ﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬ

هذه الآيات من سياق التي قبلها والتي بعدها، والغرض منها بيان كون التوراة كانت هداية لبني إسرائيل فأعرضوا عن العمل بها لما عرض لهم من الفساد، وبيان مثل ذلك في الإنجيل وأهله، ثم الانتقال من ذلك إلى ما سيأتي من ذكر القرآن ومزيته وحكمة ذلك. ومنه يعلم أن العبرة بالاهتداء بالدين وأنه لا ينفع أهل الانتماء إليه إذا لم يقيموه، إذ لا يستفيدون من هدايته ونوره، بإقامته والعمل به. وأن إيثار أهل الكتاب أهواءهم على هداية دينهم، هو الذي أعماهم عن نور القرآن والاهتداء به.
قال تعالى : إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ أي إنا نحن أنزلنا التوراة على موسى مشتملة على هدى في العقائد والأحكام خرج به بنو إسرائيل من وثنية المصريين وضلالهم، وعلى نور أبصروا به طريق الاستقلال في أمر دينهم ودنياهم يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ أنزلناها قانونا للأحكام يحكم بها النبيون – موسى ومن بعده من أنبياء بني إسرائيل – طائفة من الزمان انتهت ببعثه عيسى ابن مريم عليه السلام. وهم الذين أسلموا وجوههم لله مخلصين له الدين على ملة إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، فالإسلام دين الجميع، وكل ما استحدثه اليهود والنصارى من أسباب التفرق في الدين، فهو باطل وضلال مبين. وإنما يحكمون للذين هادوا أي اليهود خاصة، لأنها شريعة خاصة بهم لا عامة، ولذلك قال آخرهم عيسى : لم أرسل إلا إلى خراف إسرائيل الضالة. ولم يكن لداود وسليمان وعيسى من دونها شريعة.
وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ أي ويحكم بها الربانيون والأحبار في الأزمنة أو الأمكنة التي لم يكن فيها أنبياء أو معهم بإذنهم. والربانيون هم المنسوبون إلى الرب، إما بمعنى الخالق المدبر لأمر الملك، لأنهم يعنون بالعلم الإلهي والتهذيب والروحاني، وإما بمعنى مصدر ربه يربه أي رباه، لأنهم يربون أنفسهم ثم غيرهم بالعلم والعرفان وأحاسن الآداب والأخلاق وهم كبار كهنتهم من اللاويين الصالحين. يروى عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه أنه قال : أنا رباني هذه الأمة. وقد سبق بيان معنى الكلمة في تفسير آل عمران.
والأحبار جمع حبر ( بفتح الحاء كسرها ) وهو العالم. ومادة حبر في اللغة تدل على الجمال والزينة التي تسر الناس، وشعر محبر مزين بنكت البلاغة والفصاحة. ثوب محبر : مزين بالنقوش أو الوشي الجميل. ومنه برد حبر ( بالكسر ) وحبير، وهو ثوب ذو خطوط بيض وسود أو حمر. فيحتمل أن يكون إطلاق لفظ الحبر على العالم مأخوذا من هذا المعنى، ويحتمل أن يكون من الحبر الذي يكتب به. وقال الراغب الحبر ( بالكسر ) الأثر المستحسن. ثم قال والحبر العالم وجمعه أحبار، لما يبقى من آثر علومهم. اه.
وأطلق لقب حبر الأمة في الإسلام ابن عباس رضي الله عنهما، كما أطلق لفظ الرباني على المرتضى عليه الرضوان. والذي يسبق إلى فهمي عند ذكر الربانيين والأحبار، أن الربانيين عند بني إسرائيل كالأولياء العارفين عندنا، والأحبار عندهم كعلماء الظاهر عندنا. وقال ابن جرير الربانيون جمع رباني وهم العلماء الحكماء البصراء بسياسة الناس وتدبير أمورهم والقيام بمصالحهم. وأما الأحبار فإنهم جمع حبر وهو العالم المحكم للشيء. وما قلناه أظهر، وهو إلى اللغة أقرب. والتوراة مؤنثة اللفظ ومعناها الشريعة.
وأما قوله تعالى : بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ فمعناه أنهم يحكمون بها بسبب ما أودعوه من الكتاب وائتمنوا عليه وطلب منهم حفظه. أي طلب منهم الأنبياء موسى ومن بعده أي يحفظوه ولا يضيعوا منه شيئا. وناهيك بالعهد الذي أخذه موسى بأمر الله على شيوخ بني إسرائيل بعد أن كتب التوراة أن يحفظوها ولا يتحولوا عنها. وقد تقدم في تفسير الميثاق من أواخر سورة النساء وأوائل هذه السورة، وأنهم نقضوا ميثاق الله ولم يوفوا به، وقد قال الله فيهم أنهم استحفظوا، ولم يقل أنهم حفظوا، ولكنه قال : وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء أي كان سلفهم الصالحون رقباء على الكتاب وعلى من يريد العبث به، كما فعل عبد الله بن سلام في مسألة الرجم، أو شهداء على أنه هو شرع الله تعالى، لا كما فعل خلفهم من كتمان بعض أحكامه اتباعا للهوى، أو خوفا من أشرافهم إن أقاموا عليهم حدوده، وطمعا في برهم إذا حابوها فيها. وأعظم من ذلك كتمانهم صفة خاتم المرسلين والبشارة به، وروي عن ابن عباس أن المراد : وكانوا على حكم النبي الموافق لحكم التوراة في حد الزنا شهداء. ولعله أراد – إن صحت الرواية عنه – أن هذا مما يدخل في عموم صفات أحبار اليهود الصالحين. تعريضا بجمهور الخلف الصالحين. ولذلك شهد عبد الله بن سلام وهو من بقية خيارهم وكذا غيره بأن حكم التوراة فيها رجم الزاني تصديقا وتأييدا لما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ثم قال تعالى تعقيبا على ما قصه من سيرة سلف بني إسرائيل الصالح، بعد بيان سوء سيرة الخلف الذين خلفوا بعدهم، مخاطبا رؤساء اليهود الذين كانوا في زمن التنزيل، لا يخافون الله في الكتمان والتبديل : فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ أي إذا كان الأمر كما ذكر – وهو ما لا تنكرونه كما تنكرون غيره مما قصه الله على رسوله من سيرة سلفكم – فلا تخشوا الناس فتكتموا ما عندكم من الكتاب خوفا من بعضهم ورجاء في بعض، واخشوني وحدي، وأوفوا بعهدي، فإن الأمر كله لي وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً أي لا تتركوا بيانها والعمل والإفتاء والحكم بها في مقابلة منفعة دنيوية لا يمكن أن تكون إلا قليلة بالنسبة إلى المنافع العاجلة والآجلة المترتبة على الاهتداء بآيات الله تعالى. وتقدم تفسير مثل هذه الجملة في سورة البقرة. أو المراد من النهي إقامة الحجة عليهم، ويؤيده قوله : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ أي كل من رغب عن الحكم بما أنزل الله من أحكام الحق والعدل، فلم يحكم بها لمخالفتها لهواه أو لمنفعته الدنيوية، فأولئك هم الكافرون بهذه الآيات، لأن الإيمان الصحيح يستلزم الإذعان، والإذعان يستلزم العمل، وينافي الاستقباح والترك. وهذه الجملة مقررة لما قبلها، ومؤيدة لقوله تعالى في هذا السياق وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [ المائدة : ٤٣ ].
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:بحث في عدم الحكم بما أنزل الله وكونه كفرا وظلما وفسقا
الكفر والظلم والفسق كلمات تتوارد في القرآن على حقيقة واحدة، وترد بمعاني مختلفة، كما بيناه في تفسير والكافرون هم الظالمون [ البقرة : ٢٥٤ ] من سورة البقرة. وقد اصطلح علماء الأصول والفروع على التعبير بلفظ الكفر عن الخروج من الملة وما ينافي دين الله الحق، دون لفظي الظلم والفسق. ولا يسع أحدا منهم إنكار إطلاق القرآن لفظ الكفر على ما ليس كفرا في عرفهم، ولكنهم يقولون ( كفر دون كفر ) ولا إطلاقه لفظي الظلم والفسق على ما هو كفر في عرفهم، وما كل ظلم أو فسق يعد كفرا عندهم. بل لا يطلقون لفظ الكفر على شيء مما يسمونه ظلما أو فسقا. لأجل هذا كان الحكم القاطع بالكفر على من لم يحكم بما أنزل الله محلا للبحث والتأويل عند من يوفق بين عرفه ونصوص القرآن.
وإذا رجعنا إلى المأثور في تفسير الآيات نراهم نقلوا عن ابن عباس رضي الله عنه أقوالا منها قوله : كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، ومنها أن الآيات الثلاث في اليهود خاصة ليس في أهل الإسلام منها شيء. وروي عن الشعبي أن الأولى والثانية في اليهود والثالثة في النصارى. وهذا هو الظاهر، ولكن هذا لا ينفي أن ينال هذا الوعيد كل من كان منا مثلهم، وأعرض عن كتابه إعراضهم عن كتبهم، والقرآن عبرة يعبر به العقل من فهم الشيء إلى مثله. وقد ذكرت هذه الآيات عند حذيفة بن اليمان فقال رجل : إن هذا في بني إسرائيل قال حذيفة : نِعْم الاخوة لكم بنو إسرائيل أن كان لكم كل حلوة ولهم كل مرة. كلا والله لتسلكن طريقهم قدّ الشراك ( أي سير النعل ) عزاه في الدار المنثور إلى عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه. قال : وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال : نعم القوم أنتم إن كان ما كان من حلو فهو لكم وما كان من مر فهو لأهل الكتاب. كأنه يرى أن ذلك في المسلمين. وأخرج عبد بن حميد عن حكيم بن جبير أنه سأل سعيد بن جبير عن قوله تعالى : ومن لم يحكم..... ومن لم يحكم..... ومن لم يحكم... قال فقلت : زعم قوم أنها نزلت على بني إسرائيل ولم تنزل علينا. قال : اقرأ ما قبلها وما بعدها، قال : لا، بل نزلت علينا. ثم لقيت مقسما مولى ابن عباس فسألته عن هؤلاء الآيات التي في المائدة، قلت : زعم قوم أنها نزلت على بني إسرائيل ولم تنزل علينا، قال : إنه نزل على بني إسرائيل ونزل علينا، وما نزل علينا وعليهم فهو لنا ولهم. ثم دخلت على علي بن الحسين فسألته ـ وذكر أنه ذكر له ما قاله سعيد ومقسم ـ قال : قالُ صدق، ولكنه كفر ليس ككفر الشرك، وظلم ليس كظلم الشرك، وفسق ليس كفسق الشرك. فلقيت سعيد بن جبير فأخبرته بما قال : فقال سعيد بن جبير لابنه : كيف رأيته ؟ قال : لقد وجدت له فضلا عظيما عليك وعلى مقسم. والمراد أن عدم الحكم بما أنزل الله أو تركه إلى غيره – وهو المراد – لا يعد كفرا بمعنى الخروج من الدين، بل بمعنى أكبر المعاصي.
وأقول : إن قول من قال إن هذه الآيات أو خواتم الآيات نزلت على بني إسرائيل. يراد به أنها نزلت في شأنهم لا أنها من كتابهم، إذ لا شيء يدل على أنها محكية، وإلا فهو خطأ. والأوليان منها في سياق الكلام على اليهود والثالثة في سياق الكلام على النصارى لا يجوز فيها غير ذلك. وعبارتها عامة لا دليل فيها على الخصوصية. ولا مانع يمنع من إرادة الكفر الأكبر في الأولى – وكذا الأخريان – إذا كان الإعراض عن الحكم بما أنزل الله ناشئا عن استقباحه وعدم الإذعان له وتفضيل غيره عليه، وهذا هو المتبادر من السياق في الأولى بمعونة سبب النزول كما رأيت في تصويرنا المعنى.
وإذا تأملت الآيات أدنى تأمل تظهر لك نكتة التعبير بوصف الكفر في الأولى وبوصف الظلم في الثانية وبوصف الفسوق الثالثة، فالألفاظ وردت بمعانيها في أصل اللغة موافقة لاصطلاح العلماء. ففي الآية الأولى كان الكلام في التشريع وإنزال الكتاب مشتملا على الهدى والنور والتزام الأنبياء وحكماء العلماء العمل والحكم به والوصية بحفظه. وختم الكلام ببيان أن كل معرض عن الحكم به لعدم الإذعان به، رغبة عن هدايته ونوره، مؤثرا لغيره عليه، فهو الكافر به، وهذا واضح لا يدخل فيه من لم يتفق له الحكم به أو من ترك الحكم به عن جهالة ثم تاب إلى الله، وهذا هو العاصي بترك الحكم الذي يتحامى أهل السنة القول بتكفيره، والسياق يدل على ما ذكرنا من التعليل.
وأما الآية الثانية فلم يكن الكلام فيها في أصل الكتاب الذي هو ركن الإيمان وترجمان الدين، بل في عقاب المعتدين على الأنفس أو الأعضاء بالعدل والمساواة، فمن لم يحكم بذلك فهو الظالم في حكمه كما هو ظاهر. وأما الآية الثالثة فهي في بيان هداية الإنجيل وأكثرها مواعظ وآداب وترغيب في إقامة الشريعة على الوجه الذي يطابق مراد الشارع وحكمته لا بحسب ظواهر الألفاظ فقط، فمن لم يحكم بهذه الهداية ممن خوطبوا بها فهم الفاسقون بالمعصية والخروج من محيط تأديب الشريعة. ؟
وقد استحدث كثير من المسلمين من الشرائع والأحكام نحو ما استحدث الذين من قبلهم. وتركوا بالحكم بها بعض ما أنزل الله عليهم. فالذين يتركون ما أنزل الله في كتابه من الأحكام من غير تأويل يعتقدون صحته فإنه يصدق عليهم ما قاله الله تعالى في الآيات الثلاث أو في بعضها، كل بحسب حاله. ؟ فمن أعرض عن الحكم بحد السرقة أو القذف أو الزنا غير مذعن له لاستقباحه إياه وتفضيل غيره من أوضاع البشر عليه فهو كافر قطعا. ومن لم يحكم به لعلة أخرى فهو ظالم إن كان في ذلك إضاعة الحق أو ترك العدل والمساواة فيه، وإلا فهو فاسق فقط، إذ لفظ الفسق أعم هذه الألفاظ، فكل كافر وكل ظالم فاسق ولا عكس. وحكم الله العام المطلق الشامل لما ورد فيه النص ولغيره مما يعلم بالاجتهاد والاستدلال هو العدل، فحيثما وجد العدل فهناك حكم الله – كما قال أحد الأعلام-.
ولكن متى وجد النص القطعي الثبوت والدلالة لا يجوز العدول عنه إلى غيره إلا إذا عارضه نص آخر اقتضى ترجيحه عليه كنص رفع الحرج في باب الضروريات، وقد كان مولوي نور الدين مفتحي بنجاب من الهند سأل شيخنا الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى عن أسئلة منها مسألة الحكم بالقوانين الإنكليزية فحولها إلي الأستاذ لأجيب عنها كما كان يفعل في أمثالها أحيانا. وهذا نص جوابي عن مسألة الحكم بالقوانين الإنكليزية في الهند، وهو الفتوى ال ٧٧ من فتاوى المجلد السابع من المنار.
الحكم بالقوانين الإنكليزية في الهند
س ٧٧ : ومنه : أيجوز للمسلم المستخدم عند الإنكليز الحكم بالقوانين الإنكليزية وفيها الحكم بغير ما أنزل الله.
ج : إن هذا السؤال يتضمن مسائل من أكبر مشكلات هذا العصر كحكم المؤلفين للقوانين وواضعيها لحكوماتهم وحكم الحاكمين بها والفرق بين الدار الحرب ودار الإسلام فيها. وإننا نرى كثيرين من المسلمين المتدينين يعتقدون أن قضاة المحاكم الأهلية الذين يحكمون بالقانون كفار أخذا بظاهر قوله تعالى : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [ المائدة : ٤٤ ] ويستلزم الحكم بتكفير القاضي الحاكم بالقانون تكفير الأمراء والسلاطين الواضعين للقوانين، فإنهم وإن لم يكونوا ألفوها بمعارفهم فإنها وضعت بإذنهم وهم الذين يولون الحكام ليحكموا بها ويقول الحاكم من هؤلاء : أحكم باسم الأمير فلان، لأنني نائب عنه بإذنه، ويطلقون على الأمير لفظ ( الشارع ).
أما ظاهر الآية فلم يقل به أحد من أئمة الفقه المشهورين بل لم يقل به أحد قط فإن ظاهرها يتناول من لم يحكم بما أنزل الله مطلقا سواء حكم بغير ما أنزل الله تعالى أم لا. وهذا لا يكفره أحد من المسلمين حتى الخوارج الذين يكفرون الفساق بالمعاصي ومنها الحكم بغير ما أنزل الله. واختلف أهل السنة في الآية فذهب بعضهم إلى أنها خاصة باليهود وهو ما رواه سعيد بن منصور وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال : إنما أنزل الله ومن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ... الظَّالِمُونَ... الْفَاسِقُونَ في اليهود خاصة. وأخرج ابن جرير عن أبي صالح قال : الثلاث الآيات التي في المائدة ( ومن لم يحكم بما أنزل ) الخ ليس في أهل الإسلام منها شيء هي في الكفار. وذهب بعضهم إلى أن الآية الأولى التي فيها الحكم بالكفر للمسلمين والثانية التي فيها الحكم لليهود والثالثة التي فيها الحكم بالفسق للنصارى وهو ظاهر السياق. وذهب آخرون إلى العموم فيها كلها ويؤيده قول حذيفة لمن قال إنها كلها في بني إسرائيل : نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل إن كان لكم كل حلوة ولهم كل مرة، كلا والله لتسلكن سبيلهم قد الشراك : رواه عبد الرزاق وابن جرير والحاكم وصححه. وأول هذا الفريق الآية بتأويلين.
فذهب بعضهم إلى أن الكفر هنا ورد بمعناه اللغوي للتغليظ لا معناه الشرعي الذي هو الخروج من الملة واستدلوا بما رواه ابن المنذر والحاكم وصححه البيهقي في السنن عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال في الكفر الواقع في إحدى الآيات الثلاث : إنه ليس بالكفر الذي تذهبون إليه إنه ليس كفرا ينقل عن الملة، كفر دون كفر.
وذهب بعضهم إلى أن الكفر مشروط بشرط معروف من القواعد العامة وهو أن من لم يحكم بم أنزل الله منكرا له أو راغبا عنه لاعتقاده بأنه ظلم مع علمه بأنه حكم الله أو نحو ذلك مما لا يجامع الإيمان والإذعان. ولعمري أن الشبهة في الأمراء الواضعين للقوانين أشد والجواب عنهم أعسر، وهذا التأويل في حقهم لا يظهر، وأن العقل ليعسر أن يتصور أن مؤمنا مذعنا لدين الله يعتقد أن كتابه يفرض عليه حكما ثم هو يغيره باختياره ويستبدل به حكما آخر بإرادته إعراضا عنه وتفضيلا لغيره عليه ويعتد مع ذلك بإيمانه وإسلامه. والظاهر أن الواجب على المسلمين في مثل هذه الحال مع مثل هذا الحاكم أن يلزموه بابطال ما وضعه مخالفا لحكم الله ولا يكتفوا بعدم مساعدته عليه ومشايعته فيه فإن لم يقدروا فالدار تعتبر دار إسلام فيما يظهر – وللأحكام فيها حكم آخر، وها هنا يجيء سؤال السائل : وقبل الجواب عنه لابد من ذكر مسألة يشتبه الصواب فيها على كثير من المسلمين وهي :
إذا غلب العدو على بعض بلاد المسلمين وامتنعت عليهم الهجرة فهل الصواب أن يتركوا له جميع الأحكام ولا يتولوا له عملا أم لا ؟ يظن بعض الناس أن العمل للكافر لا يحل بحال. والظاهر لنا أن المسلم الذي يعتقد أنه لا ينبغي أن يحكم المسلم إلا المسلم، وأن جميع الأحكام يجب أن تكون موافقة لشريعته وقائمة على أصولها العادلة ينبغي له أن يسعى في كل مكان بإقامة ما يستطيع إقامته من هذه الأحكام، وأن يحول دون تحكم غير المسلمين بالمسلمين بقدر الإمكان. وبهذا القصد يجوز له أو يجب عليه أن يقبل العمل في دار الحرب إلا إذا علم أن عمله يضر المسلمين ولا ينفعهم، بل يكون نفعه محصورا في غيرهم، ومعينا للمتغلب على الإجهاز عليهم. وإذا هو تولى لهم العمل وكلف الحكم بقوانينهم فماذا يفعل وهو مأمور بأن يحكم بما أنزل الله ؟
أقول : إن الأحكام المنزلة من الله تعالى منها ما يتعلق بالدين نفسه كأحكام العبادات وما في معناها كالنكاح والطلاق وهي لا تحل مخالفتها بحال، ومنها ما يتعلق بأمر الدنيا كالعقوبات والحدود والمعاملات المدنية، والم



هذه الآيات من سياق التي قبلها والتي بعدها، والغرض منها بيان كون التوراة كانت هداية لبني إسرائيل فأعرضوا عن العمل بها لما عرض لهم من الفساد، وبيان مثل ذلك في الإنجيل وأهله، ثم الانتقال من ذلك إلى ما سيأتي من ذكر القرآن ومزيته وحكمة ذلك. ومنه يعلم أن العبرة بالاهتداء بالدين وأنه لا ينفع أهل الانتماء إليه إذا لم يقيموه، إذ لا يستفيدون من هدايته ونوره، بإقامته والعمل به. وأن إيثار أهل الكتاب أهواءهم على هداية دينهم، هو الذي أعماهم عن نور القرآن والاهتداء به.

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير