ﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ

تفسير المفردات : والإدراك : اللحاق والوصول إلى الشيء، يقال : تبعه حتى أدركه قال تعالى : فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون [ الشعراء : ٦١ ] والبصر : حاسة الرؤية، واللطيف من الأجرام : ضد الكثيف والغليظ واللطيف من الطباع : ضد الجافي، واللطف في العمل : الرفق فيه.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه البراهين الدالة على توحده بالخلق والتدبير في عالم السماوات والأرض ـ ذكر هنا بعض ضروب الشرك التي قال بها بعض العرب وروى التاريخ مثلها عن كثير من الأمم، وهي اتخاذ شركاء لله من عالم الجن المستتر عن العيون، أو اختراع نسل له من البنين والبنات.
الإيضاح : لا تدركه الأبصار أي لا تراه الأبصار رؤية إحاطة تعرف كنهه عز وجل، ونحو الآية قوله : يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه [ البقرة : ٢٥٥ ] ونفي إحاطة العلم لا يستلزم نفي أصل العلم وكذلك نفي إدراك البصر للشيء والإحاطة به لا يستلزم نفي رؤيته مطلقا.
وبهذا يعلم : أنه لا تنافي بين هذه الآية وبين الأحاديث الصحيحة الدالة على رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال :( إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب ) فالمؤمنين يرونه، والكافرون عنه يومئذ محجوبون كما قال جل ثناؤه : كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون [ المصطفين : ١٥ ].
وهو يدرك الأبصار أي إنه تعالى يرى العيون الباصرة رؤية إدراك وإحاطة فلا يخفى عليه من حقيقتها ولا من علمها شيء.
وقد عرف العلماء التشريح تركيب العين وأجزاءها ووظيفة كل منها في ارتسام المرئيات فيها، كما عرفوا كثيرا من سنن الله في النور ووظيفته في رسم صور الأشياء في العينين، ولكنهم لم يصلوا بعد إلى معرفة كنه الرؤية، ولا كنه الإبصار ولا حقيقة النور.
قال صاحب اللسان : قال أبو إسحاق في الآية : أعلم الله أنه يدرك الأبصار، وفي هذا الإعلام دليل على أن خلقه لا يدركون الأبصار أي لا يعرفون حقيقة البصر وما الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه، فاعلم أن خلقا من خلقه لا يدرك المخلوقون كنهه ولا يحيطون بعلمه، فكيف به تعالى والأبصار لا تحيط به وهو اللطيف الخبير ؟
فأما ما جاء من الأخبار في الرؤية وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فغير مدفوع، وليس في الآية دليل على دفعها، لأن معنى هذه الآية إدراك الشيء والإحاطة بحقيقته، وهذا مذهب أهل السنة والعلم بالحديث اه.
وهو اللطيف الخبير أي وهو اللطيف بذاته بحيث تخسأ الأبصار دون إدراك حقيقته، الخبير بدقائق الأشياء ولطائفها، فلا يعزب عن إدراكه شيء.
والخلاصة : إنه يلطف عن أن تدركه الأبصار، ولكنه خبير بكل لطيف وهو يدرك الأبصار. ولا تدركه الأبصار.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير