ﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚ

قوله :«وَأَنْزَلَ الذينَ » أي أنزل الله الذين «ظَاهَرُوهُمْ » أي عاونوا الأحزاب من قريش وغطفان على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين وهم بنو قريظة(١).
قوله : مِنْ أَهْلِ الكتاب بيان للموصول فيتعلق بمحذوف(٢)، ( ويجوز أن يكون(٣) حالاً ) «من صَياصِيهِمْ » متعلق «بأنزل » و «من » لابتداء الغاية(٤)، والصياصي جمع صِيصِيَةٍ(٥) وهي الحصون والقلاع والمعاقل ويقال لكل ما يمتنع به ويتحصن «صِيصِيَةٌ » ومنه قيل لقَرْن الثَّوْرِ ولشوكة الديك : صِيصِيَة، والصّيَاصِي أيضاً شوك الحاكة، ويتخذ من حديد قال دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّةِ :

٤٠٨١ -. . . . . . . . . كَوَقْعِ الصَّيَاصِي في النَّسِيجِ المُمَدَّدِ(٦)
قوله : وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب حتى سلموا أنفسهم للقتل وأولادهم ونساءهم للسبي.
قوله :«فريقاً تقتلون » منصوب بما بعده وكذلك «فريقاً » منصوب بما قبله(٧)، والجملة مبينة ومقررة لقذف الرعب في قلوبهم والعامة على الخطاب في الفعلين، وابن ذكوان(٨) - في رواية - بالغيبة فيهما(٩)، واليماني بالغيبة في الأول فقط(١٠)، وأبو حيوة «تَأْسُرُونَ »(١١) بضم السين.
فإن قيل : ما فائدة التقديم تقديم المفعول في الأول حيث قال : تقتلون وتأخيره حيث قال «وتأسرون فريقاً ؟ !.
فالجواب : قال ابن الخطيب إن القائل يبدأ بالأهم فالأهم والأقرب فالأقرب والرجال كانوا مشهورين وكان القتل وارداً عليهم والأسراء كانوا هم النساء والذَّرَارِي(١٢) ولم يكونوا مشهورين(١٣) والسبي والأسر أظهر من القتل لأنه يبقى فيظهر لكل أحد أنه أسير فقدم من المحلَّين ما هو أشهر على الفعل القائم به ومن الفعلين ما هو أشهر قدمه على المحل الخفي ووجه آخر وهو أن قوله «فريقاً تقتلون » فعل ومفعول والأصل في الجمل الفعلية تقديم الفعل على المفعول والفاعل أما أنها جملة فعلية فلأنها لو كانت اسمية لكان الواجب في «فريق » الرفع، كأنه يقول فريق منهم تقتلونهم ( فلما نصب(١٤) كان ذلك بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره :«تقتلون فريقاً تقتلون » ) والحامل على مثل هذا الكلام شدة الاهتمام ببيان المفعول، وههنا كذلك لأنه تعالى لما ذكر حال الذين ظاهروهم وأنه قد قذف في قلوبهم الرعب فلو قال : تقتلون أوهم أن يسمع السامع مفعول «تقتلون » يكون زمان وقد يمنعه مانع فيفوته ولا يعلم أيهم هم المقتولون فأما إذا قال :«فريقاً » سبق في قلوبهم الرعب إلى سمعهم فيستمع إلى تمام الكلام، وإذا كان الأول فعلاً ومفعولاً قدم المفعول لفائدة عطف الجملة الثانية عليها على الأصل ( فعدم(١٥) ) تقديم الفعل لزوال موجب التقديم إذ عرف حالهم وما يجيء بعده يكون مصروفاً إليهم فلو قال بعد ذلك :«وفَريقاً تأسرون » فمن سمع «فريقاً » ربما يظن أنه يقال فيهم يطلقون أو لا يقدرون عليهم فكان تقديم الفعل ههنا أولى وكذا الكلام في قوله : وَأَنزَلَ الذين ( ظَاهَرُوهُم )(١٦) وقوله :«قذف »، فإن قذف الرعب قبل الإنزال لأن الرعب صار سبيل الإنزال ولكن لما كان الفرح في إنزالهم أكثر قدم الإنزال على قذف الرعب(١٧) والله أعلم.

فصل :


فريقاً تقتلون هم الرجال قيل : كانوا ستمائة، و «تأسرون فريقاً » وهم النساء والذراري، قيل : كانوا سبعمائة وخمسين، وقيل تسعمائة
١ قاله الإمام القرطبي في الجامع ١٤/١٦١..
٢ قاله في السمين ٤/٣٧٩..
٣ ما بين القوسين ساقط من "ب"..
٤ المرجع السابق..
٥ قاله في اللسان "صيا" ٢٥٣٩ وانظر المجاز ٢/١٣٦..
٦ هذا عجز بين من الطويل له وصدره:
وما راعني إلا الرماح تنوشه ........................
ويروى: فجئت إليه والرماح تنوشه، ويروى أيضاً: غداة دعاني والرماح ينشنه والبيت كناية عن شدة البأس والبلاء في الحرب لأن معناه أن رماح القوم اجتمعت عليه تتناوله بالطعن ليتأكد موته والشاهد: "الصياصي" حيث استعملت في تلك الآلة التي تتخذ من حديد وانظر: مجاز القرآن ٢/١٣٦ والدر المصون ٤/٣٨٠ والأصمعيات ١٠٩، والقرطبي ١٤/١٦١ برواية "فجئت إليه" وانظر: اللسان "ص ي أ" ٣٥٣٩ و "ن و ش" ٤٥٧٥ و "ص ي ص " والأغاني ٩/٤..

٧ قاله أبو البقاء ١٠٥٦ والسمين ٤/٣٨٠..
٨ هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن ذكوان أبو الزناد فقيه المدينة سمع أنساً، وأبا أمامة وعنه السفيانان والليث مات سنة ٩٣١ هـ، انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي ١/١٣٤ وانظر: البحر ٧/٢٢٥..
٩ في "تقتلون" و"تأسرون"..
١٠ الذي ذكره ابن خالويه في الشواذ ١١٩ أن اليماني يقرأ بالغيبة في الثاني وهو "تأسرون" وليس في الأول وهو "تقتلون" ولعل ما ذكره المؤلف- تبعاً للسمين- سهو أراد الثاني وقصد الأول سهواً فالله أعلم..
١١ المرجع السابق ١١٩ ومعاني الفراء ٢/٣٦ فقد قال "وتأسرون" لغة ولم يقرأ بها أحد فعلى ذلك تكون شاذة الرواية..
١٢ هم الولد قال في اللسان: "وذرية الرجل ولده والجمع الذراري والذريات" انظر: اللسان ١٤٩٤..
١٣ تفسير الفخر الرازي ٢٥/٢٠٤ و ٢٠٥..
١٤ ما بين القوسين ساقط من "ب" وهو في المرجع السابق..
١٥ زيادة يقتضيها المعنى وهي في الفخر الرازي..
١٦ ساقط من "ب"..
١٧ المرجع السابق..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية