إسماعيل. فقوله تعالى: وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ أي أفضنا على إبراهيم وإسحاق بركات الدين والدنيا، بأن كثّرنا نسلهما وجعلنا أنبياء ورسلا منهما ومن إسماعيل.
وبعض ذريتهما محسن فاعل للخيرات، وبعضها ظالم لنفسه بالكفر والمعاصي، واضح الظلم والانحراف.
وهذا دليل على أن النسب لا أثر له في الهدى والضلال، وأن النفع ليس بالوراثة والنسب، وإنما الانتفاع بالأعمال، وأنه لا يعيب الأصول ولا ينتقصهم سوء بعض ذريتهم، لقوله تعالى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام: ٦/ ١٦٤].
نعم الله على موسى وهارون وإلياس عليهم السّلام
امتن الله تعالى على أنبيائه الكرام بنعم كثيرة بسبب تضحياتهم وجهودهم في سبيل نشر الدعوة إلى الله سبحانه، وإصلاح الناس، ومن هؤلاء الأنبياء الصفوة: موسى وهارون عليهم السّلام، ومضمون هذه النعم: النبوة وعلوّ المكانة، ونجاتهم من المآزق والمحن، ونصرهم على معارضيهم، وهدايتهم إلى الطريق القويم، وإبقاء الثناء الحسن والسمعة العالية والتحية لهم على ممر الزمان إلى آخر الدهر، وبهذا النوع من الجزاء على إخلاصهم وطاعتهم لربهم، يجزي الله تعالى كل المحسنين، وهذا صريح في الآيات الآتية:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١١٤ الى ١٣٢]
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨)
وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢) وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)
إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨)
وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢)
[الصافات: ٣٧/ ١١٤- ١٣٢].
تالله لقد أنعمنا على موسى وهارون بالنبوة وغيرها من العطاءات والمنافع التي تؤدي إلى رفع مكانتهما في الدنيا والآخرة. ونجيناهما وقومهما الإسرائيليين من الكرب العظيم، أي الاستعباد الفرعوني ومحاولة قتلهم ومتابعتهم، وإنجائهم من الغرق في البحر. ونصرناهم، أي موسى وهارون وقومهما على أعدائهم، فكانوا هم المتغلبين أصحاب السيادة والسلطة. وأنعمنا على موسى وهارون بالتوراة الكتاب المنظّم لشؤون الدنيا والآخرة. وأرشدناهما إلى الطريق المستقيم: وهو طريق الشرع والنبوة المؤدي إلى الله تعالى.
وأبقينا لهما من بعدهما ثناء حسنا جميلا باقيا آخر الدهر. وهذا هو ما تركه الله عليهما في الآخرين، حيث فسره بقوله تعالى: سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (١٢٠) والمراد به الثناء الحسن في الأمم الباقية المتأخرة. ومثل هذا الجزاء على الإخلاص والطاعة من النبيين الرسولين موسى وهارون نجزي بالخلاص من الشدائد والمحن كل من أحسن عمله، فأطاع الله وانقاد له، لأنهما من فئة عباد الله المؤمنين المصدقين تصديقا صحيحا كاملا.
وإن إلياس بن ياسين الذي هو نبي من أنبياء الله تعالى، والذي ينتهي نسبه إلى أخي موسى عليهما السّلام، بعثه الله في بني إسرائيل بعد حزقيل عليه السّلام، وكان قومه الإسرائيليون قد عبدوا صنما، يقال له (بعل) فدعاهم إلى توحيد الله تعالى، ونهاهم عن عبادة ما سواه. ومضمون قصته: اذكر أيها الرسول محمد حين قال إلياس لقومه: أَلا تَتَّقُونَ. أي هلّا تخافون الله تعالى في عبادتكم غيره، وتتركون ما نهاكم عنه من الشرك والعصيان!
أتعبدون صنما وهو (بعل) الذي صنعتموه بأيديكم، وتتركون عبادة الإله الحق المستحق وحده للعبادة؟ فهو سبحانه أحسن الخالقين، أي إنه هو الخالق المبدع، ولا خالق سواه، وهو الله الذي رباكم بنعمه، بعد أن أوجدكم من العدم، أنتم وآباؤكم وأجدادكم السابقون. وكان إلياس عليه السّلام في دعوته هذه حكيما، فقد عاب قومه أولا على عبادة غير الله تعالى. ثم صرح بتوحيد الله، ونفي جميع الشركاء عنه.
فكذبوا دعوته ونبوته، فصاروا بسبب تكذيبه لمحضرون، أي لمجموعون للعذاب يوم القيامة، ومجازون على ما قدموا من الأعمال المنكرة، والأفعال والعقائد الفاسدة.
ثم استثنى الله تعالى من ذلك الجزاء: من كان مؤمنا فقال: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) أي إلا عباد الله الذين وحّدوه توحيدا خالصا من الشرك وشوائبه، وعبدوه حق العبادة، وأخلصوا العمل لله، فهؤلاء في كل زمان ناجون من العذاب، مثابون ثوابا حسنا على صالح أعمالهم، لا يتعرضون لشيء من عقاب المشركين.
واستحق إلياس النبي عليه السّلام مثلما استحق موسى وهارون: أن يبقي الله عليه ثناء حسنا جميلا آخر الدهر وعلى ممر الزمان، وهو السّلام عليه، سلاما مباركا من الملائكة والإنس والجن، لأنه سليم الإيمان بما أمره الله به، وهو الذي قاوم الشرك والوثنية. وإل ياسين: اسم أيضا لإلياس، فهو اسم واحد له، وهذه لغة، كما يقال: إبراهيم وإبراهام، وإدريس وإدراسين.
ومثل ذلك الجزاء على الإخلاص والطاعة من إلياس، يجازي الله جميع المحسنين أعمالهم لله تعالى، وعلة الجزاء أنه، أي إلياس مؤمن من جملة عباد الله المصدّقين بوجود الله وتوحيده واتصافه، أي الله بصفات الكمال والجلال والجمال والإحسان.
التفسير الوسيط
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي