ثم يقول الحق سبحانه١ :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا ( ٥٣ ) .
الحق سبحانه وتعالى وزّع الأمر بين رسول الله
وبين أمته، فكما قال للرسول في أول السورة يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ.. ( ١ ) [ الأحزاب ] أمر أمته بذكره وطاعته، وكما تكلم عن أمر يتعلق برسول الله تكلم كذلك عن أمر يتعلق بأمته في قوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ.. ( ٤٩ ) [ الأحزاب ].
بعد ذلك قال لرسول الله : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ( ٤٥ ) [ الأحزاب ] ليبين عموم نفعه لأمته، فجازاه عن الأمة بأن يصلوا عليه، وأن يتأدبوا حين دخولهم بيته صلى الله عليه وسلم، فقال هنا : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ.. ( ٥٣ ) [ الأحزاب ] لأن التكليف لا بدّ أن يكون لمن آمن بالله. وقلنا : إن الحق سبحانه رب وإله، ومعنى ( رب ( أنه سبحانه خلق وربّى وأنعم وتفضل، والخلق والتربية والإنعام والتفضل ليس خاصا بالمؤمنين، بل لكل من استدعاه الله للوجود من مؤمنين وكافرين.
فالشمس تشرق على الجميع، والمطر يروي أرض المؤمن والكافر، والأرض تستجيب للكل، فالذي يحسن أخذ أسباب الله من عطاء الربوبية يأخذ النتيجة، وينال نصيبه موقوتا بمدى الربوبية في الدنيا مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ( ٢٠ ) [ الشورى ] والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
فالمؤمن الذي لا يأخذ يد الله الممدودة له بالأسباب ويهملها يعيش متخلفا عالة على غيره، يعيش شحاذا يستجدي قوته حتى من الكافر، فإذا ما خلت الساحة للكافر، وأخذ هو بالأسباب، وأعطاها حقوقها أخذ هو عطاء الرب، وكان أولى بالمؤمن ألاّ يترك عطاء ربه، يأخذه من لا يؤمن بالله، ثم يتخلف هو عن ركب الحضارة، وإن كانت الحضارة التي وصل إليها الكفار اليوم حضارة في الماديات فحسب.
أما القيم والأخلاقيات فقد انحدرت في هذه المجتمعات، بدليل أنك حين تذهب إلى هذه البلاد وتنزل في فندق كما نزلنا تجد مكتوبا على باب الحجرة : إذا دخل عليك اللصوص فلا تقاوم، فإن حياتك أثمن مما معك، إذا خرجت إلى الشارع فلا تحمل من المال إلا بقدر ضرورياتك. إذن : ارتقوا في شيء، وانحدروا في أشياء.
وإذا كان مظهر ارتقائهم في الناحية الاقتصادية، فانظر إلى أعلى دخل للفرد في العالم تجده في السويد، ومع ذلك تكثر عندهم الأمراض النفسية والعصبية والانتحار والجنون والشذوذ وغيرها من الأمراض الاجتماعية.
لقد تحضرت هذه البلاد حضارة مادية، لأنهم أخذوا بأسبابها، فأتقن كل عمله، وأعطى وقت العمل للعمل، فما بين الثامنة إلى الثانية عشرة لا تجد إنسانا في الشارع، ولا تجد أحدا يجلس على ( القهوة ) مثلا أو يضيع وقت العمل، وفي وقت الراحة يذهب الجميع إلى المطعم ليأكل ( السندوتش ) الجاهز، ثم يعود إلى عمله.
هكذا يعيش المجتمع المادي، فالذي لا يعمل فيه يموت من الجوع، والحمد لله أن شبابنا تنبهوا إلى أهمية العمل وتخلوا عن الطفولة التي كانوا يعيشون فيها حتى الثلاثين، وهم عالة على الأبوين.
والحق سبحانه هنا يعلمنا الأدب مع رسول الله، ويجعله لنا قدوة، فهو صلى الله عليه وسلم عاش عيشة الكفاف مطعما وملبسا ومسكنا، فليس عنده إلا عدة حجرات، لكل زوجة من زوجاته حجرة واحدة، فليس لديه حجرة صالون أو استقبال، فلا بدّ أن تتعلم الأمة آداب الدخول وآداب الزيارة في مثل هذه الحالة، وخاصة مع رسول الله في بيوته.
فقال سبحانه يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ.. ( ٥٣ ) [ الأحزاب ] كلمة ( بيوت ) جمع بيت، وهو ما أعدّ للبيتوتة أي : للمبيت فيه، والميت في الأغلب الأعم لليل، فهو محل السكوت والبيات، أما النهار فهو محلّ الحركة، ولا بد للإنسان بعد التعب والجهد أن يأوي بالليل إلى مكان يستريح فيه ويفيء إليه، لذلك سمّي البيت سكنا، كذلك سميت الزوجة سكنا للسبب نفسه.
فالبيت مسكن لإيواء القالب وراحته، والمرأة سكن لإيواء القلب وراحة النفس، فكلاهما ينبغي أن يكون مصدرا للراحة.
والبيت يجمع على بيوت إن أردنا المسكن، ويجمع على أبيات إن أردنا البيت الشعري، وسمّي الشعر بيتا عند العرب وهم أمة فصاحة وبيان، لأنه تأوي إليه المعاني، كما نأوي نحن إلى بيوتنا ونسكن فيها، كذلك المعاني تسكن بيت الشعر، فيصير البيت نفسه حكمة.
لذلك يقول أحمد شوقي رحمه الله : لا يزال الشعر عاقلا يعني : لا زينة له من قولهم المرأة العاقل أي : التي لا زينة لها٢ ما لم تزينه الحكمة، فهو بدونها هراء لا فائدة منه.
ولا تزال الحكمة شاردة حتى يؤويها بيت من الشعر يحفظ ويتداول على مر العصور، كما نستشهد نحن الآن بأبيات المتنبي والمعرى وشوقي.. إلخ.
والبيتوتة في كل شيء بحسبها، فالذين يعملون بالنهار بيتوتهم بالليل، والذين يعملون بالليل بيتوتهم بالنهار، وإن كان الأصل في البيات أن يكون ليلا. وإياك أن تشغل إنسانا وقت بيتوته سواء أكانت بالليل أو بالنهار، فوقت العمل للعمل، ووقت السكن للسكن.
لذلك فإن أهل الحكمة عندنا في الفلاحين يقولون :( من يحرس ) يعني : بالليل ( لا يحرث ) يعني : بالنهار ؛ لأن الإنسان إن انشغل وقت راحته لا يجيد عمله ولا يتقنه.
بصرف النظر، أكان وقت الراحة في الليل أو في النهار، فأنت مثلا حين تتأمل البلاد التي تشرق فيها الشمس ثلاثة أشهر أو ستة أشهر، وتغيب أيضا ثلاثة أشهر أو ستة أشهر، هل نتصور أن يعمل أهل هذه البلاد طوال الثلاثة أشهر، وينامون ثلاثة أشهر ؟ لا إنما يقسّمون هذه الفترة في ليل أو نهار إلى فترات : فترة للعمل، وفترة للراحة.
لذلك تجد من عظمة القرآن أن يحتاط لمثل هذه الأمور، فيقول سبحانه : وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ.. ( ٢٣ ) [ الروم ] فالنوم يكون بالليل، ويكون أيضا بالنهار لمن تستدعي طبيعة عمله أن يعمل بالليل.
والبيت يكون على قدر إمكانات صاحبه، المهم أن يكون له مكان يأوي إليه ويستريح فيه، مهما قلّ، حتى لو كان مكانا ضيقا على قدر ما يسع الإنسان أن يضع جنبه على الأرض، فإن كان فيه متّسع فبها ونعمت، وعلى طارق البيت أن يراعى مدى البيتوتة لمن يطرق عليه.
وكما يتفاوت الناس في البيوت، كذلك يتفاوتون في ترف الحياة وأسباب الراحة في البيت على حسب الإمكانات، وما دامت الراحة على قدر الإمكانات، فينبغي أن يتحلّى كلّ بالرضا، وأن يربط بين عمله ودخله وبين ترف حياته، فقبل أن تفرض لنفسك حياة مترفة، افرض لها أولا عملا مترفا بنفس المستوى، بحيث توفر منه إمكانات هذا الترف.
وكما يقول المثل ( على قدر لحافك مدّ رجليك ) فإذا كانت إمكاناتك لا توفر لك إلا الكفاف، فلتكن راضيا به، وإن تمردّت وطلبت المزيد فلتتمرد أولا على نفسك، ولتعمل العمل الذي يوفر لك ما تتطلع إليه.
وآفة الناس في اقتصادهم أن يحددوا مستوى الحياة أولا، ثم يرغمون دخولهم وإمكاناتهم على هذا المستوى، فيحدث العجز، ولا تفي الإمكانات بالمتطلبات، إنما الواجب أن أحدد مستوى حياتي على ضوء دخلي وإمكاناتي، وبذلك يعيش الإنسان سعيدا مرتاحا لا يرهقه شيء، ولا يفوتنا ونحن نتحدث عن الدخول والإمكانات أن نراعي الحلال في الكسب وفي الإنفاق.
وإذا كانت البيوت وأسباب الراحة فيها بحسب إمكانات أصحابها، فينبغي أن تكون أحوالهم النفسية أيضا على قدر إمكاناتهم حتى لا يمتلئ قلب الفقير حقدا على صاحب النعمة.
إذن : لا بدّ لنا أن نتحلّى بالرضا، وأن نقنع بما في أيدينا، ومن يدريك لعل صاحب النعمة هذا ورثها، وإن كان لم يتعب هو فيها فقد تعب آباؤه وأجداده، وسبق أن قلنا : إن الذي يعرق عشر سنين من حياته يرتاح بقية عمره، والذي يعرق عشرين سنة يريح أولاده، والذي يعرق ثلاثين يريح أحفاده، ومن ذا الذي عرق وكدّ ولم يجد ثمرة عرقه ؟
فمن أراد أن يعيش محترما مكرما حال شيخوخته فليعمل في شبابه وحال قدرته، وليعرق قبل أن يأتيه يوم لا يجد فيه هذه القدرة، لذلك يراعي سيدنا رسول الله هذا المعنى في قوله صلى الله عليه وسلم : " أعطوا الأجير حقه قبل أن يجفّ عرقه " ٣.
أما الذين يتسكعون في الشوارع أو على القهاوي فليسوا أهلا لهذه الحياة الكريمة حال شيخوختهم، كذلك العامل الذي لا يعطي للعمل حقه، أو لا يتقنه، أو يجلس يراقب صاحب العمل يتحيّن الفرصة لإضاعة الوقت. ومعلوم أن القرش إذا اكتسبه صاحبه دون وجه حق كان وبالا عليه وفسادا لحاله، لأنه لم يعرق به.
واقرأ إن شئت قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من أصاب مالا من مهاوش، أذهبه الله في نهابر )٤ والمهاوش هي الطرق غير المشروعة لجمع المال، وهو نفس المعنى الذي نقصده حين نقول مثلا : فلان جمع هذا المال من ( الهبش ) أو ( النتش )، والنهابر هي الأبواب التي تفتح لصرف هذا المال فيما لا فائدة منه. وكثيرا ما نرى بعض الناس دخولهم ورواتبهم كبيرة، ومع ذلك يعيشون عيشة الفقراء، لا ترى عليهم ولا على أولادهم أثرا لهذه النعمة.
والناس يختلفون في نظرتهم إلى النعمة في أيدي الآخرين فقويّ الإيمان ساعة يرى النعمة في يد غيره لا يحسده عليها، إنما يرى أنها فضل الله على عباده، وتراه يدعو لصاحب النعمة بالبركة، ويقول : والله إنه يستحق هذه النعمة وأكثر منها ؛ لأنه جدّ واجتهد.
المؤمن يقول : ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، اللهم بارك له وأعطني من نعمك، المؤمن يرى في نعمة الدنيا نموذجا مصغرا لنعمة الآخرة، فيقول : هذا ما أعدّه البشر لأنفسهم، فكيف بما أعدّه الله لخلقه ؟ عندها يتراءى له نعيم الجنة، فيقبل عليها بقلب يملؤه الإيمان واليقين، وهذه النظرة للنعمة عند الآخرين تسمى غبطة.
أما غير المؤمن والعياذ بالله فيحقد على صاحب النعمة، ويراه غير أهل لها، ويتمنى زوالها من عنده، ويحسده عليها، وهذا كله دليل على ضعف الإيمان والاعتراض على أقدار الله في خلقه.
ونسمّي المساجد بيوت الله، وسمّي المسجد بيت الله، لأنه جعل خصيصا لكي نقابل فيه الله حينما نسمع ند
٢ قال ابن منظور في لسان العرب (مادة: عقل): "لا تحمل السّنّ والإصبع والموضحة وأشباه ذلك". والأوضاح: حلي من الدراهم الصحاح..
٣ أخرجه ابن ماجة في سننه (٢٤٤٣) من حديث ابن عمر، قال البوصيري في الزوائد: إسناده ضعيف، فيه ضعيفان، وأخرجه بهذا اللفظ أيضا الطبراني في معجمه الصغير (١/٢٠) من حديث جابر، وأبو نعيم في الحلية (٧/١٤٢) من حديث أبي هريرة، فهو بمجموع هذه الطرق والروايات يرقى إلى مرتبة الحسن، وله أصل في صحيح البخاري عن أبي هريرة ـ كتاب البيوع..
٤ أورده العجلوني في كشف الخفاء (٢/٣١٣) وعزاه للقضائي عن أبي سلمة الحمصي مرفوعا، وأبو سلمة ضعيف ولا صحبة له. قال التقى السبكي: لا يصح والمهاوش: مكاسب السوء، فهو كل مال يصاب من غير حله ولا يدري ما وجهه كالغصب والسرقة ونحو ذلك [لسان العرب ـ مادة: هوش] والنهابر: المهالك أي: أذهبه اله في مهالك وأمور متبددة [لسان العرب ـ مادة: نهبر]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي