(لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ) فهؤلاء لا يجب على نساء رسول الله - ﷺ - ولا على غيرهن من النساء الاحتجاب منهم في رؤية وكلام، ولم يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين، وقال الزجاج: العم والخال ربما يصفان المرأة لولديهما فإن المرأة تحل لابن العم وابن الخال فكره لهما الرؤية وهذا ضعيف جداً، فإن تجويز وصف المرأة لمن تحل له ممكن من غيرهما ممن يجوز له النظر إليها لا سيما أبناء الإخوة وأبناء الأخوات، واللازم باطل فالملزوم مثله وهكذا يستلزم أن لا يجوز للنساء الأجنبيات أن ينظرن إليها لأنهن يصفنها، واللازم باطل فالملزوم مثله، وهكذا لا وجه لما قاله الشعبي وعكرمة: من أنه يكره للمرأة أن تضع خمارها عند عمها أو خالها، والأولى أن يقال: إنه سبحانه اقتصر ههنا على بعض من
صفحة رقم 132
ذكره من المحارم في سورة النور اكتفاء بما تقدم.
(ولا نسائهن) هذه الإضافة تقتضي أن يكون بالنساء المؤمنات لأن الكافرات غير مأمونات على العورات، والنساء كلهن عورة، فيجب على أزواج النبي - ﷺ - الاحتجاب عنهن كما يجب على سائر المسلمات أي ما عدا ما يبدو عند المهنة أما هو فلا يجب على المسلمات حجبه وستره عن الكافرات ولهذا قيل: هو خاص، أي لا يجوز للكتابيات الدخول على أزواج رسول الله (- ﷺ -) وقيل عام في المسلمات والكتابيات.
(ولا ما ملكت أيمانهن) من العبيد والإماء أن يروهن ويكلموهن من غير حجاب وقيل: الإماء خاصة، ومن لم يبلغ من العبيد والخلاف في ذلك معروف، وقد تقدم في سورة النور ما فيه كفاية، ثم أمر سبحانه بالتقوى التي هي ملاك الأمر ونقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب، وفي هذا النقل فضل تشديد كأنه قيل:
(واتقين الله) في كل الأمور التي من جملتها ما هو مذكور هنا من الاحتجاب أي أن يراكن أحد غير هؤلاء. قال ابن عباس: في الآية أنزلت هذه فىِ نساء النبي - ﷺ - خاصة.
(إن الله كان على كل شىء) من أعمال العباد (شهيداً) لم يغِب عنه شىء من الأشياء كائناً ما كان فهو مجاز للمحسن بإحسانه وللمسيء بإساءته، والشهيد الذي يعلم خطرات القلوب كما يعلم حركات الجوارح.
إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)
صفحة رقم 134فتح البيان في مقاصد القرآن
أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي
عبد الله بن إبراهيم الأنصاري