قوله : مِنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ ووفوا به.
قوله :«صدقوا » صدق يتعدى لاثنين لثانيهما بحرف الجر١، ويجوز حذفه٢ ومنه المثل :«صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرة »٣ أي في سن. والآية يجوز أن تكون من هذا، والأول محذوف أي صدقوا الله فيما عاهدوا الله عليه، ويجوز أن يتعدى لواحد كقولك «صَدَقَنِي زَيْدٌ، وكَذَبَنِي عَمْرٌو » أي قال لي الصدق وقال الكذب، ويكون المعاهد عليه مصدوقاً مجازاً كأنهم قالوا للشيء المعاهد عليه لنوفين بك وقد فعلوا٤ و «ما » بمعنى الذي، ولذلك عاد عليها الضمير في «عليه »٥، وقال مكي «ما » في موضع نصب «بصدقوا » وهي والفعل مصدر تقديره «صَدَقُوا » العهد أي وفوا به٦. وهذا يرده عود الضمير إلا أن الأخفش وابن السراج٧ يذهبان إلى اسمية «ما » المصدرية.
( قوله٨ ) :«قَضَى نَحْبَهُ » النحب ما التزمه الإنسان واعتقد الوفاء به قال :
| ٤٠٧٩ - عَشِيَّةَ فَرَّ الحَارِثيُّونَ بَعْدَمَا | قَضَى نَحْبَهُ فِي مُلْتَقَى القَوْمِ هَوْبَرُ٩ |
| ٤٠٨٠ - بِطَخْفَةَ جَالَدْنَا المُلُوكَ وَخَيْلُنَا | عَشِيَّةَ بَسْطَامٍ جَرَيْنَ عَلَى نَحْبِ١٠ |
فصل :
قال المفسرون معنى صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ أي وفوا بعهدهم الذي عاهدوا الله «فَمِنْهُمْ من قضى نَحْبَهُ » أي فرغ من نذره ووفاه بعهده فصبر على الجهاد وقاتل حتى قتل والنحيب١٢ النذر قال القُرطبي : مَنْ قَضَى نحبه١٣ أجله فقتل على الوفاء يعني حمزة وأصحابه، وقيل : قضى نحبه أي١٤ بذل جهده في سبيل الوفاء بالعهد من قول العرب «نحب فلان في سيره يومه وليلته أجمع » إذ مد فلم ينزل وَمِنْهُمْ مَن يَنتَظِرُ الشهادة يعني من بقي من المؤمنين ينتظرون أحد أمرين إما الشهادة أو النصر وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً بخلاف المنافقين فإنهم قالوا : لا نولي الأدبار وبدلوا قولهم وولوا أدبارهم.
٢ ذكره الميداني في مجمع الأمثال وهو يضرب للصادق في قوله. وله قصة انظر: المجمع للميداني ٢/٢١٢، واللسان: " ص د ق" ٢٤١٧، وشاهده: تعدي " صدق" للمفعول الثاني المجيء بحرف جر والذي حذف جوازاً وهو "سن" حيث كان "في سن" فحذفت "في "جوازاً..
٣ قاله أبو حيان في البحر ٧/٢٢٣، والسمين في الدر ٤/٣٧٨..
٤ المرجعان السابقان..
٥ انظر: مشكل الإعراب لمكي ٢/١٩٥ ثم البيان ٢/١٦٧..
٦ هو أبو بكر محمد بن السري المعروف بابن السراج كان أحد العلماء المذكورين وأئمة النحو المشهورين أخذ عن أبي العباس المبرد وأخذ عنه الزجاجي والسيرافي وغيرهما مات سنة ٣١٠ هـ انظر: نزهة الألباء ١٦٦..
٧ زيادة من "ب"..
٨ قاله القرطبي في ١٤/١٥٨ و ١٦٠ وغريب القرآن ٣٤٩ وتأويل مشكل القرآن – وكلاهما لابن قتيبة ١٨٣..
٩ هو من بحر الطويل وهو لذي الرمة، ويروى: "في ملتقى الخيل" بدل "القوم" وهو يفتخر بشجاعة قومه وإقدامهم. و"هوبر" اسم رجل والشاهد في "نحبه" فهو هنا بمعنى الوفاء والأجل والعهد الذي التزم الإنسان به على نفسه وهو الشاهد المراد وهناك شاهد آخر لا صلة لنا به الآن وهو حذف المضاف دون ما دليل يدل عليه وهو من ضرورات الشعر التي لا يقاس عليها والأصل: ابن هوبر فحذف "ابن" وهذا قد يؤدي إلى اللبس انظر: ابن يعيش ٣/٢٤ والقرطبي ١٤/١٦٠ برواية "الخيل" وفتح القدير ٤/٢٧١ والهمع ٢/٥١ والطبري ٢١ ص ٩٢، والدر المصون ٤/٣٧٨..
١٠ البيت من الطويل وهو لجرير وطَخْفَة مكان وبسطام: يوم لهم وشاهده "نحب" فإن المعنى الخطر العظيم وانظر: ديوانه ٨٢ واللسان: " ن ح ب" ٤٣٦٢ والبحر ٧/٢٠٨، وفتح القدير ٤/٢٧١ ومجمع البيان ٧/٥٤٨ والدر المصون ٤/٣٧٨..
١١ قاله الفراء في معانيه ٢/٣٤٠ والزمخشري في الكشاف ٣/٢٥٦..
١٢ في القرطبي ١٤/١٥٨..
١٣ المرجع السابق..
١٤ السابق..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود