( ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما( ( الأحزاب : ٥١ ).
تفسير المفردات :
ترجى : أي تؤخر من الإرجاء وهو التأخير، وقرئ، ترجئ وتؤي : أي تضم وتضاجع، ابتغيت : أي طلبت، عزلت : أي تجنبت، أدنى : أي أقرب، تقر : أي تسر.
الإيضاح :
( ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء( أي تؤخر مضاجعة من تشاء من نسائك، وتضاجع من تشاء، ولا يجب عليك قسم بينهن، بل الأمر في ذلك إليك، على أنه كان يقسم بينهن.
( ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك( أي ومن دعوت إلى فراشك، وطلبت صحبتها ممن عزلت عن نفسك بالطلاق، فلا ضيق عليك في ذلك.
والخلاصة : إنه لا ضير عليه إذا أراد إرجاع من طلقها من قبل.
روى ابن جرير عن أبي رزين قال :" لما نزلت آية التخيير أشفقن أن يطلقهن، فقلن : يا رسول الله اجعل لنا من مالك، ومن نفسك ما شئت، ودعنا كما نحن، فنزلت هذه الآية، فأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهن، وآوى إليه بعضهن وكان ممن آوى إليه عائشة، وحفصة، وزينب، وأم سلمة، وكان يقسم بينهن سواء، وأرجأ منهن خمسا : أم حبيبة، وميمونة، وسودة، وصفية، وجويرية، فكان لا يقسم بينهن ما شاء ".
ثم بين السبب في الإيواء والإرجاء، وأنه كان ذلك في مصلحتهن، فقال :
( ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن( أي إنهن إذا علمن أن الله قد وضع عنك الحرج في القسم، فإن شئت قسمت، وإن شئت لم تقسم لا جناح عليك في أي ذلك فعلت، وأنت مع هذا تقسم لهن اختيارا منك لا وجوبا عليك- فرحن بذلك، واستبشرن به، واعترفن بمنتك عليهن في قسمك لهن، وتسويتك بينهن، وإنصافك لهن، وعدلك بينهن.
( والله يعلم ما في قلوبكم( من الميل إلى بعضهن دون بعض مما لا يمكن دفعه، ومن الرضا بما دبر له في حقهن من تفويض الأمر إليه صلى الله عليه وسلم.
روى أحمد بن عبد الله بن يزيد عن عائشة قالت : كان رسول الله يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول :" اللهم هذا فعلي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " يعني القلب، وزيادة الحب لبعض دون بعض.
وفي هذا حث على تحسين ما في القلوب، ووعيد لمن لم يرض منهن بما دبر الله له من ذلك، وفوضه إلى مشيئته، وبعث على تواطؤ قلوبهن، والنصافي بينهن، والتوافق على رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
( وكان الله عليما حليما( أي وكان الله عليما بالسرائر، حليما لا يعاجل أهل الذنوب بالعقوبة، ليتوب منهم من شاء له أن يتوب، وينيب من ذنوبه من ينيب.
تفسير المراغي
المراغي