ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩ

ثم قال تعالى : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات . قال الأستاذ : وهذا رد لاستدلالهم ببعض آيات القرآن على تمييز عيسى على غيره من البشر، إذ ورد فيه أنه روح الله وكلمته. فهو يقول إن هذه الآيات من المتشابهات التي اشتبه عليكم معناها حتى حاولتم جعلها ناقضة للآيات المحكمة في توحيد الله وتنزيهه.
بحث المحكم والمتشابه
أقول : المحكمات من أحكم الشيء بمعنى : وثقه أتقنه. والمعنى العام لهذه المادة المنع. فإن كل محكم يمنع بأحكامه تطرق الخلل إلى نفسه أو غيره. ومنه الحكم والحكمة وحكمة الفرس، قيل وهي أصل المادة. و " المتشابه " يطلق في اللغة على ما له أفراد أو أجزاء يشبه بعضها بعضا، وعلى ما يشتبه من الأمر، أي يلتبس قال في الأساس :« وتشابه الشيئان واشتبها، وشبهته به وشبهته إياه واشتبهت الأمور وتشابهت : التبست لإشباه بعضها بعضا. وفي القرآن المحكم والمتشابه، وشبه عليه الأمر لبس عليه، وإياك والمشبهات الأمور المشكلات ». وقد وصف القرآن بالإحكام على الإطلاق في أول سورة هود بقوله : كتاب أحكمت آياته [ هود : ١ ] وهو من إحكام النظم وإتقانه أو من الحكمة التي اشتملت آياته عليها. ووصف كله بالمتشابه في سورة الزمر : الله أنزل أحسن الحديث كتابا متشابها [ الزمر : ٢٢ ] أي يشبه بعضه بعضا في هدايته وبلاغته وسلامته من التناقض والتفاوت والاختلاف : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [ النساء : ٨١ ] أما قوله تعالى : وأتوا به متشابها [ البقرة : ٢٥ ] فمفهومه أن ما جيئوا به من الثمرات أخيرا يشبه ما رزقوه من قبل وأنهم اشتبهوا به لهذا التشابه.
وقالوا إن الأصل في ورود التشابه بمعنى المشكل الملتبس أن يكون الالتباس فيه بسبب شبه لغيره، ثم أطلق على كل ملتبس مجازا، وإن كان ظاهر الأساس أن المعنيين حقيقتان فيه. ولا شك أن القٍرآن يصح أن يوصف كله بالمحكم وبالمتشابه من حيث هو متقن ويشبه بعضه بعضا فيما ذكر. والتقسيم في هذه الآية مبني على استعمال كل من المحكم والمتشابه في معنى خاص ولذلك اختلف فيه المفسرون على أقوال :
أحدها : أن المحكمات هي قوله تعالى : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا [ الأنعام : ١٥٢ ] إلى آخر الآية والآيتين اللتين بعدها. والمتشابهات هي التي تشابهت على اليهود وهي أسماء حروف الهجاء المذكورة في أوائل السور. وذلك أنهم أولوها على حساب الجمل فطلبوا أن يستخرجوا منها مدة بقاء هذه الأمة، فاختلط الأمر عليهم واشتبه. وهذا القول مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما. وزعم الفخر الرازي أن المراد به أن المحكم ما لا تختلف فيه الشرائع كالوصايا في تلك الآيات الثلاث والمتشابه ما يسمى بالمجمل أو هو ما تكون دلالة اللفظ بالنسبة إليه وإلى غيره على السوية إلا بدليل منفصل. وهذا رأي مستقل يجعل المعنى الخاص عاما وهو لا يفهم من هذه الرواية.
ثانيها : أن المحكم هو الناسخ والمتشابه هو المنسوخ. وهو مروي عن ابن عباس أيضا وعن ابن مسعود وغيرهما.
ثالثهما : أن المحكم ما كان دليله واضحا لائحا، كدلائل الوحدانية والقدرة والحكمة، والمتشابه ما يحتاج في معرفته إلى التدبر والتأمل. عزاه الرازي إلى الأصم وبحث فيه.
رابعها : أن المحكم كل ما أمكن تحصيل العلم به بدليل جلي أو خفي والمتشابه ما لا سبيل إلى العلم به، كوقت قيام الساعة ومقادير الجزاء على الأعمال.
وهذه الأربعة ذكرها الرازي وكأنه لم يطلع على غيرها. وفي تفسير ابن جرير وغيره أقوال أخرى مروية عن المفسرين منها ما يقرب من بعض ما ذكر فنوردها في سياق العدد.
خامسها : أن المحكمات ما أحكم الله فيها بيان حلاله وحرامه والمتشابه منها ما أشبه بعضه بعضا في المعاني وإن اختلفت ألفاظه. رواه ابن جرير عن مجاهد وعبارته عنده : محكمات ما فيه من الحلال والحرام وما سوى ذلك فهو متشابه يصرف بعضه بعضا وهو مثل قوله : وما يضل به إلا الفاسقين [ البقرة : ٢٦ ] ومثل قوله : كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون [ الأنعام : ١٢٥ ] ومثل قوله : والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم [ محمد : ١٧ ] وكأن مجاهدا يعني بالمتشابه ما فيه إبهام أو عموم أو إطلاق أو كل ما لم يكن حكما عمليا فهو عنده خاص بالإنشاء دون الخبر.
سادسها : أن المحكم من آي الكتاب ما لم يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا والمتشابه ما احتمل من التأويل أوجها. رواه ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير وعبارته عنده هكذا : آيات محكمات هن حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعت عليه وأخر متشابهة في الصدق لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام، لا يصرفن إلى الباطل ولا يحرفن عن الحق اه. وعبارة ابن جرير في حكايته عنه تجعل المحكم بمعنى النص عند الأصوليين والمتشابه ما يقابله.
سابعها : أن التقسيم خاص بالقصص. فالمحكم منها ما أحكم وفصل فيه خبر الأنبياء مع أممهم والمتشابه ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عن التكرير في السور، وأطال في التمثيل له.
ثامنها : أن المتشابه ما يحتاج إلى بيان وهو مروي عن الإمام أحمد. والمحكم ما يقابله.
تاسعها : أن المتشابه ما يؤمن به ولا يعمل به. ذكره ابن تيمية والظاهر أنه جميع الأخبار فالمحكم هو قسم الإنشاء.
عاشرها : أن المتشابه آيات الصفات :( أي صفات الله ) خاصة ومثلها أحاديثها ذكره ابن تيمية أيضا.
وقال الأستاذ الإمام في معنى المتشابهات : التشابه إنما يكون بين شيئين فأكثر، وهو لا يفيد عدم فهم المعنى مطلقا كما قال المفسر ( الجلال ). ووصف التشابه في هذه الآية هو للآيات باعتبار معانيها، أي إنك إذا تأملت في هذه الآيات تجد معاني متشابهة في فهمها من اللفظ لا يجد الذهن مرجحا لبعضها على بعض. وقالوا أيضا إن المتشابه ما كان إثبات المعنى فيه للفظ الدال عليه ونفيه عنه متساويان فقد تشابه فيه النفي والإثبات أو ما دل فيه اللفظ على شيء من العقل على خلافه فتشابهت الدلالة ولم يمكن الترجيح، كالاستواء على العرش وكون عيسى روح الله وكلمته، فهذا هو المتشابه الذي يقابله المحكم الذي لا ينفي العقل شيئا من ظاهر معناه. أما كون المحكمات هن أم الكتاب فمعناه أنهن أصله وعماده أو معظمه وهذا ظاهر لكنه لا ينطبق إلا على بعض الأقوال.
وقال الأستاذ الإمام : إن معنى ذلك أنها هي الأصل الذي دعى الناس إليه ويمكنهم أن يفهموها ويهتدوا بها وعنها يتفرع غيرها وإليها يرجع. فإن اشتبه علينا شيء نرده إليها. وليس المراد بالرد أن نؤوله بل أن نؤمن بأنه من عند الله، وأنه لا ينافي الأصل المحكم الذي هو أم الكتاب وأساس الدين الذي أمرنا أن نأخذ به على ظاهره الذي لا يحتمل غيره إلا احتمالا مرجوحا. مثال هذه المتشابهات قوله تعالى : الرحمن على العرش [ طه : ٥ ] وقوله : يد الله فوق أيديهم [ الفتح : ١٠ ] وقوله : وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه [ النساء : ١٧١ ]. وهذا رأي جمهور المفسرين وذهب جمهور عظيم منهم إلى أنه لا متشابه في القرآن إلا أخبار الغيب كصفة الآخرة وأحوالها من نعيم وعذاب.
فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله قال الأستاذ الإمام : معنى اتباعه ابتغاء الفتنة أنهم يتبعونه بالإنكار والتنفير استعانة بما في أنفس الناس من إنكار ما لم يصل إليه علمهم ولا يناله حسهم، كالإحياء بعد الموت وشؤون تلك الحياة الأخرى. وابتغاء الفتنة بالنسبة إلى الوجه الأول في معنى المتشابه : هو أن يتبع أهل الزيغ من المشركين والمجسمة مثل قوله تعالى : وروح منه [ النساء : ١٧١ ] فيأخذونه على ظاهره من غير نظر إلى الأصل المحكم ليفتنوا الناس بدعوتهم إلى أهوائهم ويختلبوهم بشبهتهم، فيقولون : إن الله روح والمسيح روح منه، فهو من جنسه وجنسه لا يتبعض فهو هو. فالتأويل هنا بمعنى الإرجاع، أي أنهم يرجعونه إلى أهوائهم وتقاليدهم لا إلى الأصل المحكم الذي بنى عليه الاعتقاد. وأما ابتغاء تأويله لهم فهو أنهم يطبقونه على أحوال الناس في الدنيا، فيحولون خبر الإحياء بعد الموت وأخبار الحساب والجنة والنار عن معانيها ويصرفونها إلى معان من أحوال الناس في الدنيا، ليخرجوا الناس من الدين بالمرة. والقرآن مملوء بالرد عليهم كقوله تعالى : قل يحييها الذي أنشأها أول مرة [ يس : ٧٩ ].
وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا قال بعض السلف : إن قوله والراسخون في العلم كلام مستأنف، وبعضهم انه معطوف على لفظ الجلالة. قال الأستاذ الإمام استدل الذين قالوا بالوقف عند لفظ الجلالة وبكون ما بعده استئنافا بأدلة ( منها ) ان الله تعالى ذم الذين يتبعون تأويله ( ومنها ) قوله : يقولون آمنا به كل من عند ربنا [ آل عمران : ٧ ] فإن ظاهر الآية التسليم المحض لله تعالى، ومن عرف الشيء وفهمه لا يعبر عنه بما يدل على التسليم المحض. وهذا رأي كثير من الصحابة رضي الله عنهم كأبي بن كعب وعائشة. وذهب ابن عباس وجمهور من الصحابة إلى القول الثاني وكان ابن عباس يقول " أنا من الراسخين في العالم أنا أعلم تأويله ". وقالوا في استدلال أولئك أن الله تعالى إنما ذم الذين يبتغون التأويل بذهابهم فيه إلى ما يخالف المحكمات يبتغون بذلك الفتنة والراسخون في العلم ليسوا كذلك، فإنهم أهل اليقين الثابت الذي لا زلزال فيه ولا اضطراب. فهؤلاء يفيض الله تعالى عليهم فهم المتشابه بما يتفق مع المحكم. وأما دلالة قولهم " آمنا به كل من عند ربنا " على التسليم المحض، فهو لا ينافي العلم، فإنهم إنما سلموا بالمتشابه في ظاهره أو بالنسبة إلى غيرهم لعلمهم باتفاقه مع المحكم فهم لرسوخهم في العلم ووقوفهم على حق اليقين لا يضطربون ولا يتزعزعون بل يؤمنون بهذا وبذاك على حد سواء، لأن كلا منهما من عند الله ربنا. ولا غرو فالجاهل في اضطراب دائم والراسخ في ثبات لازم. ومن اطلع على ينبوع الحقيقة لا تشتبه عليه المجاري، فهو يعرف الحق بذاته ويرجع كل قول إليه قائلا : آمنا به كل من عند ربنا.
هذا ما قاله الأستاذ الإمام في بيان التفسير المأثور في الآية ثم قال : بينا أن المتشابه ما استأثر الله بعلمه من أحوال الآخرة، أو ما خالف ظاهر لفظه المراد منه. وورود المتشابه بالمعنى الأول في القرآن ضروري، لأن من أركان الدين ومقاصد الوحي الإخبار بأحوال الآخرة فيجب الإيمان بما جاء به الرسول من ذلك على أنه من الغيب كما نؤمن بالملائكة والجن، ونقول إنه لا يعلم تأويل ذلك أي حقيقة ما تؤول إليه هذه الألفاظ إلا الله. والراسخون في العلم وغيرهم في هذا سواء. وإنما يعرف الراسخون ما يقع تحت حكم الحس والعقل فيقفون عند حدهم ولا يتطاولون إلى معرفة حقيقة ما يخبر به الرسل عن عالم الغيب، لأنهم يعلمون أنه لا مجال لحسهم ولا لعقلهم فيه، وإنما سبيله التسليم، فيقولون آمنا به كل من عند ربنا. فعلى هذا يكون الوقف على لفظ الجلالة لازما. وإنما خص الراسخين بما ذكر، لأنهم هم الذين يفرقون بين المرتبتين : ما يجول فيه علمهم وما لا يجول فيه. ومن المحال أن يخلو الكتاب من هذا النوع فيكون كله محكما بالمعنى الذي يقابل المتشابه. ومن ال

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير