عنه ؛ لأنه المفتاح الذي جعله الله فاتحا لفهم آيات القرآن.
٤ ـ والرواية التي رويت في سبب نزول الآية والتي تذكر أنها نزلت في مناسبة قول وفد نجران للنبي " ألست تقول إن عيسى كلمة الله وروح منه. قال بلى، قالوا : هذا حسبنا ". تساعد على القول بالإضافة إلى ما ذكرناه في الفقرة السابقة إن على الناظرين في القرآن أن يرجعوا إلى المحكمات لفهم ما يتشابه عليهم من المحكمات ألفاظا أو حكمة. فوفد نجران أخذ بآيات متشابهة أريد بها التمثيل والتقريب لتقرير كون ولادة عيسى تمت بمعجزة ربانية وحسب، وتركوا المحكمات في صدد عيسى، في حين أن في هذه المحكمات القول الفصل في ذلك، من حيث إنها تقرر أن عيسى عبد الله ورسوله وأنه بشر ولد كبشر وعاش ومات كبشر، وإن مثله كمثل آدم قال الله : كن فكان وإن الله جل وتنزه أن يتجزأ وأن يسري منه روح إلى بشر بالمعنى التام للكلمة ؛ لأن روحه هي ذاته أبدية سرمدية فنزلت الآية تندد بهم وتدمغهم بالزيغ ؛ لأنهم تمسكوا بالمتشابهات وتركوا المحكمات التي هي أم الكتاب. وهناك حديث رواه الشيخان عن عائشة فيه تدعيم آخر. فقد سئلت عما إذا كان النبي رأى ربه اشتباها ببعض آيات القرآن التي توهم ذلك فقالت " من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم الفرية والله يقول لا تدركه الأبصار " (٣). حيث جعلت في هذه الجملة القرآنية التي وردت في الآية [ ١٠٣ ] من سورة الأنعام القول الفصل في موضوع رؤية النبي لله تعالى.
وهناك آيات كثيرة جدا من نوع المتشابهات تثير بعض الإشكال، ولكن ذلك يزول إذا ما جعلت المحكمات مرجعا فاعلا لها، وقد نبهنا على كثير من ذلك في ما سبق تفسيره من السور. فنكتفي بهذا التنبيه ونقول : إن الغفلة عن هذا من أسباب كثير من الخلافيات الكلامية في الإسلام من أسباب كثير من التوهمات غير الإسلامية في صدد محتويات القرآن ومبادئ الإسلام وتلقيناته وأهدافه.
٥ ـ والآية الأولى تقرر أن المحكمات هنّ أمّ الكتاب كما تقرر أن الله وحده يعلم التأويل ا



هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ ( ١ ) هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ( ٢ ) وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ( ٣ ) فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ( ٤ ) فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ ( ٥ ) وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ ( ٧ ) رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ( ٨ ) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ( ٩ ) [ ٧ ـ ٩ ].
المتبادر في شرح وتأويل هذه الآيات والله أعلم هو ما يلي :
في الآيات إشارة إلى ما احتواه القرآن من أنواع الآيات ومواقف كل من المنحرفين عن الحق الذين في قلوبهم زيغ والراسخين في العلم منها. فقد أنزل الله تعالى على نبيه الكتاب ـ والخطاب في الآيات موجه إلى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ـ وفيه آيات محكمات وآيات متشابهات. والمحكمات هن أم الكتاب التي فيها الأسس والأهداف المحكمة التي يجب أن تكون المرجع والتي لا تتحمل تأويلات عديدة. والمتشابهات هي التي جاءت للتشبيه والتمثيل والتي تتحمل وجوها عديدة للتأويل. فالذين في قلوبهم زيغ ويريدون المماراة والتمحّل يصرفون الآيات المتشابهات إلى ما يؤدي إلى الشك والفتنة ويتمحلون في تأويلها تبريرا لأهوائهم وتمشيا مع انحرافهم وزيغهم وبقصد صرف الناس عن الأهداف والأسس والمبادئ المحكمة في حين أن الله هو الذي يعلم التأويل الصحيح القطعي للمتشابهات. والراسخون في العلم يعرفون ذلك ولا يتمحلون في ما لا يدركون مما هو مغيب عنهم من تأويل المتشابهات القطعي ويقولون : آمنا به كل من عند ربنا. ويدعون الله عز وجل أن يثبت قلوبهم على الحق بعد أن هداهم إليه، وأن لا يزيغ قلوبهم عنه وأن يهبهم رحمة منه. ويقرون أن الله جامع الناس إلى يوم معين يدانون فيه غير مرتابين في ذلك ؛ لأن الله قد وعد به وهو لا يخلف الميعاد.
وهذا الموقف من الآيات المحكمات والمتشابهات هو الجدير بذوي العقول الراجحة الذين يتعظون بالموعظة والتذكير ويقفون عند الحق الموقف الواجب.
تعليق على الآية
هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ... إلخ
والآيتين التاليتين لها
ومداها في صدد التنزيل القرآني
لقد روى المفسرون روايتين في نزول الآيات جاء في واحدة منها : أن جماعة من اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الحروف المتقطعة في أوائل السور ومدة نبوته ومدة الحياة الدنيا بقصد تعجيزه وإفهامه، فنزلت الآيات لتدمغهم بالزيغ والمماحكة وقصد صرف الناس عن آيات القرآن المحكمة وإثارة شكوكهم وشبهاتهم. وجاء في واحدة أن وفد نصارى نجران بعد أن تناظروا مع النبي في أمر عيسى ودعاهم النبي إلى المباهلة امتنعوا، وقالوا له : ألست تقول إن عيسى من روح الله وكلمته ؟ قال : بلى. فقالوا هذا حسبنا فنزلت الآيات لتندد بهم وتذكر أنهم احتجوا بالآيات المتشابهة، وتركوا الآيات المحكمة التي تنزّه الله عن الولد، وتقرر أن عيسى عبد الله ورسوله، وأنه دعا إلى عبادة الله وحده، وأن ولادته كانت بمعجزة ربانية وحسب. والروايتان لم تردا في الصحاح. غير أن اتفاق الرواة على أن صدر سورة آل عمران نزل في مناسبة قدوم وفد نصارى نجران ومناظرته مع النبي تجعل الرجحان للراوية الثانية.
والروايات تدور حول نزول الآية الأولى أي السابعة مع أن هذه الآية والآيتين اللتين بعدها جملة واحدة نزلت معا في ما يتبادر لنا. والمتبادر أن حكمة التنزيل اقتضت تنزيل الآيات الثلاث معا لإتمام التقرير للموقف الذي يجب أن يقفه الراسخون في العلم وذوو العقول الراجحة من الآيات المحكمة والمتشابهة. ودوران الرواية حول الأولى لا يمنع أن تكون الآيات الثلاث نزلت معا كما هو المتبادر.
والآيات وإن كانت نزلت في مناسبة حادث وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن أسلوبها المطلق يجعلها عامة المدى والتطبيق كشأن أمثالها.
ومدى الآيات خطير جدا لاتصاله بالقرآن وفهمه، وهذا مما يسوغ التوسع في شرحها.
وفيما يلي شرح لمداها وما روي وقيل في سياقها وتعليق عليه :
١ ـ في صدد معنى محكمات تعددت التأويلات المروية عن أهل التأويل من أصحاب رسول الله وتابعيهم(١) منها أنها كل ما يعول عليه في القرآن من أحكام ويعمل به من حلال وحرام. أو كل ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان. أو الآيات الواضحة التي لا تحتمل تأويلات عديدة. أو الأوامر والنواهي القرآنية. أو الآيات الناسخة المثبتة للأحكام، أو الأحكام التي لم يطرأ عليها نسخ. أو أركان الإسلام وعماد الدين والفرائض والحدود وسائر ما بالخلق حاجة إليه وما كلفوا به بعاجلهم وآجلهم. ولم نطلع على حديث نبوي أو صحابي وثيق السند. والكلمة تتحمل كل هذه المعاني أو جلها. ويمكن مع ذلك أن يقال استلهاما من روح الآية من جملة هن أم الكتاب أنها تعني الآيات التي لا تتحمل تأويلات عديدة ولا اشتباها والتي فيها إلى ذلك مبادئ وأحكام ووصايا واضحة غير منسوخة في الشؤون الدينية والدنيوية. وفي سورة محمد آية قد تساعد على فهم مدى الكلمة أو صورة من صورها وهي : ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم ( ٢٠ ) والصورة في الآية هي أمر رباني قطعي وصريح بالقتال والله أعلم.
٢ ـ في صدد مدى متشابهات قيل (٢) إنها ما سوى الأحكام والحلال والحرام. أو ما استأثر الله تعالى بعلمه الحقيقي أو أشراط الساعة، أو القصص والأمثال. أو المجازات والتشبيهات، أو ما يحتمل وجوها عديدة للتأويل، أو المتشابهة في الصفة المختلفة في النوع. ولم نطلع كذلك على أثر نبوي أو صحابي وثيق السند في ذلك. والذي نستلهمه من روح الآية أنها الآيات التي تتحمل وجوها عديدة للتأويل أو التي يتشابه فهمها وتأويلها على الأذهان بسبب تنوعها وتنوع سبكها ومقامها وألفاظها والله تعالى أعلم.
وننبه بهذه المناسبة إلى أنه ورد في الآية [ ٢٣ ] من سورة ( الزمر ) تعبير ( المتشابه ) في هذه الصيغة الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فماله من هاد ( ٢٣ ) غير أن التعبير في هذه الآية ليس هو في مقام ومدلول تعبير المتشابهات في آية آل عمران التي نحن في صددها كما هو ظاهر. وهذه ميزة من ميزات البلاغة القرآنية واللغة الفصحى التي نزل بها القرآن حيث يتغير مدلول الكلمة أحيانا بتغير الصيغة التي وردت فيها. ولقد شرحنا مدى الكلمة في تفسير سورة الزمر فنكتفي بهذا التنبيه.
٣ ـ والآية الأولى على كل حال تقرر بصراحة أن القرآن يحتوي نوعين من الآيات واحدا محكما وآخر متشابها، والأول هو أم الكتاب وعماده. وأهل التأويل متفقون إجمالا على أن المحكمات هي ما فيها أحكام ومبادئ دينية ودنيوية محكمة. فيكون ما عدا ذلك هو من النوع الثاني الذي يتبادر لنا، والله أعلم أن الآيات التي فيها تشبيه وتمثيل وترغيب وترهيب ووعظ وتذكير وتنبيه وتنويه وتأنيب وحجاج ثم الآيات التي فيها صفات الله عز وجل وروحه وأعضاؤه وحركاته وكلامه والملائكة والجن وإبليس والشياطين والمعجزات وخلق الأكوان ومشاهدها ونواميسها ومشاهد الحياة الأخروية. فالآيات التي فيها ذلك مختلفة في أساليبها وألفاظها وصورها ويمكن أن تتحمل وجوها عديدة أو أن يتشابه فهمها على الأذهان، أو يعجز العقل البشري بعامة أو عقول بعض الناس عن إدراك مداها وماهيتها، أو يبدو للمشرع غير المتمعن وغير الراسخ في العلم أن فيها تغايرا أو تباينا أو تناقضا.
والمتمعن في هذا النوع من الآيات يجد أنها تهدف إلى تدعيم ما احتواه القرآن من المبادئ والتلقينات والعقائد والأحكام والتشريعات والتعاليم والوصايا أو بكلمة أخرى إلى تدعيم المحكمات القرآنية. وبذلك يظهر له حكمة التنزيل في جعل آيات القرآن نوعين نوعا محكما وآخر داعما. أو نوعا أسسا ونوعا وسائل كما ذكرنا ذلك في كتابنا ( القرآن المجيد ).
ويبدو أن حكمة التنزيل قد شاءت أن تأتي آيات النوع الثاني بالأساليب المتنوعة التي وصفت بالمتشابهات التي ذكرنا ما قيل في مدى مفهومها لتحقيق ما أرادته هذه الحكمة من تدعيم للمحكمات. ولقد لحظنا ذلك ونبهنا على ما استشففناه من حكمته ومقاصده في المناسبات الكثيرة التي وردت فيها فصول وآيات النوع الثاني وأساليبها المتنوعة في اختلاف مقاماتها في السورة التي سبق تفسيرها. وإنه ليصح أن يقال على ضوء ما تقدم : أن الآية ( الأولى ) أي السابعة هي مفتاح القرآن الذي يجب على الناظرين فيه مسلمين كانوا أم غير مسلمين أن يتقيدوا به والذي لا يجوز ولا يصح الخروج عنه ؛ لأنه المفتاح الذي جعله الله فاتحا لفهم آيات القرآن.
٤ ـ والرواية التي رويت في سبب نزول الآية والتي تذكر أنها نزلت في مناسبة قول وفد نجران للنبي " ألست تقول إن عيسى كلمة الله وروح منه. قال بلى، قالوا : هذا حسبنا ". تساعد على القول بالإضافة إلى ما ذكرناه في الفقرة السابقة إن على الناظرين في القرآن أن يرجعوا إلى المحكمات لفهم ما يتشابه عليهم من المحكمات ألفاظا أو حكمة. فوفد نجران أخذ بآيات متشابهة أريد بها التمثيل والتقريب لتقرير كون ولادة عيسى تمت بمعجزة ربانية وحسب، وتركوا المحكمات في صدد عيسى، في حين أن في هذه المحكمات القول الفصل في ذلك، من حيث إنها تقرر أن عيسى عبد الله ورسوله وأنه بشر ولد كبشر وعاش ومات كبشر، وإن مثله كمثل آدم قال الله : كن فكان وإن الله جل وتنزه أن يتجزأ وأن يسري منه روح إلى بشر بالمعنى التام للكلمة ؛ لأن روحه هي ذاته أبدية سرمدية فنزلت الآية تندد بهم وتدمغهم بالزيغ ؛ لأنهم تمسكوا بالمتشابهات وتركوا المحكمات التي هي أم الكتاب. وهناك حديث رواه الشيخان عن عائشة فيه تدعيم آخر. فقد سئلت عما إذا كان النبي رأى ربه اشتباها ببعض آيات القرآن التي توهم ذلك فقالت " من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم الفرية والله يقول لا تدركه الأبصار " (٣). حيث جعلت في هذه الجملة القرآنية التي وردت في الآية [ ١٠٣ ] من سورة الأنعام القول الفصل في موضوع رؤية النبي لله تعالى.
وهناك آيات كثيرة جدا من نوع المتشابهات تثير بعض الإشكال، ولكن ذلك يزول إذا ما جعلت المحكمات مرجعا فاعلا لها، وقد نبهنا على كثير من ذلك في ما سبق تفسيره من السور. فنكتفي بهذا التنبيه ونقول : إن الغفلة عن هذا من أسباب كثير من الخلافيات الكلامية في الإسلام من أسباب كثير من التوهمات غير الإسلامية في صدد محتويات القرآن ومبادئ الإسلام وتلقيناته وأهدافه.
٥ ـ والآية الأولى تقرر أن المحكمات هنّ أمّ الكتاب كما تقرر أن الله وحده يعلم التأويل ا

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير