ﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚ

وأنزل الذين ظاهروهم : عاونوا الأحزاب وجاؤوا بهم من أهلِ الكتاب ، يعني بني قريظة، أنزلهم من صَياصِيهم ؛ من حصونهم. والصيصة : ما يتحصّن به. قال الهروي : وكل ما يتحصّن به فهو صيصة، ويقال لقرون البقر والظبي : صَيَاصي ؛ لأنها تتحصن بها، وفي وصف أصحاب الدجال :" شواربهم كالصياصي "، لطولها، وفتلها، فصارت كالقرون. ه.
رُوي أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب، ورجع المسلمون إلى المدينة - على فَرَسه الحيزوم، والغُبار على وجه الفَرَس والسَّرْج، فقال : ما هذا يا جبريلُ ؟ فقال : من مُتَابعةِ قُريش. ثم قال : إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة، وأنا عائدٌ إليهم، فإن الله داقهُمْ دَقَّ البيض على الصَّفا، وهم لكم طُعْمةٌ.
وفي رواية : لَمَّا رجع - عليه الصلاة والسلام - ودخل مغتسله، جاءه جبريل بعمامة من استبرق، على بغلة، عليها قطيفة من ديباج، فقال : قد وضعتَ السِّلاح، والله ما وضعت الملائكةُ السلاحَ، وما رجعت إلا من طلب القوم، وإن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة. فأذّن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس : أنَّ من كان سَامِعاً مُطيعاً فلا يُصلَّين العَصْرَ إلا في بني قُريظة. فخرج إليهم، فحاصرهُم خمساً وعشرين ليلةٌ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تنزلُون على حُكْمي ؟ فأبَوْا، فقال : تنزلون على حكم سَعد بن مُعاذِ ؟ فرضوا به. فقال سعد : نحكم فيهمْ : أن تُقتل مقاتِلتَهُم، وتُسبى ذَرارِيهمْ ونساؤُهُم. فكبَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم وقال :" لقد حكم فيهم بحكم الله من فوق سبع أرقعة١ ".
ثم استنْزلهم، وخَنْدَق في سوق المدينة خندقاً، وقدَّمَهُم، فضرب أعناقَهُم. وهم من ثمانمائة إلى تسعمائة. وقيل : كانوا ستمائة مقاتل، وسبعمائة أسير، فقتل المقاتلة، وقسم الأسارى، وهم الذراري والنساء. وكان عليّ والزبير رضي الله عنهما يضربان أعناق بني قريظة. والنبي صلى الله عليه وسلم جالس هناك. والقصة مطولة في كتب السير.
وقذَفَ في قلوبهم الرعبَ الخوف. وفيه السكون والضم، فريقاً تقتلون وهم الرجال وتأسرون فريقاً وهم النساء والذراري. قالت عائشة رضي الله عنها : لم يقتل صلى الله عليه وسلم من نساء بني قريظة امرأة إلا واحدة، قتلها بخلاد بن سويد، كانت شدخت رأسه بِحجَر من فوق الحصن.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : هذه عادة الله مع خواصه، أن يُخوفهم ثم يُؤمنهم، ويذلهم ثم يعزهم، ويفقرهم ثم يغنيهم، ويجعل دائرة السوء على مَن ناوأهم، ويكفيهم أمرهم من غير محاربة ولا قتال، وكفى الله المؤمنين القتال... الآية. ثم يكون لهم التصرف في الوجود بأسره، أمرهم بأمر الله، وحكمهم بحكمه، والله غالب على أمره.



١ أخرجه البخاري في المغازي حديث ٤١١٧، بلفظ: "لقد حكمت فيهم بحكم الملك"..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير