{ إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ( المائدة : ٤٤- ٤٧ ).
تفسير المفردات : التوراة : الكتاب الذي أنزل على موسى والذين هادوا : هم اليهود والربانيون : هم المنسوبون إلى الرب بمعنى الخالق المدبر لأمر الملك والأحبار : واحدهم حبر وهو العالم بما استحفظوا من كتاب الله : أي بما طلب إليهم حفظه منه وشهداء أي رقباء على الكتاب وعلى من يريد العبث به.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه عجب حال اليهود من تركهم حكم التوراة وهم يعلمونه وطلبهم من البني صلى الله عليه وسلم الحكم بينهم ورضاهم به إذا وافق أهواءهم وتركهم له إذا جاء على غير ما يريدون.
ذكر أمر التوراة وأنها أنزلت هداية لنبي إسرائيل ثم أعرضوا عن العمل بها لما عرض لهم من الفساد وفي ذلك من العبرة أن الانتماء إلى الدين لا ينفع أهله إذا لم يقيموه ويهتدوا بهديه وأن إيثار أهل الكتاب أهواءهم على هدي دينهم هو الذي أعماهم عن نور القرآن والاهتداء به
الإيضاح : إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور أي إنا أنزلنا التوراة على موسى مشتملة على هدى وإرشاد للناس إلى الحق ونور وضياء يكشف به ما تشابه عليهم وأظلم وبهذا الهدي خرج بنو إسرائيل من وثنية المصريين وضلالهم وبذلك النور أبصروا طريق الاستقلال في أمر دينهم دنياهم.
يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا أي أنزلناها قانونا يحكم به النبيون الذين أسلموا وجوههم لله مخلصين له الدين – موسى ومن بعده من أنبياء نبي إسرائيل إلى عيسى عليه السلام للذين هادوا أي لليهود خاصة لأنها شريعة خاصة بهم لا عامة ولم يكن لداود وسليمان وعيسى شريعة دونها.
والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله أي ويحكم بها الربانيون والأحبار في الأزمنة التي لم يكن فيها أنبياء معهم أو يحكمون مع وجودهم بإذنهم بسبب ما أودعوه من الكتاب وائتمنوا عليه وطلب منهم أنبياؤهم حفظه كالعهد الذي أخذه موسى بأمر الله على شيوخ بني إسرائيل بعد أن كتب التوراة أن يحفظوها ولا يحيدوا عنها.
و يروي عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه أنه قال : أنا رباني هذه الأمة واطلق لقب حبر الأمة في الإسلام على ابن عباس رضي الله عنهما وأطلق لقب الرباني على علي المرتضى عليه الرحمة.
و قال ابن جرير : الربانيون جمع رباني وهم العلماء الحكماء البصراء بسياسة الناس وتدبير أمورهم والقيام بمصالحهم والأحبار جمع حبر وهو العالم المحكم للشيء اه.
وكانوا عليه شهداء أي وكان السلف الصالح منهم رقباء على الكتاب وعلى من تحدثه نفسه العبث به كما فعل عبد الله بن سلام في مسألة الرجم لا كما فعل الخلف من كتمان بعض أحكامه إتباعا للهوى أو خوفا من أشرافهم إن أقاموا عليهم حدوده وطمعا في صلاتهم إذا هم حابوهم.
و مما كتموه صفة النبي صلى الله عليه وسلم والبشارة به.
ثم خاطب الله تعالى رؤساء اليهود الذين كانوا زمن التنزيل لا يخافون الله في الكتمان والتبديل بعد أن قص سيرة السلف الصالح من بني إسرائيل لعلهم يعتبرون ويرعوون عن غيهم فقال :
فلا تخشوا الناس واخشون أي وإذا كان الحال كما ذكر أيها الأحبار ولا شك أنكم لا تنكرونه كما تنكرون غيره مما قصه الله على رسوله من سير أسلافهم – فلا تخشوا الناس فتكتموا ما عندكم من الكتاب خشية أحد أو طمعا في منفعة عاجلة منه واخشوني واقتدروا بمن كان قبلكم من الربانيين والأحبار واحفظوا التوراة ولا تعدلوا عن ذلك فإن النفع والضر بيدي.
ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا أي ولا تتركوا بيانها للناس والعمل بها لقاء منفعة دنيوية قليلة تأخذونها من الناس كرشوة أو جاه أو غيرهما من الحظوظ العاجلة التي تصدكم عن الاهتداء بآيات الله وتمنعكم من الخير العظيم الذي تنالونه من ربكم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون أي وكل من زغب عن الحكم بما أمزل الله وأخفاه وحكم بغيره كحكم اليهود في الزانيين المحصنين بالتحميم وكتمانهم الرجم وقضائهم في بعض قتلاهم بدية كاملة وفي بعضها بنصف الدية والله قد سوى بين الجميع في الحكم فأولئك هم الكافرون الذين ستروا الحق الذي كان عليهم كشفه وتبيينه وغطوه وأظهروا لهم غيره وقضوا به.
قال الرازي نقلا عن عكرمة : إن الحكم بالكفر على من حكم بغير ما أنزل الله – إنما يكون فيمن أنكر بقلبه وجحد بلسانه أما من عرف بقلبه كونه حكم الله وأقر بلسانه كونه حكم الله إلا انه أتى بما يضاده فهو حاكم بما أنزل الله ولكنه تارك له فلا يدخل تحت هذه الآية.
و أخرج ابن جرير عن أبي صالح قال : الثلاثة الآيات التي في المائدة ومن لم يحكم بما أنزل الله الخ. ليس في الإسلام منها شيء هي في الكفار وعن الشعبي أنه قال : الثلاث الآيات التي في المائدة أولها في هذه الأمة والثانية في اليهود والثالثة في النصارى.
و خلاصة المعنى : ومن لم يحكم بنا أنزل الله مستهينا به منكرا له كان كافرا لجحوده به واستخفافه بأمره.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه عجب حال اليهود من تركهم حكم التوراة وهم يعلمونه وطلبهم من البني صلى الله عليه وسلم الحكم بينهم ورضاهم به إذا وافق أهواءهم وتركهم له إذا جاء على غير ما يريدون.
ذكر أمر التوراة وأنها أنزلت هداية لنبي إسرائيل ثم أعرضوا عن العمل بها لما عرض لهم من الفساد وفي ذلك من العبرة أن الانتماء إلى الدين لا ينفع أهله إذا لم يقيموه ويهتدوا بهديه وأن إيثار أهل الكتاب أهواءهم على هدي دينهم هو الذي أعماهم عن نور القرآن والاهتداء به
تفسير المراغي
المراغي