قصة زينب بنت جحش :
زواجها لزيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، طلاقها منه، زواجها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لإبطال عادة جاهلية، وهي إعطاء المتبنى حكم الابن في حرمة زواج امرأته بعد طلاقها.
( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ٣٦وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا ٣٧ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا٣٨ الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا٣٩ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما( ( الأحزاب : ٣٦-٤٠ ).
المعنى الجملي : بعد أن أمر الله نبيه أن يخير زوجاته بين البقاء معه والتسريح سراحا جميلا وفهم من هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يريد ضررا لغيره، فمن كان ميله إلى شيء مكنه منه وترك حظ نفسه لحظ غيره- ذكر هنا أن زمام الاختيار ليس بيد الإنسان في كل شيء كما أعطى ذلك للزوجات، بل هناك أمور لا اختيار لمؤمن ولا مؤمنة فيها وهي ما حكم الله فيه، فما أمر به فهو المتبع، وما أراد النبي صلى الله عليه وسلم فهو الحق، ومن خالفهما فقد ضل ضلالا مبينا.
وقد نزلت هذه الآيات في زينب بنت جحش بنت عمة النبي صلى الله عليه وسلم أميمة بنت عبد المطلب وقد خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله بن جحش فنزل : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة الخ فلما نزلت قالا رضينا يا رسول الله فأنكحها إياه وساق عنه إليها مهرها ستين درهما وخمارا وملحفة ودرعا وإزارا وخمسين مدا من طعام وثلاثين صاعا من ثمر.
والحكمة في هذا الزواج الذي لم يبال فيه النبي بإباء زينب ورغبتها عن زيد، أن التصاق الأدعياء بالبيوت واتصالهم بأنسابها كان أمرا تدين به العرب وتعده أصلا ترجع إليه في الحسب والشرف، وكانوا يعطون الدعي جميع حقوق الابن ويجرون عليه الأحكام التي يعطونها للابن حتى الميراث وحرمة النسب- فأراد الله محو ذلك بالإسلام حتى لا يعرف إلا النسب الصريح ومن ثم قال في أول السورة :( وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل٤ ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله( ( الأحزاب : ٤-٥ ) وبهذا حرم على المسلمين أن ينسبوا الدعي إلى من تبناه وأن يكون للمتبني إلا حق المولى والأخ في الدين وحظر عليهم أن يقتطعوا له من حقوق الابن لا قليلا ولا كثيرا.
وما رسخ في النفوس بحكم العادة لا يمكن التخلص منه إلا بإرادة قوية تسخر بسلطانها، ولا تجعل لها حكما في الأعمال إذا كانت المصلحة في خلاف ذلك، ومن ثم ألهم الله رسوله أن يلغي هذا الحكم بالعمل كما ألغى بالقول في أحد عتقاه. ومن ثم أرغم بنت عمته لتتزوج بزيد وهو متبناه ليكون هذا الزواج مقدمة لتشريع إلهي جديد.
ذلك أنه بعد أن تزوجها زيد شمخت بأنفها عليه وجعلت تفخر عليه بنسبها، فاشتكى منها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم المرة بعد المرة وهو عليه السلام يغلبه الحياء في تنفيذ حكم الله ويقول لزيد : أمسك عليك زوجك واتق الله، إلى أن غلب حكم الله وسمح لزيد بطلاقها، ثم تزوجها بعد ذلك ليمزق حجاب تلك العادة كما قال :( لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا( ثم أكد هذا بقوله :( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما(.
تفسير المفردات : أنعم الله عليه : أي بالإسلام، وأنعمت عليه : أي بالعتق ونيل الحرية، واتق الله : أي في أمرها ولا تطلقها ضرارا، وتخشى الناس : أي تخاف من اعتراضهم وقولهم إن محمدا تزوج امرأة ابنه، والوطر : الحاجة، والمراد أنه لم يبق له بها حاجة الزوجية فطلقها، زوجناكها : أي جعلناها زوجة لك، والحرج : المشقة.
الإيضاح :
ثم ذكر الله نبيه بما وقع منه ليزيده تثبيتا على الحق، وليدفع عنه ما حاك في صدور ضعاف العقول ومرضى القلوب فقال :
( وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله( أي واذكر أيها الرسول حين قولك لمولاك الذي أنعم الله عليه فوفقه للإسلام، وأنعمت عليه بحسن تربيته وعتقه وتقريبه منك : أمسك عليك زوجك زينب، واتق الله في أمرها، ولا تطلقها ضرارا، وتعللا بتكبرها وشموخا بأنفها، فإن الطلاق يشينها، وربما لا يجد بعدها خيرا منها.
وفي التعبير بأنعمت عليه إيماء إلى وجه العتب بذكر الحال التي تنافي ما صدر عليه السلام من أظهار خلاف ما في نفسه، إذ هذا إنما يكون حين الاستحياء والاحتشام، وكلاهما مما لا ينبغي أن يكون مع زيد مولاه.
( وتخفي في نفسك ما الله مبديه( أي وأنت تعلم أن الطلاق لا بد منه، بما ألهمك الله أن تمتثل أمره بنفسك لتكون أسوة لمن معك ولمن يأتي بعدك، وإنما غلبك في ذلك الحياء وخشية أن يقولوا تزوج محمد مطلقة متبناه، فأنت تخفي في نفسك ما الله مبديه من الحكم الذي ألهمك.
( وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه( أي وتخاف من اعتراض الناس والله الذي أمرك بهذا كله أحق وحده بأن تخشاه، فكان عليك ان تمضي في الأمر قدما، تعجيلا لتنفيذ كلمته وتقرير شرعه.
ثم زاد الأمر بيانا بقوله :
( فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا( أي فلما قضى زيد منها حاجته وملها ثم طلقها جعلناها زوجا لك، لترتفع الوحشة من نفوس المؤمنين ولا يجدوا في أنفسهم حرجا من أن يتزوجوا نساءكن من قبل أزواجا لأدعيائهم.
( وكان أمر الله مفعولا( أي وكان ما قضى الله من قضاء كائنا لا محالة، أي إن قضاء الله في زينب أن يتزوجها رسول الله كائن ماض لابد منه.
روى البخاري والترمذي : أن زينب رضي الله عنها كانت تفتخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول : زوجكن أهلوكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات. وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال : كانت تقول للنبي صلى الله عليه وسلم : إني لأدل عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن : إن جدي وجدك واحد، وإني أنكحك الله إياي من السماء، وإن السفير لجبريل عليه السلام.
ثم أكد ما سلف بقوله :[ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له ].
تفسير المراغي
المراغي