( ١ ) الربانيون : نسبة إلى الرب. وهي بمعنى رجال الله وعلماء كتابه.
( ٢ ) الأحبار : الفقهاء أو القضاة، والحبر هو العالم الفقيه.
إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ ( ١ ) وَالأَحْبَارُ ( ٢ ) بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ( ٤٤ ) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ( ٣ ) فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( ٤٥ ) ( ٤٤ – ٤٥ ).
تعليق على الآية :
إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ.................. الخ
والآية التالية لها وما ينطوي فيهما من أحكام
وتمحيص قاعدة ( شرع ما قبلنا شرع لنا ) وما ورد
في صدد القصاص والجروح من أحاديث وأقوال
عبارة الآيتين واضحة. وقد تضمنت أولاهما :
( ١ ) تقريرا بأن الله تعالى قد أنزل التوراة فيها هدى ونور. وأوجب على النبيين والربانيين والأحبار المنقادين المسلمين إليه أن يحكموا بين اليهود بموجب ما فيها من شرائع وأحكام ؛ حيث صاروا عليها بما نالوه من علم ووصلوا إليه من مرتبة حفاظا وشهداء. وأن لا يخافوا من أحد غير الله و أن لا يبيعوا آياته وأحكامه بالثمن البخس.
( ٢ ) وإيذانا بأن من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر به لا تصح منه دعوى الإيمان.
وقد تضمنت ثانيتهما :
( ١ ) تقرير بأن الله كتب على اليهود في التوراة قصاص النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن وقصاص الجروح الأخرى جروحا مماثلة لها.
( ٢ ) وإيذانا بأن العفو جائز. وهو بمثابة صدقة يتقرب بها الذي يعفو إلى الله. وأن من يعفو عن شيء من حقه في القصاص يكون عفوه كفارة عن ذنوبه.
( ٣ ) وإيذانا مكررا من الله بأن من لم يحكم بما أنزل الله فهو ظالم بانحرافه عن حدوده وشرائعه.
ولقد روى الطبري عن الزهري أن الآية الأولى نزلت في صدد مراجعة اليهود في قضية الزنا حينما رفعت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ويلحظ أن الآية ليست وحدها وأنها منسجمة مع الآية التي بعدها التي تذكر أحكام الدماء دون الزنا. ثم بما بعدها من الآيات التي تذكر الإنجيل، ثم القرآن كسلسلة واحدة ؛ حيث يتبادر أكثر أنها استمرار للسياق السابق على سبيل البيان والاستطراد. ونرجح أن الآيتين نزلتا مع الآيات السابقة أو عقبهما مباشرة. وروحهما تلهم بقوة كما قلنا قبل أن القضية التي أراد اليهود التقاضي فيها عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ونشأ عنها المشهد الذي احتوته الآيات السابقة هي قضية دم. وأنهما استهدفتا تقرير كون حكم الله في قضايا الدم واضح في التوراة وكون واجب علماء اليهود وحكامهم هو الحكم بها وعدم الانحراف عنها والرضاء بذلك إذا حكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينهم بها. والتنديد بهم لمحاولتهم الانحراف عن أحكام الله وإهمالها.
والعبارة القرآنية صريحة بأن الأحكام التي فيها قد كتبت على اليهود في التوراة، وقد تؤيد هذه العبارة والآيات السابقة كما قلنا : إن سفر التوراة الذي سجل موسى عليه السلام فيه ما بلغه الله إياه من وصايا وأحكام كان موجودا في أيدي اليهود. وفي سفري الخروج والأحبار من الأسفار المتداولة اليوم التي تحكي كثيرا مما بلغه الله تعالى لموسى من وصايا وأحكام أحكام مماثلة لما جاء في العبارة القرآنية مع مغايرة يسيرة ؛ حيث يمكن أن يقال : إن كتاب السفرين استقوا ما كتبوه من سفر توراة موسى. وقد ورد في الإصحاح ( ٢١ ) من سفر الخروج من جملة الأحكام المبلغة لموسى ( نفس بنفس وعين بعين وسن بسن ورجل برجل وكي بكي وجراحة بجراحة ورض برض ) وورد في الإصحاح ( ٢٤ ) من سفر الأحبار تبليغا عن الله كذلك ( من قتل إنسانا يقتل قتلا. أي إنسان أحدث عيبا في قريبه فليصنع به كما صنع الكسر بالكسر والعين بالعين والسن بالسن كالعيب الذي يحدثه في الإنسان يحدثه معه ).
واستتباعا لما استلهمناه من الآيات السابقة بأن القرآن جعل لأهل الكتاب في السلطان الإسلامي أن يتقاضوا فيما بينهم وفق ما عندهم من شرائع يمكن القول : إن الآيات التي نحن في صددها قد تكون انطوت على تلقين للسلطان الإسلامي بإجبار اليهود الذين يكونون في نطاق حكمه معاهدين وذميين على التقاضي وفقا لأحكام التوراة إذا ما أرادوا التقاضي عند قضاتهم وأحبارهم وربانييهم.
وقد يقال : وكيف يعرف السلطان الإسلامي أحكام التوراة وسفر التوراة الذي كتبه موسى عن الله مفقود ؟ وهذا سؤال وجيه غير أن الأسفار التي تعود إلى حقبة موسى، وهي الخروج والأحبار والعدد والتثنية احتوت كثيرا من الأحكام والتشريعات محكية عن موسى عن الله ؛ حيث يمكن أن يكون كتابها استقوها من سفر التوراة قبل فقده مهما كان شابها تحريف وتبديل. ويتبادر هنا أن حكمة الله بعد أن اقتضت جعل اليهود مخيرين وأوجبت على أحبارهم وربانييهم أن يحكموا بينهم وفاقا لأحكام التوراة صار من السائغ أن يقال : إنه لا مانع من ترك الأمر في تطبيق ما في أيديهم من أسفار فيها أحكام وتشريعات محكية عن موسى عن الله تعالى دون أحكام خارجة عن نطاقها والله تعالى أعلم.
هذا، وفي كتب التفسير أقوال متنوعة في صدد ما في الآيتين من معان وأحكام وفي صدد تطبيق ذلك أو ما في بابه على المسلمين.
فأولا : في صدد جملة : يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ روى الطبري عن السدي أنها تعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وروى عن قتادة حديثا مرفوعا جاء فيه :( إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول لما نزلت هذه الآية : نحن نحكم على اليهود وعلى من سواهم من أهل الكتاب ). وروى إلى هذا عن الزهري وعكرمة أنها تعني النبيين جميعا ومنهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقال الطبري : إن أولى الأقوال بالصواب عندي أن الله أخبر أن التوراة يحكم بها مسلمو الأنبياء والأحبار لليهود. ونزيد على هذا أن روح الآيتين وفحواهما قويا للدلالة على أن المقصود هم أنبياء بني إسرائيل. وأن الآية بسبيل حكاية ما كان وما ينبغي أن يكون بالنسبة لليهود. والله أعلم.
وثانيا : في صدد جملة : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ وجملة : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وجملة : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ والجملتان الأخيرتان وردتا في آيات تأتي بعد هذه الآيات فقد روى الطبري عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنها كلها في الكافرين. وعن أبي مجلز والضحاك وعكرمة وغيرهم أن المقصود بها أهل الكتاب أو الكفار أو المشركون. وعن الشعبي أن الجملة الأولى في المسلمين والثانية في اليهود والثالثة في النصارى. وعن الحسن أنها وإن كانت في اليهود والنصارى فهي واجبة علينا. وعن ابن عباس أن من لم يحكم بما أنزل الله جاحدا فهو كافر، وإن كان غير جاحد فهو ظالم وفاسق.
وحديث البراء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس من الصحاح والأقوال الأخرى اجتهادية. وقد قال الطبري : إن أولاها بالصواب قول من قال : إنها نزلت في أهل الكتاب ؛ لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات نزلت فيهم وهم المعنيون بها.
ومع ما في تصويب الطبري من وجاهة مستمدة من سياق الآيات، فإن نظم الجمل يجعلها عامة الشمول لكل من لم يحكم بما أنزل الله. ويدخل في ذلك المسلمون أيضا كما هو المتبادر. ولقد روى الطبري عن ابن عباس وغيره أن الكفر والظلم والفسق في الجمل الثلاث هي كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق وأنها ليست بمعنى خروج عن الملة ؛ حيث يفيد هذا أن المؤولين في الصدر الأول اعتبروا الجمل مطلقة وخرجوها بهذا التخريج، وهو تخريج وجيه دون ريب.
ومهما يكن من أمر فإنه يتبادر لنا أولا : أن الجملة جاءت في مقام تعظيم جريمة إهمال الحكم بما أنزل الله، وأعظم بذلك جريمة. وثانيا : أن خروج من لم يحكم بما أنزل الله من الملة منوط بأن يكون جاحدا لما أنزل الله مستحلا لمخالفته، فإن لم يكن ذلك فيكون قد اقترف كبيرة دون أن يخرج من الملة. وهذا متسق مع ما قاله ابن عباس وأوردناه قبل. وقد يصح أن يضاف إلى ذلك أن هذا أيضا يكون إذا كان الإهمال مقصورا، ولم يكن للمهمل الذي يظهر إسلامه ولم يجحد ما أنزل الله تأويل أو تخريج لهذا الإهمال. والله تعالى أعلم.
وثالثا : في صدد جملة : فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ . فقد روى الطبري عن عبد الله بن عمرو وجابر بن زيد من طرق عديدة أنها بمعنى أن عفو المجروح عن جارحه هو كفارة عن ذنوبه. وروى أقوالا معزوة إلى ابن عباس ومجاهد أنها بمعنى أن عفو المجروح عن جارحه هو كفارة للجارح بمعنى مسقط للقصاص والدية عنه، والمتبادر أن القول الأول هو الأوجه. فالضمير ينبغي أن يعود إلى الأقرب وهو فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ . أو الذي يعفو وعفو المجني عليه مسقط لتبعة الجاني بطبيعة الحالة قصاصا كانت أم عقلا. فلا محل للقول الثاني من هذه الناحية. وهناك أحاديث نبوية تأتي بعد قليل فيها حث على العفو وبشرى للذين يعفون بغفران ذنوبهم، وكون عفوهم كفارة لهم مما فيه تأييد للقول الأول.
ورابعا : في صدد ما إذا كانت الآية الثانية هي المستند لقصاص الأطراف والجروح في الإسلام على قاعدة ( شرع ما قبلنا شرع لنا ) أم لا. والمستفاد من أقوال المفسرين، ولا سيما ابن كثير والخازن أن من الأصوليين والفقهاء من قال : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتعبد بشرائع الكتب السماوية السابقة، وإن ما لم ينسخه القرآن والسنة من هذه الشرائع هو شرع للمسلمين، ووضعوا قاعدة :( شرع ما قبلنا شرع لنا ) وقالوا بالتبعية : إن الآية هي مستند قصاص الأطراف والجروح في الإسلام. وهناك من أنكر ذلك وقال : إن ما ورد في الآية هو إخبار بما كتب الله على بني إسرائيل، وإن المسلمين مقيدون بما أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تشريع خاص وبما صدر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تشريع خاص، سواء أكان فيه إقرار ومطابقة لما في الكتب السماوية السابقة أم نسخ له.
والذي يتبادر لنا أن الرأي الثاني هو الأوجه والأكثر اتساقا مع روح الآيات وسياقها ومناسبتها وهدفها، بل ومضمونها أيضا إذا ما أنعم النظر فيها. ويلفت النظر خاصة إلى جملة : يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وإلى جملة : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا حيث تدلان بصراحة على خصوصية الأحكام بالنسبة لليهود فقط. وفي نصوص الآيات التي تأتي بعد قليل دلائل قوية على وجاهة هذا الرأي أيضا على ما سوف نشرحه بعد. ومن الجدير بالذكر والتنبيه في هذا المقام أن في الأسفار الأربعة ( الخروج والعدد والأحبار وتثنية الاشتراع ) من أسفار العهد القديم نصوصا كثي
إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ ( ١ ) وَالأَحْبَارُ ( ٢ ) بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ( ٤٤ ) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ( ٣ ) فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( ٤٥ ) ( ٤٤ – ٤٥ ).
تعليق على الآية :
إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ.................. الخ
والآية التالية لها وما ينطوي فيهما من أحكام
وتمحيص قاعدة ( شرع ما قبلنا شرع لنا ) وما ورد
في صدد القصاص والجروح من أحاديث وأقوال
عبارة الآيتين واضحة. وقد تضمنت أولاهما :
( ١ ) تقريرا بأن الله تعالى قد أنزل التوراة فيها هدى ونور. وأوجب على النبيين والربانيين والأحبار المنقادين المسلمين إليه أن يحكموا بين اليهود بموجب ما فيها من شرائع وأحكام ؛ حيث صاروا عليها بما نالوه من علم ووصلوا إليه من مرتبة حفاظا وشهداء. وأن لا يخافوا من أحد غير الله و أن لا يبيعوا آياته وأحكامه بالثمن البخس.
( ٢ ) وإيذانا بأن من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر به لا تصح منه دعوى الإيمان.
وقد تضمنت ثانيتهما :
( ١ ) تقرير بأن الله كتب على اليهود في التوراة قصاص النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن وقصاص الجروح الأخرى جروحا مماثلة لها.
( ٢ ) وإيذانا بأن العفو جائز. وهو بمثابة صدقة يتقرب بها الذي يعفو إلى الله. وأن من يعفو عن شيء من حقه في القصاص يكون عفوه كفارة عن ذنوبه.
( ٣ ) وإيذانا مكررا من الله بأن من لم يحكم بما أنزل الله فهو ظالم بانحرافه عن حدوده وشرائعه.
ولقد روى الطبري عن الزهري أن الآية الأولى نزلت في صدد مراجعة اليهود في قضية الزنا حينما رفعت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ويلحظ أن الآية ليست وحدها وأنها منسجمة مع الآية التي بعدها التي تذكر أحكام الدماء دون الزنا. ثم بما بعدها من الآيات التي تذكر الإنجيل، ثم القرآن كسلسلة واحدة ؛ حيث يتبادر أكثر أنها استمرار للسياق السابق على سبيل البيان والاستطراد. ونرجح أن الآيتين نزلتا مع الآيات السابقة أو عقبهما مباشرة. وروحهما تلهم بقوة كما قلنا قبل أن القضية التي أراد اليهود التقاضي فيها عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ونشأ عنها المشهد الذي احتوته الآيات السابقة هي قضية دم. وأنهما استهدفتا تقرير كون حكم الله في قضايا الدم واضح في التوراة وكون واجب علماء اليهود وحكامهم هو الحكم بها وعدم الانحراف عنها والرضاء بذلك إذا حكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينهم بها. والتنديد بهم لمحاولتهم الانحراف عن أحكام الله وإهمالها.
والعبارة القرآنية صريحة بأن الأحكام التي فيها قد كتبت على اليهود في التوراة، وقد تؤيد هذه العبارة والآيات السابقة كما قلنا : إن سفر التوراة الذي سجل موسى عليه السلام فيه ما بلغه الله إياه من وصايا وأحكام كان موجودا في أيدي اليهود. وفي سفري الخروج والأحبار من الأسفار المتداولة اليوم التي تحكي كثيرا مما بلغه الله تعالى لموسى من وصايا وأحكام أحكام مماثلة لما جاء في العبارة القرآنية مع مغايرة يسيرة ؛ حيث يمكن أن يقال : إن كتاب السفرين استقوا ما كتبوه من سفر توراة موسى. وقد ورد في الإصحاح ( ٢١ ) من سفر الخروج من جملة الأحكام المبلغة لموسى ( نفس بنفس وعين بعين وسن بسن ورجل برجل وكي بكي وجراحة بجراحة ورض برض ) وورد في الإصحاح ( ٢٤ ) من سفر الأحبار تبليغا عن الله كذلك ( من قتل إنسانا يقتل قتلا. أي إنسان أحدث عيبا في قريبه فليصنع به كما صنع الكسر بالكسر والعين بالعين والسن بالسن كالعيب الذي يحدثه في الإنسان يحدثه معه ).
واستتباعا لما استلهمناه من الآيات السابقة بأن القرآن جعل لأهل الكتاب في السلطان الإسلامي أن يتقاضوا فيما بينهم وفق ما عندهم من شرائع يمكن القول : إن الآيات التي نحن في صددها قد تكون انطوت على تلقين للسلطان الإسلامي بإجبار اليهود الذين يكونون في نطاق حكمه معاهدين وذميين على التقاضي وفقا لأحكام التوراة إذا ما أرادوا التقاضي عند قضاتهم وأحبارهم وربانييهم.
وقد يقال : وكيف يعرف السلطان الإسلامي أحكام التوراة وسفر التوراة الذي كتبه موسى عن الله مفقود ؟ وهذا سؤال وجيه غير أن الأسفار التي تعود إلى حقبة موسى، وهي الخروج والأحبار والعدد والتثنية احتوت كثيرا من الأحكام والتشريعات محكية عن موسى عن الله ؛ حيث يمكن أن يكون كتابها استقوها من سفر التوراة قبل فقده مهما كان شابها تحريف وتبديل. ويتبادر هنا أن حكمة الله بعد أن اقتضت جعل اليهود مخيرين وأوجبت على أحبارهم وربانييهم أن يحكموا بينهم وفاقا لأحكام التوراة صار من السائغ أن يقال : إنه لا مانع من ترك الأمر في تطبيق ما في أيديهم من أسفار فيها أحكام وتشريعات محكية عن موسى عن الله تعالى دون أحكام خارجة عن نطاقها والله تعالى أعلم.
هذا، وفي كتب التفسير أقوال متنوعة في صدد ما في الآيتين من معان وأحكام وفي صدد تطبيق ذلك أو ما في بابه على المسلمين.
فأولا : في صدد جملة : يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ روى الطبري عن السدي أنها تعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وروى عن قتادة حديثا مرفوعا جاء فيه :( إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول لما نزلت هذه الآية : نحن نحكم على اليهود وعلى من سواهم من أهل الكتاب ). وروى إلى هذا عن الزهري وعكرمة أنها تعني النبيين جميعا ومنهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقال الطبري : إن أولى الأقوال بالصواب عندي أن الله أخبر أن التوراة يحكم بها مسلمو الأنبياء والأحبار لليهود. ونزيد على هذا أن روح الآيتين وفحواهما قويا للدلالة على أن المقصود هم أنبياء بني إسرائيل. وأن الآية بسبيل حكاية ما كان وما ينبغي أن يكون بالنسبة لليهود. والله أعلم.
وثانيا : في صدد جملة : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ وجملة : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وجملة : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ والجملتان الأخيرتان وردتا في آيات تأتي بعد هذه الآيات فقد روى الطبري عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنها كلها في الكافرين. وعن أبي مجلز والضحاك وعكرمة وغيرهم أن المقصود بها أهل الكتاب أو الكفار أو المشركون. وعن الشعبي أن الجملة الأولى في المسلمين والثانية في اليهود والثالثة في النصارى. وعن الحسن أنها وإن كانت في اليهود والنصارى فهي واجبة علينا. وعن ابن عباس أن من لم يحكم بما أنزل الله جاحدا فهو كافر، وإن كان غير جاحد فهو ظالم وفاسق.
وحديث البراء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس من الصحاح والأقوال الأخرى اجتهادية. وقد قال الطبري : إن أولاها بالصواب قول من قال : إنها نزلت في أهل الكتاب ؛ لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات نزلت فيهم وهم المعنيون بها.
ومع ما في تصويب الطبري من وجاهة مستمدة من سياق الآيات، فإن نظم الجمل يجعلها عامة الشمول لكل من لم يحكم بما أنزل الله. ويدخل في ذلك المسلمون أيضا كما هو المتبادر. ولقد روى الطبري عن ابن عباس وغيره أن الكفر والظلم والفسق في الجمل الثلاث هي كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق وأنها ليست بمعنى خروج عن الملة ؛ حيث يفيد هذا أن المؤولين في الصدر الأول اعتبروا الجمل مطلقة وخرجوها بهذا التخريج، وهو تخريج وجيه دون ريب.
ومهما يكن من أمر فإنه يتبادر لنا أولا : أن الجملة جاءت في مقام تعظيم جريمة إهمال الحكم بما أنزل الله، وأعظم بذلك جريمة. وثانيا : أن خروج من لم يحكم بما أنزل الله من الملة منوط بأن يكون جاحدا لما أنزل الله مستحلا لمخالفته، فإن لم يكن ذلك فيكون قد اقترف كبيرة دون أن يخرج من الملة. وهذا متسق مع ما قاله ابن عباس وأوردناه قبل. وقد يصح أن يضاف إلى ذلك أن هذا أيضا يكون إذا كان الإهمال مقصورا، ولم يكن للمهمل الذي يظهر إسلامه ولم يجحد ما أنزل الله تأويل أو تخريج لهذا الإهمال. والله تعالى أعلم.
وثالثا : في صدد جملة : فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ . فقد روى الطبري عن عبد الله بن عمرو وجابر بن زيد من طرق عديدة أنها بمعنى أن عفو المجروح عن جارحه هو كفارة عن ذنوبه. وروى أقوالا معزوة إلى ابن عباس ومجاهد أنها بمعنى أن عفو المجروح عن جارحه هو كفارة للجارح بمعنى مسقط للقصاص والدية عنه، والمتبادر أن القول الأول هو الأوجه. فالضمير ينبغي أن يعود إلى الأقرب وهو فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ . أو الذي يعفو وعفو المجني عليه مسقط لتبعة الجاني بطبيعة الحالة قصاصا كانت أم عقلا. فلا محل للقول الثاني من هذه الناحية. وهناك أحاديث نبوية تأتي بعد قليل فيها حث على العفو وبشرى للذين يعفون بغفران ذنوبهم، وكون عفوهم كفارة لهم مما فيه تأييد للقول الأول.
ورابعا : في صدد ما إذا كانت الآية الثانية هي المستند لقصاص الأطراف والجروح في الإسلام على قاعدة ( شرع ما قبلنا شرع لنا ) أم لا. والمستفاد من أقوال المفسرين، ولا سيما ابن كثير والخازن أن من الأصوليين والفقهاء من قال : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتعبد بشرائع الكتب السماوية السابقة، وإن ما لم ينسخه القرآن والسنة من هذه الشرائع هو شرع للمسلمين، ووضعوا قاعدة :( شرع ما قبلنا شرع لنا ) وقالوا بالتبعية : إن الآية هي مستند قصاص الأطراف والجروح في الإسلام. وهناك من أنكر ذلك وقال : إن ما ورد في الآية هو إخبار بما كتب الله على بني إسرائيل، وإن المسلمين مقيدون بما أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تشريع خاص وبما صدر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تشريع خاص، سواء أكان فيه إقرار ومطابقة لما في الكتب السماوية السابقة أم نسخ له.
والذي يتبادر لنا أن الرأي الثاني هو الأوجه والأكثر اتساقا مع روح الآيات وسياقها ومناسبتها وهدفها، بل ومضمونها أيضا إذا ما أنعم النظر فيها. ويلفت النظر خاصة إلى جملة : يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وإلى جملة : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا حيث تدلان بصراحة على خصوصية الأحكام بالنسبة لليهود فقط. وفي نصوص الآيات التي تأتي بعد قليل دلائل قوية على وجاهة هذا الرأي أيضا على ما سوف نشرحه بعد. ومن الجدير بالذكر والتنبيه في هذا المقام أن في الأسفار الأربعة ( الخروج والعدد والأحبار وتثنية الاشتراع ) من أسفار العهد القديم نصوصا كثي
التفسير الحديث
دروزة