ولما أولم – عليه الصلاة والسلام – على زينب، جلس قوم في بيته يتحدثون، فأنزل الله تعالى في شأنهم :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُواْ وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذالِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُواْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذالِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً .
يقول الحق جلّ جلاله : يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتَ النبي وكانت تسعاً، إلا أن يُؤذنَ لكم إِلى طعامٍ أي : إلا وقت أن يُؤذن لكم، أو : إلا مأذوناً لكم، فجملة : إلا أن يُؤذن : في موضع الحال، أو الظرف. و غير ناظرين : حال من لا تدخلوا ، وقع الاستثناء على الوقت الحال، كأنه قيل : لا تدخلوا بيوت النبي إلا وقت الإذن، ولا تدخلوها إلا غير ناظرين أي : منتظرين إِنَاهُ أي : إدراكه ونضجه. قال ابن عزيز : إِناهُ بلوغ وقته، يقال : أنِيَ يَأنَى، وآن يئين : إذا شهى، بمنزلة : حان يحين. ه. وقال الهروي : أي : غير ناظرين نضجه وبلوغ وقته، مكسور الهمزة مقصور، فإذا فتحت مددت، فقلت : الإناء، أي غير ناظرين وقت الطعام وساعة أكله.
رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم أَوْلَمَ على زينب بتمر وسويق، وذبح شاةً، وأمر أنساً أن يدعو الناس، فترادفوا أفواجاً، يأكل كل فوج، فيخرج، ثم يدخل فوج، إلى أن قال : يا رسول الله دعوتُ حتى ما أجد أحداً أدعوه. فقال :" ارفعوا طعامكم " وتفرّق الناس، وبقي ثلاثة نفر يتحدثون، فأطالوا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا، فطاف بالحجرات، وسلّم عليهن، ودعون له، ورجع، فإذا الثلاثة جلوس يتحدثون. وكان صلى الله عليه وسلم شديد الحياء، فتولى، فلما رأوه متولياً خرجوا، فنزلت الآية، وهي آية الحجاب. قال أنس : فضرب بيني وبينه الحجاب(١).
قال تعالى : ولكن إِذا دُعيتم فادخلوا فإِذا طَعِمْتُم فانتشروا تفرقوا، ولا مستأنسين لحديثٍ أي : ولا تدخلوها حال كونكم مستأنسين لحديث، أو : غير ناظرين ولا مستأنسين، فهو منصوب، أو مجرور، عطف على " ناظرين "، نُهوا أن يُطيلوا الجلوس في بيته صلى الله عليه وسلم مستأنسين بعضهم ببعض، لأجل حديث يتحدثون به، إِن ذلكم كان يُؤذي النبيَّ فيستَحْي منكم من إخراجكم ؛ والله لا يستحي من الحق يعني أن إخراجكم حق، ما ينبغي أن يُستحى منه، ولا يُترك بيانه، حياءً، أو : لا يأمر بالحياء في الحق، ولا يَشرع ذلك.
وإِذا سألتموهنّ أي : نساء النبي صلى الله عليه وسلم، بدلالة البيوت عليهن ؛ لأن فيها نساءه، متاعاً عارية أو حاجة، فاسألوهنّ من وراءِ حجابٍ ستر، ذلكم أطهرُ لقلوبكم وقلوبهنّ من خواطر الشيطان وعوارض الفتن. وكانت النساء قبل هذه الآية يبرزن للرجال، وكان عمر رضي الله عنه يُحب ضَرْبَ الحجاب عليهن، ويودّ أن ينزلَ فيه، وقال : يا رسول الله : يدخل عليك البرّ والفاجر، فلو أمرتَ أمهاتِ المؤمنين بالحجاب ؟ فنزلت(٢). وقيل : إنه عليه الصلاة والسلام، كان يَطعمَ ومعه بعض أصحابه، فأصابت يدُ رجلٍ يدَ عائشة، فكَرِهَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ذلك فنزلت الآية(٣). والله تعالى أعلم.
الإشارة : العلماء ومشايخ التربية ورثة الأنبياء، فإذا دَعوا إلى طعام فلا يدخل أحد حتى يُؤذن له، فإذا طعموا فلينتشروا، وإذا سأل أحدٌ حاجته من أهل دار الشيخ ؛ فليسأل من وراء الباب، وليتنحَّ عن مقابلة الباب ؛ لئلا يتكشف على عِرض شيخه، فيسيء الأدب معه، وهو سبب الخسران.
ثم نهى عن تزوج نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فقال :
. . . . وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُواْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذالِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً *
يقول الحق جلّ جلاله : وما كان لكم أن تُؤذوا رسولَ الله أي : ما صحَّ لكم إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كفر، ولا أن تَنكِحُوا أزواجَه من بعده أبداً تعظيماً لحُرمته صلى الله عليه وسلم، ولبقاء عصمته عليهن، ولذلك وجبت نفقتهن بعده، لقوله :" ما بقي بعد نفقة أهلي صدقة ". وكذا السكنى كما قد علم، وبه قال ابن العربي. وعَطفُ ( ولا أن تنكحوا ) على ( أن تؤذوا ) من عطف الخاص على العام ؛ إذ تزوج نسائه من أعظم الإيذاء. إِنَّ ذلكم أي : الإيذاء أو التزوُّج كان عند الله ذنباً عظيماً .
قال القشيري : قوله تعالى : إن تبدوا شيئاً... الآية : حِفْظُ القلبِ مع الله تعالى، ومراعاةُ الأمر بينه وبين الله على الصِّحَّةِ في دوام الأوقات لا يَقْوى عليه إلا الخواصُّ، من أهل الحضور. هـ.
٢ أخرجه البخاري في التفسير حديث ٤٤٨٣.
٣ أخرجه الطبري في تفسيره ٢٢/٣٩.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي