روى أحمد ومسلم وغيرهما عن البراء ابن عازب قال :( مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي محمم مجلود فدعاهم فقال : هكذا تجدون حد الزانى في كتابكم ؟ قالوا نعم فدعا رجلا من علمائهم فقال :( انشدك بالله الذي أنزل التورة على موسى وهكذا تجدون حد الزانى في كتابكمِِ ] قال : لا والله ولولا أنك نشدتني لم أخبرك نحد حد الزاني في كتابنا الرجم ولكنه كثر في أشرفنا فكنا إذا أخدنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا تعالوا نجعل شيئا نقيمه على الشريف والوضيع فاجتمعنا على التحميم والجلد فقال : النبي صلى الله عليه وسلم ( اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه فأمر به فرجم )١ فأنزل الله تعالى يأيها الرسول لا يحزنك إلى قوله إن أتيتم هذا فخذوه يقولون ائتوا محمدا فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا إلى قوله ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ٢ وذكر البغوي : هذه القصة بأن امرأة ورجلا من أشراف خبير زنيا وكانا محصنين وكان حدهما في التورية الرجم فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما فأرسلوا إلى إخوانهم بني قريظة وقالوا سلوا محمدا عن الزانيين إذا أحصنا ما حدهما فإن أمركم بالجلد فاقبلوا منه وإن أمركم بالرجم فاحذروا ولا تقبلوا منه، وأرسلوا معهم الزانيين فقالت قريظة والنضير : إذا والله يأمركم بما تكرهون، ثم انطلق منهم كعب بن أشرف وسعيد بن عمرو ومالك بن الضيف ولبابة بن أبي الحقيق وغيرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا حدهما في كتابك ؟فقال : هل ترضوني بقضائي ؟ قالوا نعم، فنزل جبرائيل بالرجم بذلك فأبوا أن يأخذوا به فقال : جبرائيل جعل بينك وبينهم ابن صوريا ووصفه له، فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تعرفون شابا أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا ؟قالوا نعم، قال : فأي رجل هو فيكم ؟قالوا هو أعلم يهودي بقي على وجه الأرض بما أنزل الله سبحانه على موسى في التوراة، قال : فأرسلوا إليه فأتاهم، فقال : له النبي صلى الله عليه وسلم :( أنت ابن صوريا ؟ قال : نعم، فأخبرهم قال : وأنت أعلم اليهود ؟ قال : كذلك يزعمون قال : أتجعلونه بيني وبينكم ؟ قالوا : نعم فقال : له النبي صلى الله عليه وسلم أنشدك بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى وأخرجكم من مصر وفلق لكم البحر وأنجاكم وأغرق آل فرعون والذي ظلل عليكم الغمام وأنزل عليكم المن والسلوى وأنزل عليكم كتابه فيه حلاله وحرامه هل تجدون في كتابكم الرجم على من أحصن ؟قال : ابن صوريا نعم والذي ذكرتني لولا خشيه أن يحرقني التوراة إن كذبت وغيرت ما اعترفت لك، ولكن كيف هي في كتابك يا محمد ؟ قال : إذا شهد أربعة رهط عدول أنه قد أدخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة وجب الرجم عليه، قال : ابن صوريا والذي أنزل التوراة على موسى هكذا أنزل الله في التوراة على موسى، فقال : له النبي صلى الله عليه وسلم فماذا كان أول ما ترخصتم به أمر الله ؟ قال : كنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فكثر الزنا في أشرافنا حتى زنى ابن عم ملك لنا فلم نرجمه ثم زنى رجل آخر في أسرة من الناس فأراد ذلك الملك رجمه فقام دونه قومه فقالوا : والله لا ترجمه حتى ترجم فلانا لابن عم الملك، فقلنا : تعالوا : تعالوا نجتمع فلنضع شيئا دون الرجم يكون على الوضيع والشريف فوضعنا الجلد والتحميم، فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فرجم بهما عند باب مسجد قال : اللهم إني أول من أحيى أمرك إذ أماتوه فأنزل الله عز وجل.
إنا أنزلنا التوراة فيها هدى إلى الحق ونور ينكشف به أحكام الله تعالى ويجتلي به القلوب الغير القاسية يحكم بها النبيون موسى ومن بعده من الأنبياء آخرهم محمد صلى الله عليه وسلم قضى عليهم بالرجم، وقال : الحسن والسدي : أراد به محمد صلى الله عليه وسلم حكم على اليهود بالرجم وذكر بلفظ الجمع كما في قوله تعالى إن إبراهيم كان أمة قانتا ١ ويحكم بصيغة المضارع يدل على أن حكم محمد صلى الله عليه وسلم أيضا داخل في المقصود بالآية، وقيل : إن المراد بالنبيين هاهنا الذين بعثوا بعد موسى قبل عيسى ليحكموا بالتوراة بقرينة قوله تعالى وقفينا على أثرهم بعيسى ٢ وعلى تقدير شمول كلمة النبيين المذكورة محمدا صلى الله عليه وسلم وغيره لا بد من التأويل في قوله تعالى وقفينا على أثرهم بأن الضمير راجع إليهم بالنسبة إلى بعض أفرادهم كما في قوله تعالى وبعولتهن أحق بردهن ٣ومن هاهنا قال : أبو حنيفة : يجب علينا العمل بشرائع من قبلنا ما لم يظهر نسخه، قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الأولى والآخرة الأنبياء إخوة من علات أمهاتهم شتى ودينهم واحد )٤ الحديث متفق عليه، يعني دينهم واحد وهو ما قضى الله به سبحانه وطرق ظهور ذلك الدين في الدنيا شتى بعد تعينات الأنبياء الذين أسلموا أي انقادوا الحكم الله صفة أجريت على النبيين مدحا لهم وتنويها لشأن المسلمين وتعريضا لليهود حيث لا يحكمون بما في التوراة ولا ينقادون لحكم الله تعالى للذين هادوا إن تابوا من الكفر، متعلق بأنزلنا أو بالظرف المستقر أعني فيها هدى ونور أو بيحكم أي يحكمون بها في تحاكمهم، وعلى التقدير الثالث قيل : اللام بمعنى على كما في قوله تعالى : وإن أسأتم فلها ٥يعني فعليها وقوله تعالى : أولئك لهم اللعنة ٦ أي عليهم، قلت : وعلى هذا التأويل جاز أن يكون معنى الآية يحكم النبيون بالتوراة على اليهود بكفرهم فإن التوراة يحكم عليهم أنه إذا جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، قال : البيضاوي : هذا القيد يعني للذين هادوا يدل على أن المراد بالنبيين في هذه الآية أنبياء بني إسرائيل الذين بعثوا بعد موسى عليه السلام ليحكموا بما في التوراة لا من لم يومر بما في التوراة ومنهم عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، وكذا قوله تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ٧ وهذا القول منه مبني على مذهب الشافعي رضي الله عنه أن شرائع من قبلنا لا يكون حجة علينا، قلنا : قوله تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا لا يدل على نسخ جميع أحكام التوراة بل على بعضها أو أكثرها وما لم يظهر نسخ حكم ثبت بالكتاب أو السنة أن الله تعالى حكم به لا بد من العمل به لقوله تعالى فبهداهم اقتده ٨و الله أعلم والربانيون أي الصوفية الزهاد بحكم المسترشدين منهم فيما يتعلق بتهذيب الأخلاق وتجلية القلوب والأحبار جمع حبر بفتح الحاء وكسره والكسر أفصح هو العالم المحكم للشيء، وقيل : الحبر بمعنى الجمال في الحديث ( يخرج من النار رجل قد ذهب حبره وصبره ) أي حسنه وهيئته ومنه التحبير للتحسين، يقال للعالم حبرا لما عليه من جمال العلم والعلماء جمال الأمة بما استحفظوا العائد إلى الموصول محذوف وبيانه من قوله تعالى من كتاب الله الجار والمجرور متعلق بيحكم والباء للسببية والضمير المرفوع في استحفظوا راجع إلى النبيين والربانيين والأحبار، والاستحفاظ منهم تكليفهم بحفظه والعمل به ومنعهم عن نسيانه وعن ترك العمل به وعن التضييع والتحريف يعني يحكم بها الأنبياء ومن تبعهم بسبب أمرهم الله تعالى بأن يحفظوا وكانوا عليه أي على الاستحفاظ من الله أو كتاب الله شهداء رقباء يعلمونه ويبينونه فلا تخشوا أيها الحكام الناس في الحكومة على خلاف مرادهم واخشون في ترك العمل بكتابي وأحكامي، أثبت الياء في الوصل فقط أبو عمرو وحذفها الجمهور في الحالين، أخرج ابن عساكر والحكيم الترمذي عن ابن عباس أنه قال : إنما يسلط على ابن آدم من خافه ابن آدم فإن لم يخف إلا الله لم يسلط عليه غيره وإنما وكل ابن آدم بمن رجا ابن آدم فإن لم يرج ابن آدم إلا الله لم يكله إلى سواه ولا تشتروا أي لا تستبدلوا بآيتي بأحكامي التي أنزلتها ثمنا قليلا من متاع الدنيا على سبيل الرشوة ونحو ذلك هذا صريح في أن حكام هذه الأمة مأمورون بالحكم بما ثبت كونه في التوراة ولم يثبت نسخه ومن لم يحكم بما أنزل الله مستهينا به جاحد إله كذا قال : عكرمة فأولئك هم الكافرون إن لم يحكم بالاستهانة، وقيل : المراد بالكفر الفسق وجاز أن يكون المراد ستر الحق، قال ابن عباس وطاووس : ليس الكفر الفسق وجاز أن يكون المراد بالكفر ستر الحق، قال : ابن عباس وطاووس : ليس بكفر ينقل عن الملة بل إذا فعل فهو به كفر يعني ستر الحق وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر
٢ سورة المائدة، الآية: ٤٦..
٣ سورة البقرة، الآية: ٢٢٨..
٤ أخرجه البخاري في كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قوله تعالى:واذكروا ي الكتاب مريم إذا انتبذت من أهلها(٣٤٤٣) وأخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: فضائل عيسى عليه السلام (٢٣٦٥)..
٥ سورة الإسراء، الآية: ٧..
٦ سورة الرعد، الآية: ٢٥..
٧ سورة المائدى، الآية: ٤٨..
٨ سورة الأنعام، الآية: ٩٠..
التفسير المظهري
المظهري