ﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀ

الآية ٢٧ وقوله تعالى : وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده [ يخبر أن من ملك، وقدر على بدء الخلق ]( ١ ) وإعادته، لا يحتمل أن يخلقهم، وينشئهم لحاجة نفسه أو مصلحته لأنه غني بذاته، أو يمتحنهم لمنفعة نفسه، أو يأمرهم( ٢ ) لذلك. ولكن إنما يبدأ، ويعيد لحاجة أنفسهم، أو يخبر أن من قدر على بدء الشيء يملك إعادته.
[ وقوله تعالى ]( ٣ ) : وهو أهون عليه قال [ بعضهم ]( ٤ ) : وهو أهون عليه [ أي هو هين عليه ]( ٥ ) : ابتداؤه وإعادته كقوله : وذلك على الله يسير [ التغابن : ٧ ] وقوله : هو علي هين [ مريم : ٩ و٢١ ] وتجوز العبارة من فعل نحو ما يقال : الله أكبر، أي كبير، وأعظم بمعنى عظيم، ونحوه كثير. فعلى ذلك قوله : هو علي هين أي عليه هين ؛ إذ ليس شيء أصعب على الله من شيء، أو شيء أهون عليه من شيء، بل الأشياء كلها بمحل واحد داخل تحت قوله : كن [ البقرة : ١١٧و. . ].
وإنما يقال : أهون وأيسر لمن كان فعله بسبب، فيهون عليه إذا كثرت الأسباب، ويصعب عليه، إذا قلت، وضعفت.
فأما الله سبحانه وتعالى : فهو( ٦ ) الفاعل للأشياء، وصانعها، والقادر عليها بسبب وبلا سبب.
فلا جائز أن يقال [ في حقه ]( ٧ ) : شيء أهون عليه من شيء. وإنما يجوز ذلك [ في ]( ٨ ) من كان فعله لا يكون إلا بسبب.
وقال بعضهم : قوله : وهو أهون عليه في عقولكم وتقديركم، أي إعادة الشيء في عقولكم وتدبيركم أهون من بدئه، لأن الخلق لا يملكون تصوير ما لم يسبق له المثال والتصور ابتداء.
وقد يكون تصوير الأشياء وتمثيلها إذا سبق لهم مثال رأوه، وشاهدوه. فثبت أن إعادة الشيء في عقولكم وتدبيركم أهون من ابتدائه. فإذا عاينتم، وأقررتم أنه قادر على بدئه فهو [ على ]٩ إعادته أملك وأقدر، ولا قوة إلا بالله.
وقال بعضهم : قوله : وهو أهون عليه يعني على ذلك الشيء، إعادة ذلك الشيء أهون من بدئه، لأنه في الابتداء ينقله، ويحوله من حال النطفة إلى حال العلقة إلى حال المضغة، ثم من حال المضغة إلى حال التصوير والنسمة إلى ما ينتهي إليه حتى يصير خلقا وصورة. فيخبر أن إعادته ليست على التقدير والتحويل من حال إلى حال ولكن كما ذكر : وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب [ النحل : ٧٧ ] وقوله : وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر [ القمر : ٥٠ ] وقوله : صيحة واحدة [ يس : ٥٣ و. . ] [ وقوله ]( ١٠ ) : نفخة واحدة [ الحاقة : ١٣ ] [ وقوله ]( ١١ ) : دكة واحدة [ الحاقة : ١٤ ] وما ذكر. فالإعادة لذلك الشيء أهون على ذلك الشيء من الابتداء.
وقوله تعالى : وله المثل الأعلى في السماوات والأرض أي له الصفات العالية. ثم يخرج على وجوه :
أحدها : أن كل موصوف بالعلو والرفعة من دونه، فهو الموصوف به في الحقيقة على ما ذكرنا أن كل من حمد دونه، فذلك الحمد له في الحقيقة، راجع إليه ذلك كقوله وله الحمد الآية [ الروم : ١٨ و. . ]
والثاني : له الصفة العالية مما تخالف صفات الخلق وشبههم كقوله : ليس كمثله شيء [ الشورى : ١١ ] لا تشبه صفاته صفات المخلوقين، ولا اشتبهت صفات الخلق صفاته، وهو ما قاله بعض أهل التأويل : الذي لا مثل له، ولا شبه لا إله إلا هو [ البقرة : ١٦٣ و. . ] واحد لا شريك له [ الأنعام : ١٦٣ ].
والثالث : وله الصفات العالية مما لا يضاد [ بعضها ]( ١٢ ) بعضا : عالم، لا جهل فيه، قادر، لا عجز فيه، عزيز، لا ذل فيه. وأمثال ذلك مما لا يدخل في ذلك نقصان أو عيب بوجه من الوجوه، ليس كالخلق أنهم يوصفون بالعلم بجهة وبشيء وبالجهل بجهة أخرى وبالقدرة بجهة أخرى وبشيء آخر وبالعجز بجهة أخرى وبشيء آخر وبالعز بجهة أخرى وبشيء آخر وبالذل بجهة أخرى وبشيء آخر.
فالله سبحانه وتعالى موصوف بصفات، لا يضاد بعضها بعضا، ولا يدخل في ذلك نقصان بجهة من الجهات وفي حال من الأحوال لأنه بذاته موصوف بذلك لا بغيره ولا بسبب.
وأما غيره فإنما يوصفون بذلك بأسباب وبأعيان( ١٣ )، تكون لهم. لذلك كان ما ذكر، ولا قوة إلا بالله.
وقوله تعالى : وهو العزيز الحكيم الذي لا يلحقه/٤١٢-أ/ الذل والضرر بمخالفة خلقه إياه وعصيانهم له، ليس كملوك الأرض إذا خالفهم( ١٤ ) أتباعهم وحواشيهم ورعيتهم، يذلون، ويلحقهم الضرر بإعراضهم عنهم، لأن عزهم كان بهم. فبإعراضهم عنهم ومخالفتهم إياهم يذلون.
فأما الله سبحانه [ فهو ]( ١٥ ) عزيز بذاته، لا يلحقه الضرر والذل بمخالفة الخلق إياه.
[ ويحتمل ]( ١٦ ) أن يكون قوله : العزيز المنتقم ممن يخالف أمره، ويعصيه، أو يشرك غيره في ألوهيته وعبادته( ١٧ ) و الحكيم هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير.
يخبر، والله أعلم، أني، وإن خلقتهم وأنشأتهم على علم مني أنهم يخالفونني، ويعصونني، وأعنتهم بكل أنواع المعونة على علم مني بذلك منهم، فإن فعله ليس بخارج عن الحكمة كما يكون في الشاهد أن من أعان عدوه بأنواع المعونة، وهو يعلم أن معونته إياه تزيد له قوة في معاداته ومخالفته فهو( ١٨ ) موصوف [ بالسفه، غير موصوف ]( ١٩ ) بالحكمة لأنه يسعى( ٢٠ ) في إهلاك نفسه، ويعينه على ذلك بمعونته إياه. ومن سعى في إهلاك نفسه فهو غير حكيم.
فأما الله سبحانه حين( ٢١ ) خلقهم، وأنشأهم [ فقد ]( ٢٢ ) أعانهم بكل أنواع المعونة على علم منه بما يكون من الخلاف له والعصيان والعداوة، ولا قوة إلا بالله.

١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: يأمره..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ الفاء ساقطة من الأصل..
٧ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٨ ساقطة من الأصل وم..
٩ من م، ساقطة من الأصل..
١٠ في الأصل وم: و..
١١ في الأصل وم: و..
١٢ ساقطة من الأصل وم..
١٣ من م، في الأصل: وباعتبار..
١٤ في الأصل وم: خالفوا..
١٥ ساقطة من الأصل وم..
١٦ في الأصل وم: أو..
١٧ في الأصل وم: وربوبيته..
١٨ الفاء ساقطة من الأصل وم..
١٩ من م، ساقطة من الأصل..
٢٠ في الأصل وم: يسبق..
٢١ في الأصل وم: حيث..
٢٢ ساقطة من الأصل وم..

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية