ويقول سبحانه بعد ذلك :
إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشوني ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون( ٤٤ ) :
الهدى هو الطريق أو الدرب الموصل للغاية، وتأتي على الطريق أحقاب الليل والنهار، فالطريق مظلم ليلا، وقد تعترض السائر فيه عقبات، أو قد لا يمشي السائر في سواء السبيل أي وسط الطريق، فيقع في حفرة أو يصطدم بحجر.
ويوضح الحق هنا : لقد صنعت لكم الدرب وأنرته لكم حتى لا تصطدموا بشيء أو تأتي لكم عقبات وتمثل ذلك المنهج الذي جاء به موكب الرسل كلهم وقديما كان العالم مفككا، متناثر الجماعات فلا توجد مواصلات وتعيش كل جماعة في انعزال وشبه استقلال فإن حصلت داءات في بقعة ما تظل محصورة في هذه البقعة، ويأتي رسول ليعالج هذه الداءات، فهذا يعالج أمر عبادة الأصنام وذلك يعالج مسألة الكيل والميزان، وثالث يعالج الأمور المنظمة للحياة الزوجية عند اليهود.
هذه الداءات كانت متعددة بتعدد الجهات، وعندما أراد الحق سبحانه أن يبصر الناس بأسرار كونه ليستنبطوا منها ما يقرب المسافات ويمنع المشقات لتلتقي الأمم وعندما تلتقي الأمم لا يوجد فصل بين الداءات فالداء الواحد يحصل في الشرق لينتقل إلى الغرب، وكأن الداءات تتحد في العالم أيضا.
إذن لا بد أن يجيء الرسول الجامع ليعالج الداءات كلها، فيأتي صلى الله عليه وسلم الجامع المانع، فإذا ما قال الحق : إنه أنزل التوراة فيها هدى ونور فالإنجيل أيضا فيه هدى ونور، وكل هدى ونور في أي كتاب إنما هو للداءات الموجودة في البيئة المنعزلة مثال ذلك أن سيدنا إبراهيم كان موجودا، ومعه في الزمن نفسه سيدنا لوط، وها هو ذا سيدنا موسى كان موجودا وكذلك سيدنا شعيب إذن كانت الرسل تتعاصر في بعض الأحيان لأن كلا منهم يعالج داء معينا، وهكذا كانت الرسالات تأتي محدودة الزمان ومحدودة المكان.
أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد بعثه الله للناس كافة بكل أجناسهم وتقوم على منهجه الساعة، لذلك لم تعد الأرض في حاجة إلى رسول آخر، وصار من المنطقي أن يكون هو الرسول الخاتم.
" إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا " لماذا إذن يأتي الحق بإسلام الأنبياء هنا ؟ جاء سبحانه بأمر إسلام الأنبياء تشريفا للإسلام لأنه جوهر منهج كل نبي.
إننا نجد الشعراء يتفننون في هذا المعنى :
ما إن مدحت محمدا بمقالتي **** لكن مدحت مقالتي بمحمد
والشاعر الآخر يقول :
قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم **** كلا لعمري ولكن منه شيبان
فالقبيلة بالنسبة لأبي الصقر هي التي تنتسب إليه وليس هو الذي ينتسب إليها
ويردف قائلا :
وكم أب قد علا بابن ذرا شرف **** كما علا برسول الله عدنان
إذن فالنبيون عندما يصفهم الحق بأنهم أسلموا، إنما يريد الحق أن يشرف الإسلام بأن النبيين أسلموا قيادهم وزمامهم إلى الله لأنهم وجدوه الخير لهم، وإسلام النبيين هو الإسلام بمعناه الكامل، أي هو الانصياع لأوامر الله فكلما فكر النبي منهم في أن هناك شرا سيأتي له بسبب دعوته، أو أن يضطهده أحد، أو يحلو لأحد أن يسيء إليه فهو يسلم أمر الله، لأن الرسول منهم إنما يقول كلمة الحق ولا يبالي بما يحدث بعدها.
" يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا " وهم يحكمون بالتوراة بين الذين هادوا أي من يهود، وكذلك يحكم بها الربانيون والأحبار، والرباني منسوب للرب، أي أن كل تصرفاته منسوبة إلى الله والأحبار هم العلماء حملة أوعية العلم، لكن هل ينفذونه أو لا ينفذونه فهذا شيء آخر، صحيح أن كل عالم وعاء علم، لكن قد ينتفع هو بعلمه، وقد لا ينتفع لكنه ينقل علمه إلى من ينتفع به ولذلك يقول أحد العلماء :
فخذ بعلمي ولا تركن إلى عملي **** واجن الثمار وخل العود للنار
فلا تقل إن هذا العالم يقول لنا كذا وكذا ونراه في تصرفاته عكس ما يقول، لأن عليك أن تأخذ ثمرة العلم، واترك العود للنار، ولكن على العالم أن يكون أول من يمتثل ويطبق ما يقوله حتى لا يعذب ولا يدخل تحت قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ".
" والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله " وعرفنا أن التوراة فيها نور وهدى ويحكم بها النبيون والربانيون والأحبار بالوسيلة التي طلب الله منهم أن يحفظوها وبما طلبه رسولهم منهم أن يحفظوا هذه التوراة وقال الحق : " استحفظوا " ولم يقل : " حفظوا " ليبين لنا الفارق بين كل كتاب سابق للقرآن وبين القرآن، لأننا عرفنا أن كل رسول قد جاء بمعجزة تدل على أنه صادق البلاغ عن الله.
ولكل الرسل من السابقين على رسول الله معجزة منفصلة عن المنهج مثال ذلك سيدنا موسى فمعجزته العصا وفلق البحر، أما منهجه فهو التوراة وسيدنا عيسى معجزته إبراء الأكمه والأبرص، والمنهج الذي جاء به هو الإنجيل أما سيدنا رسول الله فمعجزته هي عين منهجه وهي القرآن، وكان الأمر الموجود بالنسبة لكل رسول مرتبطا بزمانه وجماعته ومحتاجا إلى معجزة مناسبة ومنهج مناسب لكن الرسول الذي أرسله الله إلى الناس جميعا وخاتما للأنبياء لا بد أن تظل معجزته عين منهجه بحيث يستطيع أي مسلم أن يقول حتى قيام الساعة : محمد رسول الله وهذه معجزته وهي عين منهجه.
وسيظل القرآن معجزة ظاهرة إلى أن تقوم الساعة، لأن الله أرادها مختلفة عن بقية المناهج والمعجزات فالمعجزات السابقة كانت كعود الثقاب الذي يشتعل مرة واحدة، فمن رآه لحظة الاشتعال فالأمر بالنسبة إليه واضح أما من لم يره فهو لن يصدق تلك المعجزة إلا أن يخبره من يصدقه وقد استحفظ الله الربانيين والأحبار بالتوراة أي طلب منهم أن يحفظوها وكان هذا أمرا تكليفيا والأمر التكليفي عرضة لأن يطاع وعرضة لأن يعصى واستحفظهم الله التوراة والإنجيل : فنسوا حظا مما ذكروا به ( من الآية١٤سورة المائدة ).
وصار أمر المنهج منسيا وليس على بالهم كثيرا لأن الأمر إذا توارد على البال واستقر بعيدا دائما في بؤرة الشعور يظل في الذهن لكن النسيان يأتي عندما يكون الأمر بعيدا عن البال.
والحق طلب منهم أن يحفظوا المنهج ولكنهم ما عدا النبيين لم ينفذوا وكل أمر تكليفي يدخل في دائرة الاختيار ولذلك نجد أن الأحبار والربانيين قد نسوا، وما لم ينسوه كتموه وأول مرحلة من مراحل عدم الحفظ أنهم نسوا والمرحلة الثانية هي كتمان ما لم ينسوه والثالثة هي : ما لم يكتموه حرفوه ولووا به ألسنتهم ويا ليتهم اقتصروا على هذه المراحل فقط، ولكنهم جاءوا بأشياء وقالوا : هي من عند الله وهي ليست من عند الله : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ( من الآية٧٩سورة البقرة ).
إذن فالحفظ منهم لم يتم، لذلك لم يدع الله القرآن للحفظ بطريق التكليف لأنه سبحانه اختبر البشر من قبل، ولأنه أراد القرآن معجزة باقية لذلك لم يكل الله سبحانه أمر حفظه إلى الخلق، ولكنه تكفل سبحانه بأمر حفظ القرآن : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون( ٩ ) ( سورة الحجر ).
ومصداق هذا النص، أن بعضا من المسلمين أسرفوا على أنفسهم في هجر منهج الإسلام ومنهج القرآن إلا أنك تجد عجبا، فبمقدار بعدهم عن منهج الإسلام تطبيقا يحافظون على القرآن تحقيقا فيكتبون القرآن بكل ألوان الكتابة وبكافة الأحجام، فهناك حجم ذهبي ترتديه النساء في صدورهن وحجم يوضع في اليد، وبعد ذلك نجد الكفرة أنفسهم يخترعون طريقة لكتابة القرآن في صفحة واحدة.
إذن فالله يسخر لحفظ القرآن حتى من لم يكن مسلما وتلك خواطر من الله، ونحن نرى كل يوم من يبتعدون بسلوكهم عن المنهج لكنهم يرصدون المال لحفظ القرآن ونجد القرآن محققا بألف وسيلة حفظ، الرجل يضع في سيارته مصحفا، وفي حجرة نومه مصحفا وقد تكون المرأة سافرة وصدرها مكشوف ولكنها تعلق مصحفا ذهبيا وهذا يثبت لنا أن حفظ القرآن ليس أمرا تكليفيا بل هو إرادة الله.
فلو كان الأمر تكليفيا لكان نسيان القرآن واردا، لأن المسلمين ابتعدوا في بعض أمورهم عنه كمنهج، ويناسب ذلك أن ينفصلوا عنه حفظا ولكن الأمر صار بالعكس على الرغم من بعد المسلمين عن المنهج، لكن حفظ القرآن لا يقل أبدا، ومن العجيب أن الكثيرين من المسرفين على أنفسهم إن سمع واحد منهم أن شيئا يمس المصحف يقيم الدنيا ويقعدها فالمسألة ليست مسألته ولكنها مسألة الحافظ جل شأنه، وإن حدث أي تحريف يسير في القرآن من أعداء الإسلام نجد أمة الإسلام تقف وقفة رجل واحد ولقد أراد بعض المدلسين أن يدسوا على القرآن ما ليس فيه وجاءوا إلى آية في سورة الفتح وهي :
محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ( من الآية٢٩سورة الفتح ).
وقالوا : محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم " وكأنهم يرغبون في زيادة التكريم لرسول الله، فلما عرف المسلمون ذلك قامت ضجة وأحرقوا تلك المصاحف ومنع المسلمون التحريف مهما كان باب الدخول إليه.
" فلا تخشوا الناس واخشوني " والخشية : خوف متوهم ممن تظن أنه قادر على الضر، ولا أحد غير الله قادر على النفع والضر، لذلك لا يصح أن يخاف الإنسان من سواه إما أن تظن أن السلطان أو القريب منه قادر على الضر فهذا أمر غير صحيح وليخش كل إنسان الحق سبحانه وهو جل وعلا نصحنا أن تكون الخشية منه دون سواه.
وإن غير أحد أحكام المنهج من أجل السلطان أو أقارب السلطان أو أصدقاء السلطان فذلك عين الفساد، والآفات والشرور تأتي من ذلك بل قد لا يدري السلطان شيئا عن ذلك وقد يتدخل قريب للسلطان دون علم السلطان ليطلب من العلماء تغيير بعض المنهج ولا يستسلم له إلا الضعاف منهم، وقد فطن سيدنا عمر رضي الله عنه إلى هذا الأمر فقال : إن الفساد قد لا يأتي من السلطان، ولكن من الذين حول السلطان.
والخشية هنا تكون من غير الله، ولذلك كان سيدنا عمر يجمع أقاربه والملتفين حوله ويقول لهم : لقد اعتزمت أن أصدر كذا وكذا فوالذي نفسي بيده من خالفني منكم إلى شيء من هذا جعلت نكالا للمسلمين.
هذا هو أسلوب من أراد أن يخدم ويحكم ويحمل أوزارا، ونرى صور الفساد إنما جاءت نتيجة مخالفة القاعدة الحكيمة : " فلا تخشوا الناس واخشون ".
ويتابع الحق من بعد ذلك : " ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا " وثمن آيات الله مهما بولغ في تقييمها فلن يتجاوز نفعه هذه الدنيا، لأن الدنيا كما قلنا سابقا لا تقاس بعمرها الحقيقي أي إلى أن يفني الله البشر، وإنما دنيا كل حي تقاس بعمره فيها.
فهب أن الحياة طالت لملايين السنين فما نفع الفرد المحدود العمر بهذه الملايين من السنين ؟ إذن فدنيا كل إنسان هي مقدار عمره في الحياة، وعمر الفرد في الدنيا له حد محدود غير معروف لأحد غير الله، فلكل أجل كتاب، ولذلك تجد واحدا يعيش متوسط الأعمار وهو سبعون عاما، ويختلف العمر من إنسان إلى آخر، وقد يموت آخر عند الستين وثالث يموت في الأربعين ورابع يموت في المائة، وخامس يموت وهو طفل رضيع.
إذن فدنيا الفرد قد تكون لحظة ومادامت مسألة العمر لا يحكمها زمن ولا يحكمها سبب فهي إذن بإرادة الحق غيب.
وأقضية الموت في
تفسير الشعراوي
الشعراوي