- قَوْله تَعَالَى: من الْمُؤمنِينَ رجال صدقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ فَمنهمْ من قضى نحبه وَمِنْهُم من ينْتَظر وَمَا بدلُوا تبديلا ليجزي الله الصَّادِقين بصدقهم ويعذب الْمُنَافِقين إِن شَاءَ أَو يَتُوب عَلَيْهِم إِن الله كَانَ غَفُورًا رحِيما
صفحة رقم 585
أخرج عبد الرَّزَّاق وَأحمد وَالْبُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن أبي دَاوُد فِي الْمَصَاحِف وَالْبَغوِيّ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن زيد بن ثَابت رَضِي الله عَنهُ قَالَ لما نسخنا الْمُصحف فِي الْمَصَاحِف فقدت آيَة من سُورَة الْأَحْزَاب كنت أسمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقْرَأها لم أَجدهَا مَعَ أحد إِلَّا مَعَ خُزَيْمَة بن ثَابت الْأنْصَارِيّ الَّذِي جعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَهَادَته بِشَهَادَة رجلَيْنِ من الْمُؤمنِينَ رجال صدقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ فَأَلْحَقْتهَا فِي سورتها فِي الْمُصحف وَأخرج البُخَارِيّ وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه وَأَبُو نعيم فِي الْمعرفَة عَن أنس رَضِي الله عَنهُ قَالَ نرى هَذِه الْآيَة نزلت فِي أنس بن النَّضر رَضِي الله عَنهُ من الْمُؤمنِينَ رجال صدقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ وَأخرج ابْن سعد وَأحمد وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالْبَغوِيّ فِي مُعْجَمه وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه وَأَبُو نعيم فِي الْحِلْية والبيقي فِي الدَّلَائِل عَن أنس رَضِي الله عَنهُ قَالَ غَابَ عمي أنس بن النَّضر عَن بدر فشق عَلَيْهِ وَقَالَ أول مشْهد شهده رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غبت عَنهُ لَئِن أَرَانِي الله مشهدا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا بعد ليرين الله مَا أصنع فَشهد يَوْم أحد فَاسْتَقْبلهُ سعد بن معَاذ رَضِي الله عَنهُ فَقَالَ يَا أَبَا عَمْرو إِلَى لَا أَيْن قَالَ واهاً لريح الْجنَّة أَجدهَا دون أحد فقاتل حَتَّى قتل فَوجدَ فِي جسده بضع وَثَمَانُونَ من بَين ضَرْبَة بِسيف وطعنة بِرُمْح ورمية بِسَهْم وَنزلت هَذِه الْآيَة رجال صدقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ وَكَانُوا يرَوْنَ أَنَّهَا نزلت فِيهِ وَفِي أَصْحَابه وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَالنَّسَائِيّ وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه وَأَبُو نعيم فِي الْمعرفَة عَن أنس رَضِي الله عَنهُ أَن عَمه غَابَ عَن قتال بدر فَقَالَ غبت عَن أول قتال قَاتله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمُشْركين لَئِن أشهدني الله تَعَالَى قتالاً للْمُشْرِكين ليرين الله كَيفَ أصنع فَلَمَّا كَانَ يَوْم أحد انْكَشَفَ الْمُشْركُونَ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي ابرأ إِلَيْك مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ يَعْنِي الْمُشْركُونَ وَاعْتذر إِلَيْك مِمَّا صنع هَؤُلَاءِ عَنى أَصْحَابه ثمَّ تقدم فَلَقِيَهُ سعد رَضِي الله عَنهُ فَقَالَ يَا أخي مَا فعلق فَأَنا مَعَك فَلم أستطع أَن أصنع مَا صنع فَوجدَ فِيهِ بضعاً وَثَمَانِينَ من ضَرْبَة بِسيف وطعنة بِرُمْح ورمية
صفحة رقم 586
بِسَهْم فَكُنَّا نقُول فِيهِ وَفِي أَصْحَابه نزلت فَمنهمْ من قضى نحبه وَمِنْهُم من ينْتَظر وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَتعقبه الذَّهَبِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين انْصَرف من أحد مر على مُصعب بن عُمَيْر رَضِي الله عَنهُ وَهُوَ مقتول فَوقف عَلَيْهِ ودعا لَهُ ثمَّ قَرَأَ من الْمُؤمنِينَ رجال صدقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ أشهد أَن هَؤُلَاءِ شُهَدَاء عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة فائتوهم وزوروهم فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يسلم عَلَيْهِم أحد إِلَى يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا ردوا عَلَيْهِ وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن أبي ذَر رَضِي الله عَنهُ قَالَ لما فرغ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم أحد مر على مُصعب بن عُمَيْر رَضِي الله عَنهُ مقتولاً على طَرِيقه فَقَرَأَ من الْمُؤمنِينَ رجال صدقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق خباب رَضِي الله عَنهُ مثله وَأخرج ابْن أبي عَاصِم وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَأَبُو يعلى وَابْن جرير وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن طَلْحَة رَضِي الله عَنهُ أَن أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالُوا لَا عرابي جَاهِل سَله عَمَّن قضى نحبه من هُوَ وَكَانُوا لَا يجترؤن على مَسْأَلته يوقرونه ويهابونه فَسَأَلَهُ الْأَعرَابِي فَأَعْرض عَنهُ ثمَّ سَأَلَهُ فَأَعْرض عَنهُ ثمَّ إِنِّي انْطَلَقت من بَاب الْمَسْجِد فَقَالَ أَيْن السَّائِل عَمَّن قضى نحبه قَالَ الْأَعرَابِي أَنا قَالَ هَذَا مِمَّن قضى نحبه وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن طَلْحَة بن عبيد الله رَضِي الله عَنهُ قَالَ لما رَجَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من أَحْمد صعد الْمِنْبَر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَرَأَ هَذِه الْآيَة من الْمُؤمنِينَ رجال صدقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ كلهَا فَقَامَ إِلَيْهِ رجل فَقَالَ يَا رَسُول الله من هَؤُلَاءِ فَأَقْبَلت فَقَالَ أيا السَّائِل هَذَا مِنْهُم وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول طَلْحَة مِمَّن قضى نحبه وَأخرج الْحَاكِم عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت دخل طَلْحَة رَضِي الله عَنهُ على
صفحة رقم 587
النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: يَا طَلْحَة أَنْت مِمَّن قضى نحبه
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَأَبُو يعلى وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو نعيم وَابْن مرْدَوَيْه عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: من سره أَن ينظر إِلَى رجل يمشي على الأَرْض قد قضى نحبه فَلْينْظر إِلَى طَلْحَة
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه من حَدِيث جَابر بن عبد الله عَنهُ
مثله
وَأخرج ابْن مَنْدَه وَابْن عَسَاكِر عَن أَسمَاء بنت أبي بكر رَضِي الله عَنْهَا قَالَت دخل طَلْحَة بن عبيد الله على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: يَا طَلْحَة
أَنْت مِمَّن قضى نحبه
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ وَابْن عَسَاكِر عَن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ أَنهم قَالُوا: حَدثنَا عَن طَلْحَة قَالَ: ذَاك امروء نزل فِيهِ آيَة من كتاب الله فَمنهمْ من قضى نحبه وَمِنْهُم من ينْتَظر طَلْحَة مِمَّن قضى نحبه لَا حِسَاب عَلَيْهِ فِيمَا يسْتَقْبل
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن الْأَنْبَارِي فِي الْمَصَاحِف عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يقْرَأ فَمنهمْ من قضى نحبه وَمِنْهُم من ينْتَظر وَآخَرُونَ وَمَا بدلُوا تبديلاً
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فَمنهمْ من قضى نحبه قَالَ: الْمَوْت على مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ وَمِنْهُم من ينْتَظر على ذَلِك
وَأخرج الطستي فِي مسَائِله عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أَن نَافِع بن الْأَزْرَق سَأَلَهُ عَن قَوْله قضى نحبه قَالَ: أَجله الَّذِي قدر لَهُ
قَالَ: وَهل تعرف الْعَرَب ذَلِك قَالَ: نعم
أما سَمِعت قَول لبيد: أَلا تَسْأَلَانِ الْمَرْء مَاذَا يحاول أنحب فَيقْضى أم ضلال وباطل وَأخرج الْفرْيَابِيّ وَسَعِيد بن مَنْصُور وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد رَضِي الله عَنهُ فَمنهمْ من قضى نحبه قَالَ: عَهده وَمِنْهُم من ينْتَظر يَوْمًا فِيهِ جِهَاد فَيَقْضِي نحبه يَعْنِي عَهده بِقِتَال أَو صدق فِي لِقَاء
وَأخرج أَحْمد وَالْبُخَارِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن سُلَيْمَان بن صرد رَضِي الله عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم الْأَحْزَاب الْآن نغزوهم وَلَا يغزونا
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله عَنهُ قَالَ حبسنا يَوْم الخَنْدَق عَن الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء حَتَّى كَانَ بعد الْعشَاء بهك كفينا ذَلِك
فَأنْزل الله وَكفى الله الْمُؤمنِينَ الْقِتَال وَكَانَ الله قَوِيا عَزِيزًا فَأمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِلَالًا فَأَقَامَ ثمَّ صلى الظّهْر كَمَا كَانَ يُصليهَا قبل ذَلِك ثمَّ أَقَامَ فصلى الْعَصْر كَمَا كَانَ يُصليهَا قبل ذَلِك ثمَّ أَقَامَ الْمغرب فَصلاهَا كَمَا كَانَ يُصليهَا قبل ذَلِك ثمَّ أَقَامَ الْعشَاء فَصلاهَا كَمَا كَانَ يُصليهَا قبل ذَلِك
وَذَلِكَ قبل أَن تنزل صَلَاة الْخَوْف فَإِن خِفْتُمْ فرجالاً أَو ركباناً الْبَقَرَة الْآيَة ٢٣٩
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن عِيسَى بن طَلْحَة قَالَ: دخلت على أم الْمُؤمنِينَ وَعَائِشَة بنت طَلْحَة وَهِي تَقول لأمها أَسمَاء: أَنا خير مِنْك وَأبي خير من أَبِيك فَجعلت أَسمَاء تشتمها وَتقول: أَنْت خير مني فَقَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا: أَلا أقضين بَيْنكُمَا قَالَت: بلَى
قَالَت: فان أَبَا بكر رَضِي الله عَنهُ دخل على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لَهُ: أَنْت عَتيق من النَّار قَالَت: فَمن يَوْمئِذٍ سمى عتيقا ثمَّ دخل طَلْحَة رَضِي الله عَنهُ فَقَالَ: أَنْت يَا طَلْحَة مِمَّن قضى نحبه
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عبد الله بن اللهف عَن أَبِيه رَضِي الله عَنهُ فِي قَوْله فَمنهمْ من قضى نحبه قَالَ: نَذره وَقَالَ الشَّاعِر: قَضَت من يثرب نحبها فاستمرت وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا فِي قَوْله فَمنهمْ من قضى نحبه قَالَ: مَاتَ على مَا هُوَ عَلَيْهِ من التَّصْدِيق والإِيمان وَمِنْهُم من ينْتَظر ذَلِك وَمَا بدلُوا تبديلاً وَلم يُغيرُوا كَمَا غير المُنَافِقُونَ
وَأخرج ابْن جرير عَن قَتَادَة رَضِي الله عَنهُ من الْمُؤمنِينَ رجال صدقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ فَمنهمْ من قضى نحبه على الصدْق وَالْوَفَاء وَمِنْهُم من ينْتَظر من نَفسه الصدْق وَالْوَفَاء وَمَا بدلُوا تبديلاً يَقُول: مَا شكوا وَلَا ترددوا فِي دينهم وَلَا استبدلوا بِهِ غَيره ويعذب الْمُنَافِقين إِن شَاءَ أَو يَتُوب عَلَيْهِم قَالَ: يميتهم على نفاقهم فَيُوجب لَهُم الْعَذَاب أَو يَتُوب عَلَيْهِم قَالَ: يخرجهم من النِّفَاق بِالتَّوْبَةِ حَتَّى يموتوا وهم تائبون من النِّفَاق فَيغْفر لَهُم
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد ابن سابق الدين الخضيري السيوطي