ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩ

قَوْله تَعَالَى هُوَ الَّذِي أنزل عَلَيْكُم الْكتاب مِنْهُ آيَات محكمات هن أم الْكتاب وَأخر متشابهات اخْتلفُوا فِي المحكمات والمتشابهات، قَالَ ابْن عَبَّاس: المحكمات هِيَ الْآيَات الثَّلَاث الَّتِي فِي آخر سُورَة الْأَنْعَام، وَذَلِكَ قَوْله: قل تَعَالَوْا إِلَى

صفحة رقم 293

آيَات محكمات هن أم الْكتاب وَأخر متشابهات فَأَما الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ فيتبعون
آخر الْآيَات الثَّلَاث، وَأما المتشابهات: حُرُوف التهجي فِي اوائل السُّور. وَقَالَ عِكْرِمَة وَمُجاهد: المحكمات: الْحَلَال وَالْحرَام، وَمَا سواهُ كُله من المتشابهات؛ لِأَنَّهُ يشبه بَعْضهَا بَعْضًا فِي الْحق، والتصديق، يصدق بعضه بَعْضهَا.
وَقَالَ الضَّحَّاك: المحكمات: الناسخات، والمتشابهات: المنسوخات.
وَقَالَ جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ: المحكمات مَا أوقف الله تَعَالَى الْخلق على مَعْنَاهَا، والمتشابهات مَا لَا يعقل مَعْنَاهَا، وَلَا يعلمهَا إِلَّا الله. وَفِيه قَولَانِ آخرَانِ: أَحدهمَا: أَن المحكمات مَا لَا يشْتَبه مَعْنَاهَا، والمتشابهات مَا يشْتَبه ويلتبس مَعْنَاهَا. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن المحكمات مَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ فِي الْمَعْنى، [والمتشابهات] مَا لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ فِي الْمَعْنى إِلَّا بِنَوْع اسْتِدْلَال، أَو رد إِلَى غَيره؛ وَإِنَّمَا سميت محكمات من الإحكام؛ (كَأَنَّهُ) أحكمها؛ فَمنع الْخلق من التَّصَرُّف فِيهَا؛ لظهورها (ووضوح) مَعْنَاهَا.
هن أم الْكتاب أَي: أصل الْكتاب، فَإِن قَالَ قَائِل: لم لم يقل: هن أُمَّهَات الْكتاب؟ قيل: قَالَ الْفراء: تَقْدِيره: هن الشَّيْء الَّذِي هُوَ أصل الْكتاب. وَقَالَ غَيره: مَعْنَاهُ: كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ أصل الْكتاب، كَمَا يُقَال: الْقَوْم أَسد على، أَي: كل وَاحِد مِنْهُم أَسد على، وَمَعْنَاهُ: هن أصل الْكتاب؛ لِأَن الْخلق يفزعون إِلَيْهِ، كَمَا تفزع الْفُرُوع إِلَى الْأُصُول، فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ فرق هَا هُنَا بَين المحكمات والمتشابهات، وسمى كل الْقُرْآن متشابها فِي قَوْله تَعَالَى الله نزل أحسن الحَدِيث كتابا متشابها. وسمى الْكل محكما حَيْثُ قَالَ: الر. كتاب أحكمت آيَاته ؟ قُلْنَا: لما ذكر هُنَالك كتابا متشابه على معنى: أَنه يشبه بعضه بَعْضًا فِي الْحق والصدق، وَإِنَّمَا ذكر فِي الْموضع الآخر أحكمت آيَاته على معنى أَن الْكل حق وجد، لَيْسَ فِيهِ

صفحة رقم 294

عَبث وَلَا هزل، ثمَّ ذكر تَفْصِيلًا آخر بعده، فَجعل الْبَعْض محكما وَالْبَعْض متشابها.
فَأَما الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ قَالَ مُجَاهِد: الزيغ: اللّبْس. وَقيل: هُوَ الشّرك، وَقيل: هُوَ الشُّبُهَات الَّتِي تتَعَلَّق بِالْقَلْبِ فيتبعون مَا تشابه مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَة وابتغاء تَأْوِيله يَعْنِي: أَن الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ يغلون فِي طلب التَّأْوِيل للمتشابه؛ فيقعون على التَّأْوِيل المظلم؛ فَذَلِك ابْتِغَاء الْفِتْنَة؛ لِأَن من غلا فِي الدّين، وَطلب تَأْوِيل مَا لَا يُعلمهُ إِلَّا الله، يَقع فِي الْفِتْنَة، وَيكون مفتونا، وَخير الدّين: النمط الْأَوْسَط الَّذِي لَيْسَ فِيهِ غلو وَلَا تَقْصِير.
ثمَّ اخْتلفُوا فِي الَّذين يتبعُون مَا تشابه من هم؟ قيل: هم الْيَهُود الَّذين قَالُوا: مُدَّة أمة مُحَمَّد على حُرُوف التهجي، وَقيل: هم النَّصَارَى من وَفد نَجْرَان، حَيْثُ قَالُوا لرَسُول الله: مَا تَقول فِي عِيسَى؟ فَقَالَ: عبد الله وَرَسُوله، قَالُوا: فَهَل تَقول: أَنه كلمة الله وروح مِنْهُ؟ فَقَالَ: نعم، قَالُوا: حَسبنَا الله. وَاتبعُوا مَا تشابه من قَوْله: كلمة الله وروح مِنْهُ. وَقيل: هم الغالون فِي طلب التَّأْوِيل وَاتِّبَاع الْمُتَشَابه، وروت عَائِشَة " أَن النَّبِي قَرَأَ هَذِه الْآيَة، ثمَّ قَالَ: إِذا رَأَيْتُمْ الَّذين يجادلون فِي الْآيَات فاحذروهم فهم هم ".
قَوْله تَعَالَى: وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله اسْتَأْثر الله تَعَالَى بِعلم التَّأْوِيل، وَقطع أفهام الْعباد عَنهُ، وَالْفرق بَين التَّأْوِيل وَالتَّفْسِير: أَن التَّفْسِير: هُوَ ذكر الْمَعْنى الْوَاضِح، كَمَا تَقول فِي قَوْله: لَا ريب فِيهِ أَي: لَا شكّ فِيهِ، وَأما التَّأْوِيل: هُوَ مَا يؤول الْمَعْنى إِلَيْهِ، ويستقر عَلَيْهِ. ثمَّ الْكَلَام فِي الْوَقْف، فَاعْلَم: أَن أبي بن كَعْب وَعَائِشَة

صفحة رقم 295

مَا تشابه مِنْهُ إبتغاء الْفِتْنَة وابتغاء تَأْوِيله وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا وَمَا يذكر إِلَّا أولو الْأَلْبَاب (٧) رَبنَا لَا تزغ
وَابْن عَبَّاس - فِي رِوَايَة طَاوس عَنهُ - (رأو) الْوَقْف على قَول إِلَّا الله، وَهُوَ قَول الْحسن، وَأكْثر التَّابِعين، وَبِه قَالَ الْكسَائي، وَالْفراء، والأخفش، وَأَبُو عبيد، وَأَبُو حَاتِم، قَالُوا: إِن الْوَاو فِي قَوْله: والراسخون وَاو الإبتداء؛ وَالدَّلِيل على صِحَّته قِرَاءَة ابْن عَبَّاس " وَيَقُول الراسخون فِي الْعلم آمنا بِهِ " وروى ابْن جريج، عَن مُجَاهِد، عَن ابْن عَبَّاس - فِي رِوَايَة أُخْرَى -: الْوَاو للنسق، وَلَا وقف (على قَوْله) إِلَّا الله (وَأَن الراسخون) فِي الْعلم يعلمُونَ التَّأْوِيل، قَالَ ابْن عَبَّاس: وَأَنا مِمَّن يعلم تَأْوِيله، وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين وَعلمه التَّأْوِيل "، قَالُوا: وَالصَّحِيح رِوَايَة طَاوس، عَن ابْن عَبَّاس، كَمَا ذكرنَا، وَعَلِيهِ إِجْمَاع الْقُرَّاء؛ وَلِأَن على قَضِيَّة قَول مُجَاهِد لَا يَسْتَقِيم.
قَوْله: والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ قَالَ النُّحَاة: وَإِنَّمَا يَسْتَقِيم أَن تَقول: وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله والراسخون فِي الْعلم قائلين أمنا بِهِ (و) لِأَنَّهُ قَالَ: والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا ؛ وَلَو علمُوا التَّأْوِيل لم يكن لقَولهم هَذَا معنى، وَقد روى عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: " أنزل الْقُرْآن على أَرْبَعَة أوجه " الْحَلَال وَالْحرَام، وعربية تعرفها الْعَرَب، وَمِمَّا يعلم الْعباد تَأْوِيله، وَمَا لَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله " وَهَذَا يشْهد لما قُلْنَا؛ فَدلَّ أَن الْوَقْف على قَوْله: إِلَّا الله. وَالْوَاو: وَاو الِابْتِدَاء فِي قَول والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا قَالُوا: وَمن رسوخهم فِي الْعلم يَقُولُونَ ذَلِك وَمَا يذكر إِلَّا أولُوا الْأَلْبَاب.

صفحة رقم 296

تفسير السمعاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي

تحقيق

ياسر بن إبراهيم

الناشر دار الوطن، الرياض - السعودية
سنة النشر 1418 - 1997
الطبعة الأولى، 1418ه- 1997م
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية