ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩ

في خَلْقِه.
٧ - قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إلى قوله: مُتَشَابِهَاتٌ اختلف المفسرون في المُحْكَمِ والمُتَشابِه.
واختلفت (فيهما) (١) الروايات عن ابن عبّاس، فقال في روايةِ عَطِيّة: المُحْكَم: الناسخ الذي يُعمل به. والمُتشابه: المَنْسُوخُ الذي يُؤمَنُ به، ولا يُعمل [به] (٢). وهذا قول قتادة، والربيع (٣).
وقال في رواية عطاء: المُحْكَمَات: (هي) (٤) الثلاثُ (الآيات) (٥) في (آخر) (٦) سورة الأنعام: قُلْ تَعَالَوْا [الأنعام: ١٥١]، إلى آخر الآيات

(١) في (ج): (فيها).
(٢) ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج).
وهذا الأثر عن ابن عباس من رواية عَطِية، في "تفسير الطبري" ٣/ ١٧٢، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٥/ ب، "الدر المنثور" للسيوطي: ٣/ ٨. وسند هذا الأثر عن ابن عباس من طريق عطية قال عنه الشيخ أحمد شاكر: (إسنادٌ مُسَلْسَلٌ بالضعفاء). انظر: "تفسير الطبري" ١/ ٢٦٣ هامش (١) (ط. شاكر)، وقد تكلم على السَّنَدِ بإسهاب. وانظر كذلك السندَ، في "تفسير الثعلبي" ١/ ٤ أ. وقد أخرج الطبريُ أثرًا آخرَ عن ابن عباس، في نفس المعنى من رواية السُّدِّي الكبير، عن أبي مالك، وأبي صالح، عن ابن عباس. انظر: "تفسير الطبري" ٣/ ١٧٢، وانظر تعليق الشيخ أحمد شاكر على سنده، في: ١/ ١٥٦ - ١٦٠ هامش (٢) (ط. شاكر).
(٣) انظر الأثر عنهما في "تفسير القرآن" لعبد الرزاق الصنعاني (تحقيق د. مصطفى مسلم): ١/ ١١٥، "تفسير الطبري" ٣/ ١٧٢، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٥ ب، "تفسير البغوي" ١/ ١٧، " المحرر الوجيز" ٣/ ١٧ - ١٨.
(٤) (هي): ساقطة من: (ج).
(٥) في (ب): (آيات).
(٦) في (ج): (أواخر).

صفحة رقم 31

الثلاث (١).
وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ يريد: (التي) (٢) تشابهت اليهود؛ وهي حُرُوف التَّهَجِّي في أوائل السُّوَرِ؛ وذلك أنهم أوَّلُوها على حِسَابِ الجُمَّلِ، وطلبوا أن يَسْتَخرِجوا منها مُدَّة بقاء هذه الأمَّةِ، فاختلط عليهم واشْتَبَه (٣).

(١) لم أجد هذا الأثر عن ابن عباس من رواية عطاء فيما رجعت إليه من مصادر، وإنما الوارد عنه هو من رواية أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الله بن قيس. وقد أخرجه الحاكم في "المستدرك" ٢/ ٢٨٨، وصححه، ووافقه الذهبي، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٥٩٢ كما أورده السيوطيُّ في "الدر المنثور" ٢/ ٦، وعزا إخراجه لسعيد بن منصور، وابن مردوية وورد من نفس الطريق بلفظ آخر: (قال: هي الثلاث الآيات، مِنْ ههنا: قُلْ تَعَالَوْا [الأنعام: ١٥١]، إلى ثلاث آيات، والتي في (بني إسرائيل): وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: ٢٣] إلى آخر الآيات). أخرجه الطبريُّ في "تفسيره" ٣/ ١٧٢، وابن أبي حاتم ٢/ ٥٩٢، والثعلبي ٣/ ٥/ ب، من رواية أبي إسحاق.
وأورده السيوطيُّ في "الدر المنثور" ٢/ ٦ وزاد نسبة إخراجه لعبد بن حميد، وابن المنذر. وانظر: "الإتقان" له: ٣/ ٥. وقال ابن عطية فى "المحرر الوجيز" ٣/ ١٧ - ١٨: (وهذا عندي مِثالٌ أعطاه في المُحكَمَات).
(٢) في (ج): (الذي).
(٣) موقف اليهود من حروف أوائل السور، ورد في أثر طويل رواه محمد بن إسحاق، عن الكَلْبِيُّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله، وروايته له بصيغة التمريض؛ حيث قال: (.. فيما ذُكر لي عن عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله..). انظر: "سيرة ابن هشام" ٢/ ١٧٠ - ١٧١. فسنده ضعيف لِمَا فيه مِنْ مجهول. وأخرجه الطبري في "تفسيره" ٣/ ١٧٤، وقال عنه الشيخ أحمد شاكر: (ضعيف الإسناد). وقد أورد شاكر أسانيد هذا الأثر وبَيَّن اضطرابَها، ثم قال: (وعندي أن هذا الاضطراب، إنما هو من ابن إسحاق، أو لَعَلَّه رواهُ بهذه الأسانيد كمَا سَمِعَه، وكلها ضعيف مضطرب). "تفسير الطبري" ١/ ١٧٩ (ط. شاكر). وأورده الثعلبي في "تفسيره" ٣/ ٦ ب، وابن كثير في "تفسيره" ١/ ٣٧٠، وقال عنه: (مداره=

صفحة رقم 32

وهذا القول، اختيار الفرّاء (١).
وقال في رواية الوالبي (٢): محكمات القرآن: ما فيه من الحلال

= على محمد بن السائب الكلبي، وهو مِمَّن لا يُحتج بما انفرد به). وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٨، وأشار إلى ضعفه، والشوكانى في "فتح القدير" ١/ ٤٨٠ وَرَدَّه هذا وقد استدل الطبري بهذه الرواية على أن هذه الحروف هي من حساب الجُمّل، مع أن الرواية التي أوردها مدارها على الكلبي، الذي ضعفه الطبري نفسُهُ، وعدّه ممن لا يجوز الاحتجاج بنقله. وقال عنه ابن تيمية: (فهذا نقلٌ باطلٌ)، وبيَّن بطلانَه من ثلاثة وجوه، منها: أنه من رواية الكلبي. وقال ابن كثير: (وأمّا مَنْ زَعَم أنها دالَةٌ على معرفة المُدَدِ، وأنه يُستخرجُ من ذلك أوقاتُ الحوادث والفِتَنِ والمَلاحِمِ، فقد ادّعَى ما ليس له، وطار في غير مطاره)، ثم قال: (كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحًا أن يُحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها، وذلك يبلغ منه جملة كثيرة، وإنْ حُسِبت مع التكرار فأطم وأعظم). انظر: "تفسير الطبري" ٣/ ١٧٥، "تفسير سورة الإخلاص" لابن تيمية: ١٩١. "تفسير ابن كثير" ١/ ٣٧٠.
(١) في "معاني القرآن" له ١/ ١٩٠.
(٢) يريد المؤلف بـ (الوالبي) والله أعلم: علي بن أبي طلحة، الراوي عن ابن عباس، وهكذا سماه الثعلبي شيخ المؤلف في مقدمة تفسيره "الكشف والبيان" ١/ ٥ أ، وساق سنده إليه، فقال: (.. أن معاوية بن صالح حدثه عن علي بن طلحة [هكذا في المخطوط، والصواب: ابن أبي طلحة] الوالبي، عن ابن عباس)، وهو نفس السند الذي روى به ابن أبي طلحة التفسير عن ابن عباس، وهو نفس السند الذي جاءت به هذه الرواية عنه في هذا الموضع في "تفسير الطبري" "تفسير ابن أبي حاتم". ولم أقف في المصادر التي رجعت إليها، على مَنْ سَمَّاه بـ (الوالبي) سوى الثعلبي والواحدي، والزركشي في "البرهان" ٢/ ١٥٨.
وهو: علي بن أبي طلحة "سالم" بن المخارق الهاشمي، أبو الحسن. أرسل عن ابن عباس ولم يره، عالم بالتفسير، رواه عن ابن عباس مرسلًا، والواسطة بينهما مجاهد، أو سعيد بن جبير. وتُعَدُّ هذه الطريقة إلى ابن عباس في التفسير من أقوى=

صفحة رقم 33

والحرام، والحُدُود والفرائض، مِمّا يُعمل به. والمتشابهات: مُقَدَّمُه ومُؤَخَّرُه، وأمثالُهُ وأقسامه، وما يُؤمَنُ به (ولا يُعمل به) (١).
وقال ابن كَيْسَان (٢): المُحْكَمَات: حُجَجُها واضحةٌ، ودَلائِلُها لائحة، (لا) (٣) حاجة بمن سمعها إلى طلب معانيها. والمتشابه: ما يُدرَك عِلْمُهُ بالنظر. وهذا القول؛ اختيار أبي إسحاق؛ لأنه حكى هذا القول، وقال (٤): معنى مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ: أي: أُحكِمت في الإبانة، فإذا سمعها السامعُ لَمْ يَحْتَجْ إلى تأويلها؛ لأنها ظاهرة بَيِّنةٌ؛ نحو: ما قَصّ اللهُ تعالى مِنْ

= الطرق إليه. واعتمد عليها البخاريُّ في صحيحه قال الإمام أحمد: (بمصر صحيفة تفسير رواها علي بن أبي طلحة، لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدًا، ما كان كثيرًا) مات سنة (١٤٣هـ). انظر: "الجرح والتعديل" ٦/ ١٩١، و"المراسيل" ١٤٠، و"تاريخ بغداد" ١١/ ٤٢٨، و"ميزان الاعتدال" ٣/ ١٤٣، و"تهذيب التهذيب" ٧/ ٣٣٩، و"الإتقان" ٢/ ٤١٤ - ٤١٥.
(١) في (ج): (وما لم يُعمل به) والأثر أخرجه الطبري في "تفسيره" ٣/ ١٧٢، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٥٩٣، والبغوي في "تفسيره" ٢/ ٨. وأورده السيوطى في "الدر" ٢/ ٩، وزاد نسبة إخراجه كذلك لابن المنذر، وأورده كذلك في: "الإتقان": ٣/ ٤.
(٢) قوله في "تفسير الثعلبي" ٣/ ٦ ب، وأورده بالمعنى النحاسُ في "معاني القرآن" له: ١/ ٣٤٥. وابن كسيان، أكثر من واحد، وهو هنا: عبد الرحمن بن كيسان، أبو بكر الأصم المعتزلي. كان من أفصح الناس، وأورعهم، وأفقههم، وله تفسير للقرآن، وكتب كثيرة ذكرها ابن النديم. قال ابن حجر: (هو من طبقة أبي الهذيل العلاف، وأقدم منه)، توفي سنة (٢٠٠ هـ)، وقيل: (٢٠١ هـ). وقد نَصّ الثعلبيُّ على اسمه في مقدمة تفسيره "الكشف والبيان" وجعله من مصادره، وعليه اعتمد الواحديُّ. انظر: "الفهرست" لابن النديم: ١٢٠، "لسان الميزان" لابن حجر: ٤/ ٢٨٨، "طبقات المفسرين" للداودي: ١/ ٢٧٤، "تفسير الثعلبي" (المقدمة) ١/ ١٠.
(٣) في (ج): (ولا).
(٤) في "معاني القرآن وإعرابه" له: ١/ ٣٧٦. نقله عنه باختصار وتصرف يسير.

صفحة رقم 34

أقاصيص الأنبياء، مِمّا اعترف به أهلُ الكِتَاب، وما أخبر اللهُ جلّ وعزَّ به مِنْ إنشاءِ الخَلْقِ، في قوله: ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً [المؤمنون: ١٤] الآية. ومِنْ خَلْقِهِ مِنَ الماءِ (كلَّ) (١) شيءٍ (حَيٍّ) (٢)، وما خلق مِنَ الثمار، وهذا (ما) (٣) لَمْ يُنْكِروا، (وأنكروا) (٤) ما احتاجوا فيه إلى النَّظَرِ مِنْ أنَّ اللهَ يبعثهم بعد أنْ يَصِيروا تُرابًا، (ولُوْ نَظَرُوا وتَدَبَّروا) (٥) لَصَارَ المُتَشابِهُ عندهم كالظاهر؛ لأنَّ مَنْ قَدَرَ على الإنشاء أوّلًا، قَدَرَ على الإعادَةِ.
وقد نَبَّهَ اللهُ تعالى بِقَوْلِهِ: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا [يونس: ٧٩].
وقال محمد بن جعفر بن الزبير (٦): المُحْكَم: ما لا يَحْتَمِل مِنَ التأويل غير وَجْهٍ واحدٍ. والمُتَشابه: ما احتمل من التأويل أوجُهًا (٧). وهذا

(١) في (ج): (كل كل).
(٢) (حي): ساقطة من: (د).
(٣) في (ب): (مما).
(٤) في (ج): (ولو أنكروا).
(٥) (ولو نظروا وتدبروا): ساقطة من: (ج).
(٦) هو: محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام الأسدي المدني. من أتباع التابعين، كان من فقهاء أهل المدينة، ثقة، مات ما بين (١١٠ هـ و ١٢ هـ). انظر: "الجرح والتعديل" ٧/ ٢٢١، "تهذيب التهذيب" ٣/ ٥٣٠، "تقريب التهذيب" ص ٤٧١ (٥٧٨٢).
(٧) هذا معنى كلام محمد بن جعفر، ذكره: الطبري في "تفسيره" ٣/ ١٧٣، ولفظه عنده من رواية محمد بن إسحاق: (قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ: فيهن حُجَّةُ الرَّبِّ، وعصمةُ العباد، ودفعُ الخصوم والباطل؛ ليس لها تصريف ولا تحريف عما وُضِعت عليه. وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ: في الصدق؛ لَهُنَّ تصريفٌ وتحريف وتأويل، ابتلى اللهُ فيهن العبادَ، كما ابتلاهم في الحلال والحرام؛ لا يُصرَفْنَ إلى الباطل، ولا يُحرفن عن الحق).=

صفحة رقم 35

اختيار ابن الأنباري، وكثيرٍ مِنَ العلماء (١).
[و] (٢) قال ابن الأنباري (٣): الآية المُحْكَمَةُ: التي مَنَعَتْ كَثْرَةَ التأويلات؛ لأنها لا تَحْتَمِلُ إلّا تفسيرًا واحدا.
والعرب تقول (٤): (حَكَمتُ) و (أحكمتُ) و (حَكَّمْتُ)؛ بمعنى: (رَدَدْت) (٥)، ومَنَعْتُ. والحاكم يَمْنَعُ (الظالمَ) (٦) من الظُلْم.
قال الأصمعي (٧): وأصلُ الحُكُومَةِ: رَدُّ الرَّجُلِ عَنِ الظُّلْمِ، ومِنْهُ قولُ لَبِيد:

أَحْكَمَ الجِنْثِيَّ مِنْ عَوْراتِها كُلُّ حِرْباءٍ إذا أُكْرِهَ صَلْ (٨)
= وانظر: "تفسير الثعلبي" ٣/ ٦ أ، "تفسير البغوي" ٢/ ٨، "تفسير القرطبي" ٤/ ١٠، "الدر المنثور" ٢/ ٧. وقال ابنُ عَطيَّة في "المحرر الوجيز" ٣/ ١٨: (وهذا أحسن الأقوال في هذه الآية).
(١) ونسبه الماورديُّ، وابنُ الجوزي للشافعي رحمه الله. انظر: "النكت والعيون" ١/ ٣٦٩، "زاد المسير" ١/ ٣٨١.
(٢) ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج).
(٣) لم أقف على مصدر قوله.
(٤) من قوله: (والعرب..) إلى نهاية بيت الشعر: (.. أحكموا سفهاءكم): نقله بتصرف واختصار عن "تهذيب اللغة" للأزهري: ١/ ٨٨٦.
(٥) في (أ): رَدّدت. والمثبت من: بقية النسخ، ومن "التهذيب".
(٦) في (ج): (الظلم).
(٧) قوله: في "جمهرة اللغة" لابن دريد: ١/ ١٤٣ (أبواب النوادر)، وفي "تهذيب اللغة" كما سبق.
(٨) البيت في "ديوان لبيد" ١٩٢. وقد ورد منسوبًا له، في: كتاب "المعاني الكبير" لابن قتيبة: ٢/ ١٠٣٠، "جمهرة اللغة" لابن دريد: ١/ ١٤٣، "تهذيب اللغة" ١/ ٨٨٦ (حكم)، "شرح الأبيات المشكلة الإعراب" للفارسي: ٥٤١، "الصحاح" ١/ ١٠٩ (حرب)، "مجمل اللغة" لابن فارس: ١/ ١٩٩ (جنث)، "اللسان" ١/ ٣٠٦ =

صفحة رقم 36

قال: (الجِنْثِيّ): السَّيْف (١)؛ أي: ردَّ السيفَ عن (٢) عوراتِ (الدرع) (٣) (وهي) (٤) فُرَجُها، كلُّ حِرْباءٍ وهُوَ المِسْمَارُ الذي يُسَمَّرُ به حَلَقُها (٥).
ومِنْهُ حديثُ النَّخَعِيِّ: (حَكّمْ اليتيمَ كما تُحَكِّم وَلَدكَ) (٦)، أي: امنعه من الفَسَاد (٧).

= (حرب)، ١٢/ ١٤١ (حكم). وورد غير منسوب في "المخصص" لابن سيده: ١٢/ ٢٤٠.
وللبيت رواية ثانية: برفع (الجِنْثِيُّ)، ونصب (كلَّ). ومعنى (إذا أكرِهَ صَلّ): إذا أكره لِيُدْخَلَ في الحِلَقِ، سمعت له صليلًا. وعلى الرواية الثانية، يكون معنى الإحكام في البيت: إحكام الصنعة، و (الجِنْثِي): الزَّرَّاد (الحداد)؛ أي: أحْكَمَ الزَّرَّادُ مساميرها. انظر: "كتاب المعاني الكبير" ٢/ ١٠٣٠، "شرح الأبيات المشكلة" ٥٤١، "جمهرة اللغة" ٣/ ١٣٢٢.
(١) في "القاموس" (الجُنْثي بالضم: السيف، والزَّرَّاد، وأجود الحديد، ويُكسر). ص ١٦٦ (جنث)، وانظر: "مجمل اللغة" ١/ ١٩٩ (جنث).
(٢) في (ب): (من).
(٣) في (ج): (الدروع).
(٤) في (ب): (وهو).
(٥) انظر: (حرب) في "الصحاح" ١/ ١٠٨، "اللسان" ٢/ ٨١٨.
(٦) الأثر في "غريب الحديث" لأبي عبيد: ٢/ ٢٤٠، وقال: (حدثنيه ابنُ مهدي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم..)، "تهذيب اللغة" ١/ ٨٨٦، "الفائق في غريب الحديث" للزمخشري: ١/ ٣٠٣، "غريب الحديث" لابن الجوزي: ١/ ٢٣١، "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير: ١/ ٤٢٠.
(٧) وقيل: حكمه في ماله ومِلْكِهِ إذا صَلَح، كما تحَكِّم وَلدَكَ في مِلْكه. ولم يرتض الأزهريُّ هذا المعنى، ورجح المعنى السابق. انظر: "تهذيب اللغة" ١/ ٨٨٦ (حكم)، "الزاهر" لابن الأنباري: ١/ ٥٠٣، "النهاية في غريب الحديث" ١/ ٤٢٠، والمراجع السابقة.

صفحة رقم 37

وقال جرير:
.. أَحْكِمُوا (١) سُفهاءَكُمْ (٢)...
يقول: امنعوهم (٣) من التَعرُّض.
قال أبو بكر (٤): والمُتَشَابِهُ، ما اعتَوَرَتْهُ تأويلات. وسُمِّيَ مُتشابهًا؛ لأن لفظَهُ يُشْبِهُ لفظَ غيره، ومعناه يخالف معناه.
وقال بعضهم (٥): المُحْكَمُ: ما عرفَ العلماءُ تأويلَهُ، وفهموا معناه. والمتشابه: ما ليس لأحدٍ إلى عِلْمِهِ سبيلٌ، مِمَّا استأثرَ اللهُ بِعِلْمِهِ؛ وذلك نحو: وقت خروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدجّال، ونزول عيسى، وقيام الساعة، وعِلْم الرُّوح.
ويُسْأَلُ (فيقال) (٦): ماذا (٧) أراد اللهُ بإنزال المُتشابِهِ في القرآن؛ وأراد

(١) في (ج): (حكموا).
(٢) البيت في: ديوانه: ٤٧. وتمامه:
أَبنِي حَنِيفَةَ أحْكِمُوا سُفَهاءَكمْ إنِّي أخافُ عليكُمُ أنْ أغْضَبَا
وقد ورد منسوبًا له، في "غريب الحديث" لأبي عبيد: ٢/ ٤٢١، "الكامل" للمبرد: ٣/ ٢٦، "الزاهر" ١/ ٥٠٣، ومادة (حكم) في "تهذيب اللغة" ١/ ٨٨٦، "الصحاح" ٥/ ١٩٠٢، "مجمل اللغة" ١/ ٢٤٦، "أساس البلاغة" للزمخشري: ١/ ١٩١، "اللسان" ٢/ ٩٥٣. وورد غير منسوب، في "غريب الحديث" للخطابي: ٢/ ٤٦٢، "الفائق" للزمخشري: ١/ ٣٠٣. وقد وردت روايته في "الكامل" (أبني حنيفة نَهْنِهُو).
(٣) في (ج): (امنعوا السفهاء).
(٤) هو ابن الأنباري، ولم أقف على مصدر قوله.
(٥) من قوله: (وقال..) إلى (.. وعلم الروح): نقله بتصرف يسير عن "تفسير الثعلبي" ٣/ ٦ أ، كما أن هذا القول موجود في "تفسير الطبري" ٣/ ١٧٣، مع اختلاف يسير جدًّا، إلا أن سياق المؤلف له أقرب إلى سياق الثعلبي.
(٦) في (د): (فيقول).
(٧) من قوله: (ماذا..) إلى (.. يقع العجز والبلادة): نقله عن "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة: ٨٦.

صفحة رقم 38

بالقرآن لِعِبادِهِ الهُدَى والبيان؟ فيقال: إنَّ القرآن نَزَلَ بألفاظِ العَرَبِ ومذاهبها في: الإيجاز؛ (للاختصار) (١)، والإطالَةِ؛ (للتوكيد) (٢)، والإشارة إلى الشيء، واغماض بعض المعاني؛ حتى لا يظهر عليه إلا اللَقِن (٣). ولو كانَ القرآنُ كلُّهُ ظاهرًا مكشوفًا، حتى يستوي في معرفته العالمُ والجاهلُ، لَبَطَلَ التفاضُلُ بين الناس، وسقطت المِحْنَةُ، وماتت الخواطرُ. ومَعَ الحاجَةِ تَقَعُ الفِكْرةُ (٤) والحِيلَةُ، ومع الكفاية يقع العَجْزُ والبَلاَدَةُ (٥).
وأصل التشابه (٦): أن يُشْبِهَ اللفظُ اللّفظَ في (الظاهر) (٧)، والمَعْنَيَانِ مُخْتَلِفان. قال اللهُ عز وجل في وَصْفِ ثِمَارِ الجَنَّةِ: وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا [البقرة: ٢٥]؛ أي: مُتَّفِقَ المَنَاظِرِ، [و] (٨) مُخْتَلِفَ الطُعُوم (٩).

(١) في (د)، "وتأويل المشكل": (والاختصار).
(٢) في "تأويل المشكل": (والتوكيد).
(٣) في (د): (الكفر). واللَّقِن، هو: سريع الفهم. انظر: "القاموس" ص ١٢٣٢١ (لقن).
(٤) في (ج): (النكر).
(٥) انظر الحكمة في ورود المحكم والمتشابه في القرآن، في "الكشاف" ١/ ٤١٢، "تفسير الفخر الرازي" ٧/ ١٨٥ - ١٨٦، "البرهان في علوم القرآن" للزركشي: ٢/ ٧٥، "الفوائد الجميلة على الآيات الجليلة" للرجراجي: ١٦١، "أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات" للكرمي: ٥٠، "نور من القرآن" لعبد الوهاب خلاف: ٦٧، "علوم القرآن" د. عدنان زرزور: ١٧٧، "الناسخ والمنسوخ بين الإثبات والنفي" لعبد المتعال الجبري: ١٣٥.
(٦) من قوله: (وأصل التشابه..) إلى (.. وإن لم يكن غموضه من هذه الجهة، مشكل): نقله بتصرف واختصار يسيرين عن "تأويل مشكل القرآن" ١٠١ - ١٠٢.
(٧) (الظاهر): ساقطة من: (ج).
(٨) ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج).
(٩) ممن قال هذا: ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، والحسن، والربيع، وغيرهم.=

صفحة رقم 39

ثم يقال لكل ما غَمُضَ ودَقّ: (مُتشابهٌ)، وإنْ لم تقع الحَيْرَةُ فيه، مِنْ جِهَةِ (الشَّبَهِ) (١) بغيره ألا تَرَى أنه قد قيل للحروف المقَطَّعَةِ في أوائل السُّوَر: متشابهة؟ (وليس) (٢) الشكُّ (٣) فيها. والوقوف فيها؛ لمشاكَلَتِها غيرَهَا والتباسِها به. ومثل المتشابه: المُشكِلُ.
واعلَمْ (٤) أنَّ القرآن كُلَّهُ محكَمٌ مِنْ وَجْهٍ؛ على معنى: أنه (حقٌّ) (٥) ثابت (٦). قال اللهُ تعالى: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ [هود: ١]. ومُتَشابِهٌ مِنْ وَجْهٍ؛ وهو أن يشبه بعضه بعضًا في الحُسْنِ، ويُصدّق بَعْضُه بعضًا (٧)، وهو قوله تعالى: كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ (٨) [الزمر: ٢٣].

= انظر: "تفسير الطبري" ١/ ١٧٣، "تفسير القرطبي" ١/ ٢٠٦،"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة: ٢٦، "تفسير المشكل" لمكي: ٢٥، "تذكرة الأريب في تفسير الغريب" لابن الجوزي: ١/ ٥٣، "عمدة الحفاظ" للسمين الحلبي: ٢٥٩.
(١) في (ج): (الشيء).
(٢) في (ج): (ولبس).
(٣) قوله: (الشك..) إلى (ومثل المتشابه): ساقط من: (ج).
(٤) من قوله: (واعلم..) إلى (.. ويصدق بعضه بعضا) نقله عن "تفسير الثعلبي" ٣/ ٦ب.
(٥) (حق): ساقطة من: (ج).
(٦) تدور معاني الإحكام العام هنا على المعنى اللغوي للكلمة، أي: بمعنى الاتقان، والتدعيم، ومنع تطرق الخلل إلى ألفاظه وأساليبه ومعانيه؛ فهو محكم الألفاظ، لا يعتريها خلل ولا خطأ؛ ومحكم الأساليب، لا يعتورها رِكَّةٌ ولا تعقيد؛ ومحكم المعاني، فكلها حق ورسوخ، وثبات.
(٧) قوله: (في الحسن ويصدق بعضه بعضًا): ساقط من: (ج).
(٨) قال ابن العربي: (وأما كونه متشابها) فبمعنى واحد، وهو ما وصفناه من الأحكام الذي يجري في جميع سوره وآياته). "قانون التأويل" له: ٦٦٥. ويقول: "والمعنى الذي صار به القرآن كله محكما، بذلك المعنى، صار كله متشابهًا). المرجع السابق: ٦٦٥. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (فالتشابه هنا: تماثل الكلام، وتناسبه؛ بحيث يصدق بعضه بعضًا. فالإحكام العام في معنى التشابه العام، بخلاف الإحكام الخاص والتشابه الخاص؛ فإنهما متنافيان). ذكره ابن الوزير في "إيثار الحق على الخلق" ٩٢. وانظر في هذا المعنى: "الرسالة التدميرية" لابن تيمية: ٦٥، "القائد إلى تصحيح العقائد"، لعبد الرحمن المعلمي: ١٦١، "ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان" لابن الوزير: ١٢٤، "أقاويل الثقات"، للكرمي: ٤٨.

صفحة رقم 40

وقوله تعالى: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ. أي: أصل الكتاب الذي يُعْمَل عليه (١). فَمَنْ جَعَلَ (المُحْكَمَات): الآيات الثلاث في (الأنعام)، قال: يريد: هُنّ أم كلِّ كِتَابٍ أنزله الله على نَبِيٍّ، فيهن كلُّ ما أحلّ، وفيهن كلُّ ما حرّم. ووحَّد (الأمَّ) بعد قوله: هُنَّ؛ لأن (٢) الآياتِ كلَّها في تكامُلِها واجتماعها، كالآية الواحدة، وكلام الله واحد.
وقال أبو العباس (٣): لأنهن بكمالِهِنَّ (أُمٌّ)، وليست كلُّ واحدِةٍ منهن (أُمَّ الكتاب)، على انفرادها.
وقال الأخفش (٤): وَحَّدَ أُمُّ الْكِتَابِ بالحكاية؛ على تقدير الجواب؛ كأنه قيل (٥): ما أمُّ الكتاب؟ فقيل: هنّ أم الكتاب؛ كما تقول:

(١) والعرب تطلق (الأم) على كلِّ ما جُعِلَ مُقَدَّما لأمْرٍ، وله توابعُ تَتْبَعُه، وكلِّ جامعٍ لأمْرٍ؛ ومِنْ ذلك: رايَةُ الجيش، والجِلْدَة التي تجمع الدِّمَاغ، وتسمى: (أم الرأس)، ومكة المكرمة، وتسمى: (أم القرى)؛ لِتقدمها أمام جميعها، أو لأن الأرض دُحِيت منها، فصارت لجميعها أمَّا.. وهكذا. انظر: "تفسير الطبري" ٣/ ١٧٠، "الصحاح" ٥/ ١٨٦٤ - ١٨٦٥ (أمم)، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٥ أ.
(٢) من قوله: (لأن..) إلى (.. وكلام الله واحد): نقله بنصه عن "تفسير الثعلبي" ٣/ ٥ ب. وانظر: "تفسير الطبري" ٣/ ١٧٠.
(٣) لم أقف على مصدر قوله.
(٤) في "معاني القرآن" له: ١/ ١٩٣. نقله عنه بالمعنى.
(٥) في (ج): (قيل له).

صفحة رقم 41

مَنْ نَظِيرُ زيد؟ فيقول قومٌ: نحن نظيرُه (١)؛ كأنهم حَكَوا ذلك اللفظ. وهذا على قولهم (٢): دَعْنِى مِنْ (تَمْرَتان) (٣)؛ أي: مِمَّا يقالُ له (تمرتان).
قال أبو بكر (٤): وقولُ الأخفش بِعيدٌ مِنَ الصواب في الآية؛ لأن الإضمار لمْ يَقُمْ عليه دليلٌ، ولم تَدْعُ إليه حاجةٌ. وقيل (٥): أراد: كل آية منهنّ أمُّ الكتاب؛ كما قال: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً [المؤمنون: ٥٠]؛ أي: كلُّ واحدٍ منهما آية (٦).
قال العلماءُ، وأصحابُ المعاني: معنى قوله: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ أي: أصلُ الكتاب الذي يُسْتَدَلُّ به على المتشابه وغيره مِنْ أمور الدين. فإذا وردت الآية المتشابهة رُدَّت إلى المحْكَمَةِ، فكانت المُحْكَمَةُ (٧) مُفَسِّرَةً لها، وقاضِيَةً على معناها.
فـ أُمُّ الْكِتَابِ معناه: أصل الكتاب الذي ترجع إليه التأويلات، وتضم جميع المعاني، لأن الأم يرجع إليها بنوها فتضمهم.

(١) العبارة في "معاني القرآن" للأخفش: (.. كما يقول الرجل: ما لي نصير. فيقول: نحن نصيرك).
(٢) في (ج)، (د): (وعلى هذا قولهم).
(٣) في (ب): تمراتان.
(٤) لم أقف على مصدر قوله. وقد أورده السمين الحلبي في "الدر المصون" ٣/ ٢٦.
(٥) هو قول ابن كيسان. انظر: "معاني القرآن" للنحاس: ١/ ٣٤٨.
(٦) فعيسى عليه السلام وأمَّه، مشتركان جميعا في الأمر العجيب الخارق للعادة، فهي قد جاءت به مِنْ غير زوج، وهو مِنْ غير أبٍ. فلم تكن الآيةُ لها إلّا بِهِ، ولا لَهُ إلّا بها. انظر: "تفسير الطبري" ٣/ ١٧١، "معاني القرآن" للنحاس: ١/ ٣٤٨، "تفسير الفخر الرازي" ٢٣/ ١٠٣.
(٧) (فكانت المحكمة): ساقطة من: (د).

صفحة رقم 42

مثال ما ذكرنا: قوله تعالى: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [فاطر: ٣]. هذه آيةٌ (١) مُحْكَمَةٌ، لا تحتمل تأويلًا غير ظاهرها (٢)، لأن معناها: لا ينشئ الصُّوَرَ (٣)، ولا يُرَكِّبُ الأرواحَ في الأجسام غيره عز وجل.
وأما الآية المتشابهة: فقوله عزَّ ذِكْرُه: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون: ١٤]؛ يقع هذا متنافيًا عند الجاهل؛ إذْ كان قالَ في ذلك الموضع: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [فاطر: ٣]، وَجَعَلَ في (٤) هذا الموضع مع الله خالِقِين، فاحتجنا إلى رَدِّ هذه الآية، إلى الآية المحكمة؛ لِتَحْكُمَ (٥) عليها، فقلنا: قد نَفَت الآيةُ المُحْكَمة أن يكون مع الله تعالى خالق يُنْشئ وُيحْيي.
ووجدنا العربَ تجعل (الخَلْقَ) على مَعْنيَيْن: أحدهما: (الإنشاء)، والآخر: (التقدير). (٦) فنفت الآيةُ المُحْكَمة (الخَلْقَ) الذي بمعنى: (الإنشاء)، فبقي الذي معناه (٧): (التقدير). فَحَمَلْنا المُتشابِهَ عليه، وقلنا: تأويلُهُ: فتباركَ اللهُ أحْسَن المُقَدِّرِين؛ كما قال: وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا

(١) في (ب): (الآية).
(٢) في (د): (غير ظاهر).
(٣) في (د): (الصورة).
(٤) (في) ساقطة من: (ج).
(٥) في (ج): (ليحكم)، وفي (د): (لنحكم).
(٦) انظر: "الأضداد" للأصمعي (ضمن ثلاثة كتب في الأضداد): ٥٥، "تأويل مشكل القرآن " ٥٠٧، "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج: ٣٥، "الزاهر" ١/ ٨٤، "تهذيب اللغة"١/ ١٠٩٣، "قاموس القرآن" للدامغاني: ١٦٣، ١٦٤، "مفردات ألفاظ القرآن". للراغب: ٢٩٦ (خلق)، "نزهة الأعين النواظر" لابن الجوزي: ٢٨٣، "اللسان" ٢/ ١٢٤٣ (خلق).
(٧) (الذي معناه): ساقط من: (ج).

صفحة رقم 43

[العنكبوت: ١٧]، أي: ويُقَدِّرُون (١).
ومن هذا القَبِيل أيضًا، قولُه: لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى [طه: ٥٢]؛ هذه مُحْكَمَةٌ لا تَحْتَمِل التأويلات. ثم قال: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة: ٦٧]؛ فَأَثْبَتَ في المُتَشَابِهِ (٢) ما نفاهُ في المحكمة؛ فكانت المُحْكَمة قاضيةً عليها؛ لأنا وجدنا النسيان في كلام العرب على مَعْنيَيْنِ: أحدهما: (الإغفال)، والآخر: (التَّعَمُّدُ والتَّرْكُ) (٣).
فقلنا في قوله عز وجل: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة: ٦٧]: تركوا (٤) العَمَلَ لله، فَتَرَكَ أنْ يُثِيبهم (٥)؛ فكان في المُحْكَمِ بَيانُ المُتَشابِهِ.

(١) في (د): (وتعبدون). وفي "تهذيب اللغة" ١/ ١٠٩٣: (وتقدرون). وانظر: "تفسير الطبري"٢٠/ ١٣٧، "تهذيب اللغة" ١/ ١٠٩٣ (خلق)، "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج: ٣٦، "تفسير القرطبي" ١٣/ ٣٣٥، "لسان العرب" ٢/ ١٢٤٣ (خلق)، "تفسير أبي السعود" ٧/ ٣٤، "الدر المنثور" ٦/ ٤٥٧، "فتح القدير" ٤/ ١٩٧. وقد سبق أن ذكر المؤلف عند تفسير آية: ٢١ من سورة البقرة: أن الخلق المنسوب لغير الله، إنما هو قياس وتشبيه وافتراء ومحاكاة وتقدير، على قدر قدره غيره، فخلق الله ذاتي، وخلق غيره على سبيل الاستعارة والتقدير.
(٢) في (د): (المتشابهة).
(٣) يعني أن النسيان، إما ترك الشيء عن غفلة وسهو وعدم ذكر، أو ترك الشيء مع التعمد. انظر: "الأضداد" لابن الأنباري: ٣٩٩، "الأضداد" لأبي حاتم السجستاني (ضمن ثلاثة كتب في "الأضداد" ١٥٦، "قاموس القرآن" للدامغاني: ٤٥٤، "نزهة الأعين النواظر" ٥٧٩، "الوجوه والنظائر في القرآن" د. سليمان القرعاوي: ٦١٤، "المصباح المنير" ٢٣١ (نسو).
(٤) في (ج): (ترك).
(٥) انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة: ١٩٨، "تفسير الطبري" ١٠/ ١٧٥، "الأضداد" لابن الأنباري: ٣٩٩، وتذكرة الأريب "في تفسير الغريب" لابن الجوزي: ١/ ٢٢٠.

صفحة رقم 44

ومن هذا: قولُ اللهِ عز وجل: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ (١)، احتمل في اللغة أنْ يكونَ كاستواءِ الجالِسِ على سَرِيرِهِ، واحتَمَلَ أن يكون بمعنى الاستيلاءِ؛ وأحَدُ الوَجْهَيْنِ لا يجوز على الله؛ لقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] وهذا من المُحْكم، الذي هو أصلٌ يُردُّ إليه المتشابهُ، فقلنا: إنَّ استواءَهُ بمعنى: الاستيلاء (٢) ومثل هذا كثيرٌ، وفيما

(١) سورة الأعراف: ٥٤، ويونس: ٣، والرعد: ٢، والفرقان: ٥٩، والسجدة: ٤، والحديد: ٤.
(٢) لقد أبعد المؤلف -رحمه الله- النجعةَ، في حمل الاستواء على الاستيلاء، وجانبه الصواب في ذلك؛ حيث لم يرد عن العرب أنَّ مِنْ معاني (الاستواء): الاستيلاء. وإنما الوارد عنهم في معاني الاستواء، التالي: الاستقرار، والقَصْدُ، والعُلُوّ، والإقبالُ على الشيء وإليه، والصُّعود. وقد ذَكَرَ ابنُ القيِّم أن للسلف أربع تفسيرات للاستواء، وهي: الاستقرار، والعلو، والارتفاع، والصعود، وهو ما يتناسب مع المعنى اللغوي. انظر: "توضيح المقاصد" في "شرح قصيدة الإمام ابن القيم" لأحمد بن عيسى: ١/ ٤٤٠. أما (الاستيلاء) فقد أورده الجوهري في "الصحاح" مستدلًا بقول الشاعر:
قد استوى بِشْرٌ على العراق من غير سيفٍ ودَمٍ مِهْراقِ
وقد نسب الزبيديُ في "تاج العروس" البيتَ للأخطل. وتبع الجوهريَّ في ذكر هذا المعنى، صاحبُ "لسان العرب" وصاحبُ "القاموس المحيط".
أما بيت الشعر السابق، فقد قال عنه ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوى" ٥/ ١٤٦: (ولم يثبت نقل صحيح أنه شعر عربي، وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه، وقالوا: إنه بيت مصنوع لا يعرف في اللغة..).
وقد رَدَّ ابن الأعرابي وهو من أئمة اللغة على مَنْ فَسَّر الاستواء بـ (الاستيلاء) هنا، بقوله: (.. لا يقال: استولى على الشيء، إلا أن يكون له مضادّ، فإذا غلب أحدُهما، قيل: استولى..). "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" لللالكائي: ٣/ ٤٤٢. والله تعالى لا منازع له في مُلْكه. ورَدَّه كذلك الخليل بن أحمد. ذكَرَ ذلك الكرميُّ =

صفحة رقم 45

أوردتُهُ كِفَايَةٌ لِمَنْ رُزِقَ الفَهْمَ.
وقوله تعالى: وَأُخَرُ زعم (١) سِيبَويه والخليلُ أنَّ (أُخَرَ) فارقت

= في "أقاويل الثقات" ١٢٤.
فمعنى لفظ (الاستواء) من ناحية اللغة معروفٌ، وليس متشابها، ولا حرج في تفسيره بالألفاظ التي جاءت في اللغة، وليس في ذلك إيهام بالكيف، أو التجسيم ومشابهة الخلق؛ لأننا عندما نفسر هذه الصفة، إنما نذكر المعنى اللغوي، ونُجري هذه المعاني بما يليق بجلال الله تعالى وعظمته، ونقطع الطمع عن إدراك الكيفية، وذلك لعجز وقصور عقولنا عن إدراك ذلك. ومنهج السلف الصالح إزاء صفة الاستواء، وغيرها من صفات الباري تعالى: أن تمر كما جاءت، من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تحريف، ولا تعطيل؛ فيثبتون له الأسماء والصفات، وينفون عنه مشابهة المخلوقات، إثباتًا منزهًا عن التشبيه، منزهًا عن التعطيل، فمن نفى حقيقة الاستواء فهو مُعطّل، ومَنْ شبهه باستواء المخلوق على المخلوق، فهو مُمَثِّل. وقد قال الإمام مالك بن أنس، لَمَّا سُئل عن كيفية الاستواء، فقال: (الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة)، وقد وَرَدَ مثلُ ذلك عن أم سلمة رضي الله عنها، وربيعة الرأي.
انظر: "شرح أصول الاعتقاد" ٣/ ٤٤٠ - ٤٤٣. وانظر مادة (سوا) في "تهذيب اللغة" ٢/ ١٧٩٤، "الصحاح" ٦/ ٢٣٨٥ - ٢٣٨٦، "اللسان" ٤/ ٢١٦٠، "القاموس المحيط" ١٢٩٧، "قاموس القرآن" للدامغاني: ٢٥٥، "تاج العروس" للزبيدي: ١/ ١٧٩. وانظر حول موضوع صفة الاستواء: "تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة: ٣٩٤، "الرد على الجهمية" للدارمي: ص ٤٠، "الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد" للبيهقي: ص ١١٦، "الأسماء والصفات" للبيهقي: ٢/ ٣٠٣، "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" ٥/ ١٤٦، ٣٦٥، ٤٠٤، ٥١٩ - ٥٢٠ "العقائد السلفية" لأحمد بن حجر: ١/ ١٢٤ - ١٢٥، ١٦٤ - ١٦٧، "رسائل في العقيدة" لمحمد بن عثيمين: ٧٠.
(١) من قوله: (زعم..) إلى (.. إلا صفة منعت الصرف): نقله عن "معاني القرآن" للزجاج: ١/ ٣٧٧. وانظر: "كتاب سيبويه" ٣/ ٢٢٤، ٢٨٣.

صفحة رقم 46

أخواتها، والأصلَ الذي عليه بِنَاءُ أَخَواتِها؛ لأن (أُخَرَ) أصلُها أن تكون بالألف واللّام (١)؛ كما تقول: (الصُّغْرى) و (الصُغَر)، و (الكُبْرَى) و (الكُبَر). فلما عُدِلَت عن مُجْرَى الألِفِ واللام، وأصلِ (أَفْعَلَ مِنْكَ) وهي مِمَّا لا يكونُ (٢) إلا صِفَةً، مُنِعَت الصَّرْفَ. وقد شرحنا هذه المسألة عند قوله: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ (٣) [البقرة: ١٨٤].
قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ. الزَّيْغُ: المَيْلُ. يعني: مَيْلًا عن الحقِّ؛ (زاغ، يَزِيغ، زَيْغًا، وزَيْغُوغَةً، وزَيَغانًا، وزيوغًا (٤).
قال الفراء (٥): والعرب تقول في عامةِ ذوات الياء، مِمَّا يُشْبِهُ (زِغتُ)؛

(١) في "معاني القرآن" (أن تكون صفة بالألف واللام).
(٢) في (د): (وهي لا تكون).
(٣) يريد المؤلف (والله أعلم) أن (أخَر) مُنِعت مِنَ الصَّرْفِ؛ لأنها جاءت صفة بغير الألف واللام، ولم تلحقها (مِنْ) كأفعل التفضيل (أفعل منك)؛ حيث إن (أُخَر) جمعٌ، ومفرده (أُخْرَى). و (أخْرَى) مؤنث لِلَفْظٍ مُذَكَّرٍ، هو: (آخِر)؛ الذي أصله (أأخَر) بفتح الهمزة الأولى، وتسكين الثانية، على وزن (أفْعَل) الدال على التفضيل. وهو مُجَرَّدٌ من (أل) والإضافة. وحقُّه أنْ يكون مفردًا مذكرًا في جميع استعمالاته. ولكنْ عَدَلَ العربُ عنه إلى لفظ (أُخَر) بصيغة الجمع، ومنعوه من الصرف؛ للوصفية والعَدْل.
انظر آراء النحويين حول منع (أخر) من الصرف، في "المقتضب" للمبرد: ٣/ ٢٤٦، ٣٧٦، "إعراب القرآن" للنحاس: ١/ ٢٣٥، "البيان في غريب إعراب القرآن" للأنباري: ١/ ١٤٣، "شرح المفصل" لابن يعيش: ٦/ ٩٩، "التبيان في إعراب القرآن" للعكبري: ١/ ١١٦، "شذور الذهب" لابن هشام (بشرح محمد محي الدين عبد الحميد): ص ٥٣٧، "همع الهوامع" للسيوطي: ١/ ٨٠، "النحو الوافي" لعباس حسن: ٣/ ٤٠٨، ٤/ ٢٢٤.
(٤) انظر: (زيغ) في "تهذيب اللغة" ٢/ ١٥٠٢، "اللسان" ٣/ ١٨٩٠.
(٥) قوله في "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٠٨٣. وأورده بمعناه ابن جني في "المنصف" ٢/ ١٢.

صفحة رقم 47

مثل: (سِرْتُ)، و (صرْتُ)، و (طِرتُ): (سَيْرُورَةً)، و (صَيْرُورَةً)، و (طَيْرُورَةً)، و (حِدْتُ حَيْدُودَةً)، و (مِلْتُ مَيْلُولَةً)، لا أحصى ذلك، وهو كثير. فأمّا ذوات الواو؛ مثل: (قلتُ)، و (رُضْتُ)، فإنهم لمْ يقولوا ذلك إلا في أربعة أحْرُف، منها: الكَيْنُونة (١)، والدَّيْمُومَةُ، مِنْ: (دُمْتُ)، والهَيْعُوعَةُ، من: (الهُواع) (٢)، والسيْدُودَةُ، من: (سُدْتُ).
وكان ينبغي أن يكونَ -في القياس-: (كَوْنُونَة) بالواو (٣)، ولكنها لَمَّا قَلَّت في مصادر الواو، وكثرت في مصادر الياء، ألحقوها بالذي هو أكثر مجيئًا منهما؛ إذ كانت الواوُ والياءُ مُتَقارِبَتَينِ في المَخْرَج.
ومثل هذا: أنهم يقولون في ذوات الياء: (سَعَيْتُ به سِعَايةً)، و (رَمَيْتُهُمْ رِمَايَةً)، و (دَرَيْتُ بِهِ (٤) دِرايةً)، فتأتي المصادرُ في ذوات الياء،

(١) مصدر (كان يكون كَوْنًا وكيْنُونة).
(٢) في "القاموس المحيط": (والهواع بالضم، والهيعوعة، والمِهْوع، والمهواع بكسرها: الصياح في الحرب). ص ٧٧٧ (هوع). وجعلها في "لسان العرب" من مصادر ذوات الياء، فقال: (هاعَ، يَهاع، ويَهِيع، وهَيْعًا، وهَاعًا، وهُيُوعًا، وهَيعَة، وهَيَعانًا، وهَيْعُوعة: جَبُن وفَزع. وقيل: استخف عند الجزع). ٨/ ٤٧٢١ (هيع). والهُواع: القيءُ. يقال: (هاع، يهوع هواعًا. وهيعوتة): أي: قاء. انظر: (هوع) في "الصحاح" ٣/ ١٣٠٩، "المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث" لأبي موسى الأصفهاني: ٣/ ٥١٦، "اللسان" ٨/ ٤٧٢١، "المعجم الوسيط" ٢/ ١٠١٠.
(٣) ويرى الخليل بن أحمد أن (كيْنُونة): (فَيْعُولة)، هي في الأصل: (كَيْوَنُونَه)؛ التقت منها ياءٌ وواوٌ، والأولى منهما ساكنة، فَصُيِّرَتا ياءً مشدَّدَةً [أي: كيَّنُونة]، مثلما قالوا: (الهيِّن) من (هُنْت)، ثم خففوها فقالوا: (كيْنُونة)؛ كما قالوا: (هَيْنٌ، لَيْنٌ). قال الفراء: وقد ذهب مذهبًا، إلا أن القول عندي هو الأول). "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٠٨٤ (كان).
(٤) في (د): (بهم).

صفحة رقم 48

على هذا النحو، كثيرةً، ولا تكاد تأتي في ذوات الواو؛ نحو: (خَلَوْتُ)، و (دَعَوْتُ). فَنَدَرَ حرفٌ مِنْ ذوات الواو فألْحِقَ بذوات الياء، وهو قولُهم: (شَكَوْتُ فُلانًا شِكَايَةً)، ولم يقولوا: (شِكاوَةً)، فألحقوها بالمصادر من الياء (١).
واختلفوا في هؤلاء الذي عُنُوا بقوله: فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ: فقال الربِيع (٢): هم (٣) وَفْدُ نَجْرَانَ؛ لَمَّا حَاجُّوا رسولَ الله - ﷺ -، في المَسِيح، فقالوا: أليسَ (٤) هُوَ كَلِمَة اللهِ، وروح منه؟ قال: "بَلَى". قالوا: حَسْبُنا. فأنزلَ اللهُ تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ، الآية. ثمّ أنزل: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ الآية.
وقال الكَلْبِيُّ (٥): هم اليهود، طَلَبُوا (٦) عِلْمَ أكْلِ (٧) هذه الأُمَّةِ،

(١) انظر في هذا الموضوع: "المنصف" لابن جني: ٢/ ١٠، "الممتع في التصريف" لابن عصفور: ٢/ ٥٠٢، ٥٠٤، "شرح شافية ابن الحاجب" للاستراباذي: ١/ ١٥٢.
(٢) قوله في "تفسير الطبري" ٣/ ١٧٧، "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٥٩٦، "تفسير البغوي" ٢/ ٩، "زاد المسير" ١/ ٣٥٣.
(٣) (هم): ساقطة من: (ج).
(٤) في (أ)، (ب): (ليس). والمثبت من: (ج) و (د).
(٥) قول الكلبي، أخرجه الطبري ١/ ٩٢، ٩٣ من رواية محمد بن إسحاق، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله، وأخرجه البخاري في: تاريخه: ١/ ٢/ ٢٠٨، والبغوي ٢/ ٩، وذكره بمعناه أبو الليث في "بحر العلوم" ١/ ٢٤٧، وابن الجوزي في "زاد المسير" ١/ ٣٥٣، والسيوطي في "الدر" ٢/ ٧٨.
(٦) في (ج): (طالبوا).
(٧) في (ج): إقامة. (د) أجل. وحقيقة (الأُكْل) بضم الهمزة: التنَقّص. ومعناها هنا: الرزق، والحظ من الدنيا.
يقال للميت: (قد انقطع أكْلُه)، أي: انقضت مدته في الدنيا. فاليهود أرادوا معرفة =

صفحة رقم 49

واستِخْراجِهِ مِنَ الحُرُوف المُقَطَّعَةِ في أوائل السُّوَرِ (١). وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء (٢).
وقيل: هم جميع المُبْتَدِعَةِ، وكلُّ من احتَجَّ لِباطِلِهِ بالمتشابه (٣). وهذا معنى قول قتادة (٤).

= مدة بقاء أمة محمد - ﷺ -، وأجلها. انظر: (أكل) في "مجمل اللغة" ١/ ١٠٠، "القاموس المحيط" ص ٩٦١.
(١) انظر: "سيرة ابن هشام" ٢/ ١٧٠، ١٧١ فقد ذكره عن ابن إسحاق. وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٥٩٥ عن مقاتل بن حيان، وأورده السيوطي في "الدر" ٢/ ٧ وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر في "تفسيره" عن ابن جريج معضلا.
(٢) لم أقف على رواية عطاء عن ابن عباس.
(٣) روت عائشة رضي الله عنها قائلة: (تلا رسول الله - ﷺ -، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ إلى وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "فإذا رأيت الذين بتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سَمَّى الله فاحذروهم". أخرجه البخاريُّ (٤٥٤٧). كتاب: التفسير. سورة آل عمران باب: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ، ومسلم رقم (٢٦٦٥). كتاب: العلم. باب: النهي عن اتباع متشابه القرآن. وفي رواية الإمام أحمد: "فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه، فهم الذين عنى الله فاحذروهم". "المسند" ٦/ ٤٨، ٢٥٦. وأخرجه أبو داود رقم (٤٧). كتاب: السنة. باب: النهي عن الجدال، والترمذي رقم (٢٩٩٣)، (٢٩٩٤). كتاب: التفسير. باب: ومن سورة آل عمران، وابن ماجة رقم (٤٧). في المقدمة، وابن حبان في "صحيحه" ١/ ٢٧٤، ٢٧٧ (٧٣)، (٧٦). وأخرجه: عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ١١٦، والطبري في "تفسيره" ٦/ ١٨٩ - ١٩٥، والطيالسي في "المسند" ٣/ ٥٠ (١٥٣٥)، والآجري في "الشريعة" ٢٦، ٢٧.
(٤) كان قتادة إذا قرأ هذه الآية فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ، قال: (إنْ لم يكونوا الحَرُورِيَّة والسَّبَئِيَّة، فلا أدري مَن هم!..). و (الحرورية) هم: الخوارج، و (السبئية): نسبة إلى عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي غالى في الإمام عليٍّ، وادَّعى فيه الألوهية. انظر الأثر، في "تفسير عبد الرزاق": ١/ ١١٥، "تفسير الطبري" ٣/ ١٧٨، "تفسير =

صفحة رقم 50

وقولُ الزَّجَّاج في هذه الآية، يَدُلُّ على أنّ هؤلاء، هم الكفار الذين يُنْكِرُون البَعْثَ، لأنه قال (١) في سياق الآية: معنى ابتغائهم تأويله: أنهم طلبوا تأويل بَعثِهِمْ وإحيائهم.
وقوله تعالى: ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ. قال عطاءٌ، عن ابن عباس (٢): يريد: الكفر. وقال الرَّبِيع (٣)، والسدي (٤): طلب الشرك (٥).
وقال مجاهد (٦): اللَّبْسِ (٧)؛ لِيُضِلُّوا به جُهَّالَهم.

= البغوي" ٢/ ٨، "المحرر الوجيز" ٣/ ٢٣. وورد كذلك عن أبي أمامة رضي الله عنه: أنهم الخوارج. يرويه عن رسول الله - ﷺ - وقد رجح ابن كثيرٍ وقفَهُ على أبي أمامة. انظر الأثر في: "مسند الإمام أحمد" ٥/ ٢٦٢، "مصنف عبد الرزاق" ١٠/ ١٥٢رقم (١٨٦٦٣)، و"سنن البيهقي" ٨/ ١٨٨، و"مسند الحميدي" ٢/ ٤٠٤ رقم (٩٠٨)، "المعجم الكبير" للطبراني: ٨/ ٢٧٤ وما بعدها، "المعجم الصغير" له: ١/ ٤٢ (٣٣)، "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٥٩٤، و"الشريعة" للآجرِّي: ٣٦، "تفسير ابن كثير" ١/ ٣٧١.
(١) في "معاني القرآن" له: ١/ ٣٧٨.
(٢) لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد في "تنوير المقباس" المنسوب إلى ابن عباس: ٤٣.
(٣) قوله في "تفسير الطبري" ٣/ ١٨٠، "ابن أبي حاتم" ٢/ ٥٩٦، "الثعلبي" ٣/ ٧ ب، "البغوي" ٢/ ١٠، "المحرر الوجيز" "زاد المسير" ١/ ٣٥٤.
(٤) قوله في: المصادر السابقة، عدا "المحرر الوجيز". والسُدِّيُّ هنا هو: السُدِّي الكبير (إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة، ت: ١٨٢ هـ). وليس هو السُدِّي الصغير (محمد بن مروان، ت: ١٨٦ هـ)؛ وذلك أن هذا الأثر ورد من رواية أسباط عن السدي، وأسباط إنما يروي عن السدي الكبير. انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٥٩٦، " الطبقات الكبرى" لابن سعد: ٦/ ٣٧٦، "تهذيب التهذيب" لا بن حجر: ١/ ١٥٨في ترجمة أسباط، "معجم المفسرين" لعادل نويهض: ١/ ٩٠، ٢/ ٦٣٥.
(٥) وهو قول: مقاتل في "تفسيره" ١/ ٢٦٤، وابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ١٠١.
(٦) قوله في "تفسيره" ١/ ١٢٢، والمصادر السابقة.
(٧) هكذا وردت في الأصل بالكسر على تقدير: ابتغاء، أو طَلَبِ اللَّبْسِ. =

صفحة رقم 51

وقال أبو إسحاق (١): الفِتْنَةُ في اللغة على ضُرُوب: فالضَّرْبُ الذي ابتغاه هؤلاء: إفسادُ ذوات (٢) البَيْن في الدِين، والحرب. والفتنة في اللغة: الاستهتار بالشيء والغُلُوُّ فيه؛ يقال: (فلانٌ مَفْتُونٌ بِطَلَب الدُّنْيا)؛ أي: قد غلا في طَلَبِها، وتجاوز القَدر (٣).
وقوله تعالى: وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ. التأويل: التفسير. وأصلُهُ في اللغة: المرجِعُ والمَصِيرُ؛ مِنْ قولهم: (آل الأمْرُ إلى كذا): إذا (٤) صار إليه. و (أوَّلْته تأويلًا): إذا صَيَّرته إليه، فتأول (٥)؛ أي: رَجَعَ، وصار.
قال الأعشى:

على أَنَّها كانتْ تَأوُّلُ حُبِّها تأؤُّلَ رِبْعيِّ السِّقابِ فَأَصْحَبَا (٦)
= ونصُّ قول مجاهد كما في "تفسير الطبري" (الشبهات، مِمَّا أهلكوا به)، وفي تفسيره: (الهلكات التي أهلكوا بها).
(١) هو الزجاج في "معاني القرآن" له: ١/ ٣٧٧. نقله عنه بتصرف يسير جدًا في بعض الألفاظ.
(٢) في (ج) و"معاني القرآن": (ذات).
(٣) في "معاني القرآن" للزجاج: (وتجاوز القُدْرة). وانظر: "اللسان" ٦/ ٣٣٤٥ (فتن)، "تفسير الفخر الرازي" ٧/ ١٨٩. ويقول النحاس في هذا الموضع: (أي: ابتغاء الاختبار الذي فيه غُلوٌّ، وإفْسادُ ذاتِ البَيْن؛ ومنه: (فلانٌ مَفْتُونٌ بِفُلانة)؛ أي: قد غَلا في حبها). "إعراب القرآن" له: ١/ ٣١٠.
(٤) في (ب): (أي).
(٥) في (ب): (فتأوله).
(٦) البيت، في: "ديوانه": ص ٧. وقد ورد منسوبًا له، في: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة: ١/ ٨٦، "تفسير الطبري" ٣/ ١٨٤، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٣٤٩ (ربع)، "الصحاح" ٤/ ١٦٢٧ (أول)، "الصاحبي" لابن فارس: ٣١٥، "اللسان" ٣/ ١٥٦٦ (ربع)، ١/ ١٧٢ (أول)، وفي: ٤/ ٢٤٠١ (صحب) أورد الشطر الثاني ولم ينسبه. وورد =

صفحة رقم 52

أي: كان حُبُّها صغيرًا، فآل إلى العِظَم، كما آل السَّقْبُ إلى الكِبَرِ (١).
هذا معنى (التأويل) في اللغة (٢).
ثم تُسَمَّى (العاقبةُ): (تأويلا)؛ لأنَّ الأمرَ يصيرُ إليها. و (التفسير)

= البيت في الديوان كالتالي: (.. تأوَّلُ حبَّها..). وورد في "التهذيب" ٢/ ١٣٤٩ (ربع)، "اللسان" ٣/ ١٥٦٦ (صحب)، كالتالي:
ولكنها كانت نَوًى أجنبيَّةً توالِيَ رِبْعِيِّ السِّقاب فأصحبا
وينشد كما في "تفسير الطبري" ٣/ ١٨٤:
على أنها كانت تَوَابعُ حُبِّها توالي رِبْعِيِّ السِّقاب فأصحبا
ومعنى: (ربعي السقاب): ذلك أن الفصيل الذي يُنتَج في أول النتاج، يقال له: (رُبَع)، والجمع: (رِباع). ورِبْعِيُّ كل شيء: أوله. والسَّقْب: ولد الناقة، أو ساعة يولد، إذا كان ذكرًا. والجمع: (سِقاب). ويقال: (سقبٌ رِبْعِيٌّ)، و (سقاب رِبعية)، وهي: التي ولدت في أول النتاج. و (أصحب): ذَلَّ وانقاد. انظر: "كتاب الفرق" لقطرب: ١٠٠، "الفرق" لابن فارس: ٨٧، "اللسان" ١/ ١٧٢ (أول)، "القاموس" ص ٩٧ (سقب). وسيأتي تفسير المؤلف للبيت على الرواية التي أوردها. أما على الرواية الثانية، التي أوردها الأزهريُّ، وصاحب "اللسان" فمعنى (توالي ربعي السقاب) هنا: من (الموالاة). وهي: تمييز شيء من شيء، وفصله عنه؛ أي: إن نَوَى صاحبته اشتَدَّ عليه، فحن إليها حنين ربعي السقاب، إذا فُصِل عن أمِّهِ ومُيِّز عنها. وأن هذا الفصيل يستمر على الموالاة ويُصْحب، أما هو فقد دام على حنينه الأول، ولم يصحب إصحاب السقب. انظر: "تهذيب اللغة" ١٣٤٩.
(١) انظر: "تفسير الطبري" ٣/ ٢٨٤؛ حيث قال في تفسيره: (ويعني بقوله: (تأوُّلُ حبِّها): تفسير حبِّها ومرجعه. وإنما يريد بذلك أنَّ حبَّها كان صغيرًا في قلبه، فآلَ من الصِّغَرِ إلى العِظَم، فلَمْ يزلْ ينبت حتى أصْحَبَ فَصَارَ قديمًا، كالسَّقْبِ الصغير الذي لم يزل يشبُّ حتى أصحبَ فَصَارَ كبيرًا مثلَ أمِّهِ) ويبدو أن المؤلف نقل هذا المعنى عن الطبري، متصرفًا في عبارَتِه هذه
(٢) انظر: (أول) في "الصحاح" ٤/ ١٦٢٦، ١٦٢٨، "مجمل اللغة" ١/ ١٠٧، "اللسان" ١/ ١٧٢، "المصباح المنير" ١٢، "القاموس المحيط" ٩٦٣.

صفحة رقم 53

يُسمَّى: (تأويلًا)، وهو قوله: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف: ٧٨]؛ أي: بِعِلْمِهِ وتفسيره؛ لأن التَّأويل: إخبارٌ عَمَّا يَرْجِعُ إليه اللفظُ مِنَ المعنى.
وذكرنا معنى التَّأوِيل [بأبلغ] (١) مِنْ هذا، في سورة النساء، عند قوله: وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: ٥٩] (٢).
قال ابن عباس في رواية عطاء (٣): وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ أي: طَلَبِ مُدَّةِ أُكْلِ مُحَمَّد - ﷺ -.
وفي قول الزجاج (٤): المراد به: الكفار (٥)؛ طلبوا متى يُبْعثون؟ وكيف يكون إحياؤُهم بعد الموت؟ وفي قول الباقِين: معناه: طَلَبُ تفسير المُتَشابِهِ، وعِلْمِهِ. قال الله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ يريد: ما يَعلَمُ انقضاءَ مُلْكِ أُمَّة (٦) محمد - ﷺ - إلّا الله؛ لأن انقضاءَ مُلك هذه الأُمَّةِ مع قيام الساعَةِ، ولا (٧) يَعْلَم ذلك مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌ مُرْسَلٌ. وهذا قولُ عطاء (٨). وعلى هذا؛ يَحْسُنُ الوقفُ على قوله: إِلَّا اللَّهُ، وكذلك على قول الزجاج؛ لأن وقت البعثِ لا يَعلَمُهُ إلا الله. ثم ابتدأ، فقال: {وَالرَّاسِخُونَ

(١) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).
(٢) وقد تكلم ابنُ القيم عن معاني (التأويل) بإسهاب، وبَيَّن الصحيح منه والباطل. انظر: "الصواعق المرسلة": ١٧٥ وما بعدها.
(٣) لم أقف على مصدر هذه الرواية. وقد ورد هذا القول في: "تنوير المقباس": ٤٣.
(٤) في "معاني القرآن" له: ١/ ٣٧٨.
(٥) في (ب): (المراد به الزج الكفار).
(٦) (أمة): ساقطة من: (ج).
(٧) في (ج): (لا) بدون واو.
(٨) لم أقف على مصدر قوله.

صفحة رقم 54

فِي الْعِلْمِ} أي: الثابتون فيه. والرُّسُوخُ في اللغة (١): الثُّبُوتُ في الشيء (٢). وعند أكثر المفَسِّرين (٣): المرادُ بـ (الراسخين علمًا): مُؤْمِني أهل الكتاب؛ دليله: قوله: لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ [النساء: ١٦٢]. قال ابن عباس (٤)، ومجاهد (٥)، والسُّدِّي (٦): بقولهم: آمَنَّا بِهِ، سَمَّاهُم اللهُ (راسخينَ في العِلْم). فَرُسُوخُهم (٧) في العِلْمِ؛ قولُهم: آمَنَّا بِهِ أي: بالمُتَشَابِهِ.
كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا المُحْكَم والمُتشابه؛ الناسخُ والمنسوخ؛ وما عَلِمْناه وما لَمْ نعْلَمْه.
وقال الزجاج (٨): أي: يقولون: صَدَّقنا بأن الله عز وجل يبعثنا، ويؤمنون

(١) في (ج): (في العلم).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج: ١/ ٣٧٨، "الصحاح" ٤٢١ (رسخ)، "تفسير القرطبي" ٤/ ١٩.
(٣) قول المؤلف أعلاه: (عند أكثر المفسرين)، غير مُسَلَّم؛ لأنني لم أجد من قال بهذا القول إلا مقاتل بن حيان، كما في "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٦٠٠. ولو كان قال به أكثر المفسرين، لتناقلته كتب التفسير والحديث، مما أُلِّف قبل المؤلف وبعده. وقد أورد هذا القولَ الثعلبيُّ وهو شيخ المصنف في "تفسيره" ١/ ٢٨٠ بصيغة (قيل) ولم يذكر قائله. وأورده أبو حيان في "البحر المحيط" ٢/ ٣٨٥ بصيغة (قيل) ولم يذكر القائل، ولكنه استبعده بقوله: (وهذا فيه بعد).
(٤) قوله في "تفسير الطبري" ٦/ ٢٠٨. "تفسير الثعلبي" ٣/ ١٠ أ، "تفسير البغوي" ١/ ٢٨٠. ومن قوله: (قال ابن عباس..) إلى (.. وما لم نعلمه): نقله بنصه عن "تفسير الثعلبي" ٣/ ١٠ أ.
(٥) قوله في المصادر السابقة. وهو من روايته عن ابن عباس.
(٦) قوله في المصادر السابقة.
(٧) في (د): فرسخهم.
(٨) في "معاني القرآن" له: ١/ ٣٧٨. نقله عنه بالنص.

صفحة رقم 55

بأنَّ البَعْثَ حَقٌّ، كما أنَّ الإنشاءَ حَقٌّ.
وقوله تعالى: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ. قال عطاء (١): هذا ثَنَاءٌ مِن الله تعالى على الذين قالوا: آمَنَّا بِهِ، معناه: ما يَتَّعِظُ [بما] (٢) في القُرْآن، إلّا ذَوُو العُقُول.
وقال الزَّجَّاج (٣): هذا دليلٌ على أن الأمرَ الذي اشْتَبَهَ عليه من البَعْثِ، لمْ يَتَدَبَّرُوه، ومعناه: ما يَتَدَّبر القرآنَ، وما أتَى به الرسولُ - ﷺ -، إلّا أوْلُوا الألباب. والأظهر في تفسير هذه الآية: قولُ عطاء: إنَّ هذا في اليهود، حين طلبوا تفسيرَ الحروف المُقَطَّعَة، والقولُ الذي حكاه الزجَّاج: إن هذه في منكري البعث.
ويقال: هل يجوز أن يكون في القرآن شيءٌ، لا يعلمه إلا الله؟ فيقال: اختلف الصحابة والناسُ في هذا:
فذهب الأكثرون: إلى أنَّ تَمَامَ الوَقْفِ على قوله: إِلَّا اللَّهُ، وأن جميع المتشابه لا يعلمه إلا الله؛ مثل: وقت قيام الساعة، وطلوع الشمس من المغرب، ونزول عيسى، وخروج الدجَّال.
وقال قومٌ: في القرآن أشياء لا يَعْرِف حقيقَتَها إلا الله؛ كالحروف المُقَطَّعة، وقوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [المائدة: ٦٤]، وقوله: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥]، وقوله: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ، وأشباه هذا. والله تعالى مُخْتَصٌّ (٤) مُستأثِرٌ بِعِلْم هذه، والإيمانُ بها حَقٌّ، وحقائقُ عُلُومِها

(١) لم أقف على مصدر قوله.
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).
(٣) في "معاني القرآن" له: ١/ ٣٧٩. نقله عنه بتصرف يسير.
(٤) في (أ)، (ب): (يختص). والمثبت من: (ج)، (د)؛ لمناسبته لسياق العبارة.

صفحة رقم 56

مُفَوَّضَةٌ إلى الله تعالى.
وهذا مذهب: عائشة، وابن مسعود، وابن عباس، وأُبَي، وكثير من التابعين، واختيار (١) الفَرّاء، والكسائي (٢)، والمُفَضَّل (٣)، وابن الأنباري، وأَبي عُبَيد (٤)، وأحمد بن يحيى (٥).
ودليل هذا القول: قراءة عبد الله (٦): (إنْ تَأويلُهُ إلّا عِنْدَ الله. والرّاسخون في العِلْم يقولون آمَنّا به) (٧).

(١) في (أ): (واختار). والمثبت من: (ب)، (ج)، (د). وهو الصواب.
(٢) تقدمت ترجمته.
(٣) هو: المُفَضَّل بن محمد بن يعلى الضَبِّي، الكوفي. تقدم ٢/ ١١٩.
(٤) في "الأضداد" لابن الأنباري: أبو عبيدة. وورد في أكثر المصادر: أبو عبيد. وهو: أبو عُبَيد، القاسم بن سَلّام الهَرَوي الأزدي الخزاعي.
(٥) هو: أبو العباس، أحمد بن يحيى (ثعلب). وقد بَيَّن النحاسُ أن نَيِّفًا وعشرين رجلًا من الصحابة والتابعين والقراء وأهل اللغة، ذهبوا إلى الوقف التام على لفظ الجلالة (الله)، وأن ما بعده منقطع منه، ثم ذكر إضافة إلى من ذكرهم المؤلف: الحسن، وأبانهيك، والضحاك، ومالك بن أنس، وسهل بن محمد، وعمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، والطبري، والزجاج، وابن كيسان، وأحمد بن جعفر بن الزبير، والسدي.
انظر: "القطع والائتناف" للنحاس: ٢١٢، "تفسير الطبري" ٣/ ١٨٢ - ١٨٤، "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٥٩٩ - ٦٠١، "معاني القرآن" للنحاس: ١/ ٣٥١، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٨ ب، "المحرر الوجيز" ٣/ ٢٤، "تفسير القرطبي" ٤/ ١٦، "البحر المحيط" ٢/ ٣٨٤، "الدر المنثور" ٢/ ١٠، ١١، "معترك الأقران" للسيوطي: ١/ ١٣٨، "فتح القدير" للشوكاني: ١/ ٤٧٦، "فتح البيان" لصديق حسن خان: ٢/ ١٥ - ١٦.
(٦) يعني: عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(٧) انظر هذه القراءة في "معاني القرآن" للفراء: ١/ ١٩١، "كتاب المصاحف" لأبي بكر بن أبي داود: ٥٩، "تفسير الطبري" ٣/ ١٨٤، "الأضداد" لابن الأنباري:=

صفحة رقم 57

وفي (١) حرف أُبَيٍّ، وابن عباس: (ويقول (٢) الراسخون في العلم آمَنّا به) (٣). وهذا هو الأشبه بظاهر الآية؛ لأنه لو كان الرَّاسِخُونَ عَطْفًا، لَقَال: ويقولون آمنّا به.
وفي قوله أيضًا: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا، دليلٌ على أنهم لَمْ يَعْرِفوا البعضَ فآمَنُوا بظاهره، وقالوا: إنه من عند الله.
وقد رُوي عن ابن عباس، أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسيرٌ (٤) لا يَسَعُ أحدًا جَهْلُه، وتفسيرٌ تَعرِفُهُ العربُ بألسنتها، وتفسيرٌ يَعْلَمُهُ العلماءُ، وتفسيرٌ لا يعلمه إلا الله (٥).

= ٤٢٦، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٩ أ، "تفسير البغوي" ٢/ ١٠، "البحر المحيط" ٢/ ٣٨٤، "الدر المنثور" ٢/ ١٠، والإتقان، للسيوطي: ٢/ ١٥. وقد وردت القراءة في: كتاب المصاحف، لابن أبي داود، كالتالي: (وإنْ حقيقةُ تأويلِهِ إلا عند الله..).
(١) من قوله: (وفي..) إلى (.. آمنا به): ساقط من: (ج).
(٢) في (ب): (ويقولون).
(٣) انظر هذه القراءة، في "معاني القرآن" للفراء: ١/ ١٩١، "الأضداد" لابن الأنباري: ٤٢٦، "القطع والائتناف" للنحاس: ٢١٢، "المستدرك" للحاكم: ٢/ ٢٨٩ كتاب: التفسير، سورة آل عمران. وقال: (صحيح) ووافقه الذهبي، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٩ أ، "الدر المنثور" ٢/ ١٠ وزاد نسبة إخراج الأثر لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر. قال النحاس عن هذه القراءة: (وهي قراءة على التفسير).
(٤) (تفسير): ساقطة من: (ج).
(٥) الأثر، في "تفسير الطبري" ١/ ٣٤، أخرجه موقوفًا على ابن عباس، من رواية محمد بن بشار، قال: (حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفيان [بن عيينة]، عن أبي الزناد..) والسند صحيح، ما عدا مؤمل بن إسماعيل، فقد اختلف فيه. انظر: "ميزان الاعتدال" للذهبي: ٥/ ٣٥٣، ٣٥٤. وأورده النحاس في "القطع والائتناف" ٢١٣، كما أخرجه الطبري مرفوعًا بلفظ آخر عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ -، قال: "أنزل الله القرآن على أربعة أحرف حلال وحرام، لا يُعذَر أحدٌ بالجهالة به،=

صفحة رقم 58

وعلى هذا المذهب؛ إنما (١) أنزل الله -تعالى- ما (٢) لا (٣) يعلمه إلّا هو؛ اختبارًا (٤) للعباد، لِيُؤمِنَ به المُؤْمِنُ فَيَسْعَد، ويكفر به الكافرُ فَيَشْقَى؛ لأن سبيلَ المُؤْمِنِ إذا قرأ من هذا شيئًا، أنْ يُصَدِّق رَبه عز وجل، ولا يعترض فيه بسؤال وإنكار؛ فَيَعْظُمَ -بذلك- ثوابُهُ على الله عز وجل.
فإن (٥) قيل: وأي (٦) تخصيصٍ لِلرَّاسخين إذا (٧) لم يَعرِفوا، فإنَّ غيرَهم أيضًا يقولون: آمَنَّا بِهِ، فَلِمَ خَصَّ (٨) الراسخينَ (٩) بالذكر؟
قلنا: المراد بـ (الراسخين): كلُّ مَنْ يقول: آمَنَّا وليس المراد

= وتفسير تفسره العرب، وتفسير تفسره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى ذكره ومن ادَّعَى علمَهُ سوى الله، فهو كاذب". وقال الطبري: (في إسناده نظر)؛ وذلك أنه من رواية الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وهي أوهى الأسانيد عن ابن عباس. انظر: "تفسير الطبري" ١/ ٣٤.
وانظر: الحُكْمَ على الكلبي، وأبي صالح، في "تهذيب التهذيب" ٣/ ٥٦٩، "تقريب التهذيب" ص ٤٧٩ (٥٩٠١)، "ميزان الاعتدال" ٥/ ٢ (٧٥٧٤)، "الاتقان" للسيوطي: ٤/ ٢٣٨.
(١) في (د): (إن ما).
(٢) (ما) ساقطة من: (د).
(٣): ساقطة من: (ج).
(٤) في (د): (اختبار).
(٥) في (أ)، (ب): (بان). والمثبت من: (ج)، (ء).
(٦) في (أ)، (ب): (وإلى). والمثبت من: (ج)، (ء).
(٧) في (د): (فإذا).
(٨) في (أ): خُصَّ بالبناء للمجهول. وفي (ب)، (ج). ، (د) غير مضبوطة بالشكل. وما أثبتُّه يتناسب مع ما بعده، من نصب (الراسخين).
(٩) في (د): (الراسخون).

صفحة رقم 59

بهم الذين يدأبون في التَّعَلُّمِ (١) ويَجْتَهِدُون. وقد ذكرنا عن ابن عباس، أنه قال: سمَّاهم (راسخين)، بقولهم: آمَنَّا.
وقال مجاهد (٢)، والربيع (٣)، ومحمد بن جعفر بن الزبير (٤): المتشابه يعلمه الله، ويعلمه الراسخون. ولا يجوز أن يكون في القرآن شيءٌ، لا يعرفه (٥) أحدٌ مِنَ الأُمَّةِ. وهذا اختيار ابن قتيبة (٦)، وزَعَمَ أنَّ الراسخينَ في العِلْمِ عَلِمُوا تأويل القرآن مع الله تعالى؛ لأنه لم يُنْزِلْ كتابَهُ، إلا لِيَنْفَعَ به

(١) في (د): (التعليم).
(٢) قوله في "تفسيره" ١/ ١٢٢، "تأويل مشكل القرآن" ١٠٠، "تفسير الطبري" ٣/ ١٨٣، "الأضداد" لابن الأنباري: ٤٢٤، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٨ ب، "المحرر الوجيز" ٣/ ٢٤، "تفسير القرطبي" ٤/ ١٦. وقد رَدَّ ابن الأنباري رواية هذا القول عن مجاهد؛ زاعمًا بأن الراوي عن مجاهد هو ابن أبي نَجِيح، وهو لم يسمع التفسير عن مجاهد. ولكن أئمة الجرح والتعديل على توثيق ابن أبي نجيح، وتصحيح تفسيره عن مجاهد، بل عدَّه ابنُ تيمية مِنْ أصح التفاسير. انظر: "الأضداد" لابن الأنباري: ٤٢٧، "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم: ٥/ ٢٠٣، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: ١٧/ ٤٠٩، "سير أعلام النبلاء" للذهبي: ٦/ ١٢٥، ١٢٦، "تهذيب التهذيب" ٢/ ٤٤٤، "تقريب التهذيب" ص ٣٢٦ (٣٦٦٢).
(٣) قوله في "تفسير الطبري" ٣/ ١٨٣، "القطع والائتناف" للنحاس: ٢١٥، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٨ ب، "المحرر الوجيز" ٣/ ٢٥، "تفسير القرطبي" ٤/ ١٧.
(٤) قوله في المصادر السابقة.
(٥) في (د): (لا يعلمه).
(٦) في "تأويل مشكل القرآن" له: ٩٨. قال مرعي الكرمي: (ورجح هذا جماعات من المحققين؛ كابن فورك، والغزالي، والقاضي أبي بكر بن الطيب، وقال النووي: إنه الأصح، وابن الحاجب: إنه المختار..). "أقاويل الثقات" ٥٣. وانظر: "مشكل الحديث" لابن فورك: ٥٢٢ - ٥٢٥، وشرح صحيح مسلم، للنووي: ١٦/ ٢١٨، "معترك الأقران" للسيوطي: ١/ ١٣٨، "والإتقان" له: ٣/ ٣٥٣٧.

صفحة رقم 60

عِبَادَه، ويدل على المعنى الذي أراده. وتأوَّلَ قولَهُ: يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ، على أنه حالٌ صُرِفَت إلى المُضَارَعَةِ؛ أي (١): (والراسخون (٢) في العلم، قائلين (٣) آمَنَّا به).
قال: ومثله من (٤) الكلام: (لا يَأتِيك إلا عبدُ الله، وزَيْدٌ يقول: أنا مسرورٌ بزيارتك)، تريد (٥): (لا يأتيك إلا عبدُ الله، وزيدٌ قائلًا: أنا مسرورٌ بزيارتك). فـ (زيد) عطفٌ على (عبد الله) (٦).
واحتج لهذه الطريقة في كتابه (المُشْكل) بما يطول ذِكْرُه (٧).

(١) في (أ)، (ب): (إلى). والمثبت من: (ج)، (ء).
(٢) في (ج): (والراسخين).
(٣) في (د): (قايلون).
(٤) في (ج): (في).
(٥) من قوله: (تريد..) إلى (.. بزيارتك): ساقط من: (ج)، (ء).
(٦) أورد الشوكاني، والشنقيطي إشكالًا على من يمنع كون جملة يَقُولُونَ حالًا، وخلاصته: أن الحال قَيْدٌ لِعامِلِها. ووصف لصاحبها، فتقييد عِلْمِهم بتأويله، بحال كونهم قائلين: آمَنَّا بِهِ، لا وجه له؛ لأن مفهومه: أنهم في حال عدم قولهم آمَنَّا بِهِ، لا يعلمون تأويله، وهو باطل؛ حيث إنهم يعلمونه في كل حال. ويرى الشنقيطي أن جملة وَالرَّاسِخُونَ في حال كونها معطوفة، فإن يَقُولُونَ تكون معطوفة كذلك بحرف محذوف. واستدل على ذلك بأقوال المحققين من أهل العربية، واستشهد عليه بآيات من القرآن؛ كقوله تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ فإنها معطوفة على قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ بالواو. انظر: "فتح القدير" للشوكاني: ١/ ٤٨٢، "أضواء البيان" للشنقيطي: ١/ ١٣١.
(٧) انظر: "تأويل مشكل القرآن" ٨٦١٠١. إن الخلاف الواقع بين العلماء في تبني أحَدِ المذهبَيْنِ المذكورَيْن للسَّلَفِ؛ في الوقف أو العطف على لفظ الجلالة في هذه الآية، مرجعه وسببه: الاشتراك في لفظ التأويل؛ حيث إنَّ له معانٍ عِدَّة. ولكنَّه إذا أطْلِقَ عند السَّلَفِ، إنَّما يُرادُ به أمران: =

صفحة رقم 61

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية