ﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ

بأنه وكيل فيما هو مالك، لأنه لما كانت منافع مملوكاته لغيره وجلّ عن أن تلحقه المنافع والمضار صحت هذه الصفة في هذه الجهة من حيث إن له أن يصرف ما هو مالك له، ثم التصريف فيما يدبره بمنزلة ما يدبره الوكيل فيما تعود منافعه على غيره، فهو على كل شيء وكيل بالحفظ له والتدبير) (١).
١٠٣ - قوله تعالى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ الآية. احتج نفاة الرؤية (٢) بهذه الآية على أهل السنة (٣) فقالوا: أخبر الله تعالى أن الأبصار لا تدركه، وإنما قال هذا على سبيل التمدح، وما نفى عن نفسه على سبيل التمدح به وجب أن يكون ذلك على التأييد كقوله: لَا شَرِيكَ لَهُ [الأنعام: ١٦٣]، و لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ [البقرة: ٢٥٥] (٤).
والجواب [عن] (٥) هذا من وجوه:
أحدها: أن الإدراك غير الرؤية لأنه يصح أن يقال: رآه وما أدركه،

(١) لم أقف عليه بعد طول بحث في كتب المعاني والتفسير. وانظر: "المقصد الأسنى" للغزالي ص ١١٤، و"شرح أسماء الله الحسنى" للرازي ص ٢٩٣، و"اللسان" ٨/ ٤٩٠٩ مادة (وكل).
(٢) نفاة الرؤية: هم الجهمية والمعتزلة والخوارج، وبعض المرجئة، قالوا: (لا يُرى الله تعالى في الدنيا ولا في الآخرة). انظر: "الفتاوى" لابن تيمية ٢/ ٣٣٦ - ٣٣٧، و"تفسير الخازن" ٢/ ١٦٦.
(٣) أهل السنة والجماعة على أن الله تعالى يُرى في الآخرة بالأبصار عيانًا وأن أحدًا لا يراه في الدنيا بعينه، كما تواترت به الأخبار عن النبي - ﷺ -. انظر: "كتاب التوحيد" لابن خزيمة ١/ ٤٣٧، و"الشريعة" للآجري ص ٢٣١، و"الفتاوى" لابن تيمية ٢/ ٣٣٦، و"تفسير ابن كثير" ٢/ ١٨٠، و"شرح العقيدة الطحاوية" لابن أبي العز ١/ ٢٠٧.
(٤) انظر: "تفسير الرازي" ١٣/ ١٠٤.
(٥) في (ش): (على).

صفحة رقم 330

ويدل على هذا قوله تعالى إخباراً عن قوم موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا [الشعراء: ٦١ - ٦٢] وكان قوم فرعون قد رأوا قوم موسى ولم يدركوهم، [و] (١) الدليل على ذلك قوله تعالى فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ [الشعراء: ٦١] أي: رأى أحدهما الآخر، وكان الله تعالى قد (٢) وعد موسى أنهم لا يدركونه بقوله تعالى: لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى [طه: ٧٧].
وقولهم: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١] يريدون أنهم قد قربوا من إدراكهم إياهم، ألا ترى أن موسى نفى ذلك بقوله: (كلّا)، وهذا مذهب جماعة من المفسرين (٣) قالوا: [معنى] (٤) الإدراك: الإحاطة بكنه الشيء وحقيقته، فالأبصار ترى الباري ولا تحيط به، كما أن القلوب تعرفه ولا تحيط به، قال الله تعالى: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١٠] قال سعيد بن المسيب في تفسير قوله تعالى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ: (لا تحيط به الأبصار) (٥).
وقال ابن عباس في رواية عطاء: (كلت (٦) أبصار المخلوقين عن

(١) لفظ: الواو ساقط من (أ).
(٢) انظر: "تفسير الطبري" ٧/ ٢٩٩ وما بعدها، والبغوي ٣/ ١٧٤.
(٣) قال شيخ الإسلام في "الفتاوى" ١٧/ ١١١، في شرح الآية: (الإدراك عند السلف والأكثرين: هو الإحاطة، وقال طائفة: هو الرؤية، وهو ضعيف؛ لأن نفي الرؤية عنه لا مدح فيه..) ا. هـ، وانظر: "الفتاوى" ١٦/ ٨٧ - ٨٩.
(٤) في (أ): (معنا).
(٥) ذكره الثعلبي في "الكشف" ١٨٢ أ، والواحدي في "الوسيط" ١/ ٩٣، والبغوي ٣/ ١٧٤، وابن الجوزي في "زاد المسير" ٣/ ٩٨.
(٦) كلت: يقال: كل بصره، بفتح الكاف، أي: ثقل. انظر: "اللسان" ٧/ ٣٩١٨ مادة (كلل).

صفحة رقم 331

الإحاطة به) (١)، وقال الزجاج: (معنى إدراك الشيء: الإحاطة بحقيقته، وقد ينظر الرجل إلى الشيء ولا يدركه)، ثم احتج على أن معنى الإدراك هاهنا الإحاطة بقوله تعالى: وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ [الأنعام: ١٠٣] فقال: (أعلم الله تعالى أنه يدرك الأبصار، وفي هذا الإعلام دليل أن خلقه لا يدركون الأبصار، أي ة لا [يعرفون] (٢) [كيف] (٣) حقيقة البصر، وما الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه، فأعلم جل وعز أن خلقاً من خلقه لا يدرك المخلوقون كنهه ولا يحيطون بعلمه، فكيف به جل وعز والأبصار لا تحيط به) (٤)، قال أصحابنا فعلى هذا نقول: الباري يُرى ولا يُدرك؛ لأن معنى الإدراك هو: الإحاطة بالرؤية بالمرئي، وإنما يجوز ذلك على من كان محدوداً وله جهات، والقديم (٥) الذي لا نهاية لوجوده يُرى ولكن لا يُدرك، وعلى هذا القول فاقد قلنا بظاهر الآية.

(١) ذكره الواحدي في "الوسيط" ١/ ٩٣، وذكره الثعلبي في "الكشف" ١٨٢ أ، والبغوي في "تفسيره" ٣/ ١٧٤ عن عطاء من قوله، وأخرج الطبري في "تفسيره" ٧/ ٢٩٩ بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (لا يحيط بصر أحد بالملك) ا. هـ.
(٢) في (أ): (أي: لا يدركون).
(٣) في (ش): (عنه).
(٤) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٢٧٨، وفيه: (فأما ما جاء من الأخبار في الرؤية وصح عن رسول الله فغير مدفوع، وليس في هذه دليل على دفعه؛ لأن معنى هذه الآية معنى إدراك الشيء والإحاطة بحقيقته، وهذا مذهب أهل السنة والعلم والحديث) ا. هـ. وانظر: "معاني النحاس" ٢/ ٤٤٦ - ٤٦٧.
(٥) أسماء الله توقيفية، ولفظ القديم لا يرتضي السلف تسمية الله تعالى به؛ لعدم ورود النص به، لكن يصح الإخبار به عن الله تعالى، لأن باب الإخبار والصفات أوسع من باب الإنشاء والأسماء، والله أعلم. انظر: "منهاج السنة" ٢/ ١٢٣ - ١٣١، =

صفحة رقم 332

الوجه الثاني: تخصيص الآية، وهو قول جماعة من المفسرين أيضاً، قال ابن عباس: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ (ينقطع عنه في الدنيا) (١)، وقال مقاتل: (لا تراه الأبصار في الدنيا، وهو يُرى في الآخرة) (٢)، وعلى هذا القول لا فرق بين الرؤية والإدراك، وهو مذهب شيخنا أبي الحسن (٣)؛ لأنه لا يفرق بينهما، ويقول: (معنى الآية لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ في الدنيا، قال: والدليل على أن هذه الآية مخصوصة بالدنيا قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وهذه الآية مطلقة، وقوله وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ [القيامة: ٢٢] مقيد، والمطلق يحمل على المقيد، فلما كان قوله لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ يوجب نفي الرؤية، وقوله: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٣] يوجب الرؤية، ولا يجوز التضاد، قلنا: الذي نفاه أراد به في الدنيا، والذي أثبته أراد به في الآخرة) (٤).

= و"الفتاوى" ١/ ٢٤٥ - ١٧/ ١٦٨، ٩/ ٣٠٠ "معجم المناهي اللفظية" لبكر بن عبد الله أبو زيد ص ٤٣٦.
(١) ذكره الثعلبي في "الكشف" ١٨٢ أ، والواحدي في "الوسيط" ١/ ٩٣، والبغوي ٣/ ١٧٣، وابن الجوزي في "زاد المسير" ٣/ ٩٨.
(٢) ذكره الثعلبي في "الكشف" ١٨٢ أ، والواحدي في "الوسيط" ١/ ٩٤، والبغوي في "تفسيره" ٣/ ١٧٤، وفي "تفسير مقاتل" ١/ ٥٨٢: (يقول: لا يراه الخلق في الدنيا) ا. هـ. وأخرج الواحدي في "الوسيط" ١/ ٩٤، هذا القول عن الحسن البصري.
(٣) أبو الحسن شيخ الواحدي، لم أستطع تحديده، وفي "مقدمة البسيط" ذكر من شيوخ الواحدي: علي بن محمد بن إبراهيم الضرير أبو الحسن النحوي، وعمران ابن موسى المغربي أبو الحسن، وعلي بن محمد الفارسي أبو الحسن.
(٤) انظر: "تفسير الطبري" ٧/ ٣٠٢، وابن الجوزي ٣/ ٩٨ - ٩٩، وقال شيخ الإسلام في "الفتاوى" ٢/ ٣٣٥. (وقد اتفق أئمة المسلمين على أن أحدًا من المؤمنين =

صفحة رقم 333

الوجه الثالث: ما قاله السدي وهو أنه قال: (البصر بصران، بصر معاينة، وبصر علم) (١)، وكذا هو في اللغة، قال الليث: (البَصَر: العين، والبَصَر: نفاذ في القلب. قال: فمعنى قوله: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ لا يدركه علم العلماء، ونظيره وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١٠] (٢)، وهذا وجه حسن، وأما قولهم: إن هذا على سبيل التمدح، قلنا: ليس كذلك؛ لأنه ليس في أن يستحيل أن يرى استحقاق مدح، ألا ترى أن كثيراً من الأشياء الناقصة يستحيل أن يرى كالكفر والجهل، ثم لا يجب (٣) لها بذلك صفة مدح، فليس بأن يستحيل أن يرى تمدح؟، وإنما معنى الآية: أنه منع الرائين من رؤيته في الدنيا ولا يقدر أحد على أن يمنعه من رؤيته له، فهذا وجه التمدح، وهو معنى الآية، وعلى هذا الوجه، قال ابن عباس في قوله وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ قال: (يرى ولا يُرى، ولا يخفى عليه شيء ولا يفوته) (٤). وإنما خص الأبصار بإدراكه إياها مع أنه يدرك كل شيء تحقيقاً

= لا يرى الله بعينه في الدنيا، ولم يتنازعوا إلا في النبي - ﷺ - خاصة مع أن جماهير الأئمة على أنه لم يره بعينه في الدنيا، وعلى هذا دلت الآثار الصحيحة الثابتة عن النبي - ﷺ - والصحابة وأئمة المسلمين..) ا. هـ، وانظر: "مرويات الإمام أحمد في التفسير" ٢/ ١٢١.
(١) لم أقف عليه
(٢) "تهذيب اللغة" ١/ ٣٤٠، وفيه: (قال الليث: البَصَرُ: العَيْن، إلا أنه مذكر. والبَصَر: نفاذ في القلب). وانظر: "العين" ٧/ ١١٧، و"اللسان" ١/ ٢٩٠ مادة (بصر).
(٣) انظر: "تفسير الرازي" ١٣/ ١٢٥ وما بعدها، و"الفتاوى" لابن تيمية ١٦/ ٨٧ - ٨٨، ١٧/ ١١١.
(٤) لم أقف عليه، وفي "تنوير المقباس" ٢/ ٤٩: (يرى ما لم ير الخلق ولا يخفى عليه شيء ولا يفوته) اهـ.

صفحة رقم 334

للمعنى الذي ذكرنا؛ لأن غير الباري لا يجوز أن يرى البصر، ولا يراه البصر، وقد يرى غير البصر، ولا يراه البصر، فلا يبعد ذلك (١) وذكرنا قول الزجاج في معنى وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ.
وقوله تعالى: وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ قال الأزهري: (اللطيف من أسماء الله عز وجل [ومعناه] (٢) الرفيق بعباده) (٣)، وقال عمرو بن أبي (٤) عمرو، عن أبيه (٥): (اللطيف الذي يوصل إليك أَرَبَك في رفق) (٦)، وقال أبو العباس (٧) عن ابن الأعرابي: ([يقال] (٨): لطف فلان لفلان يلطف: إذا رفق، لطفاً، ويقال: لطف الله لك، أي: أوصل إليك ما تحب برفق) (٩)، وقال الليث: (اللَّطف: البِرُّ والكرامة، وأمٌّ لطيفةٌ بولدها، وفلان لَطيفٌ

(١) انظر: مسألة رؤية الله سبحانه وتعالى في الآخرة في: "الإبانة" للأشعري ١٣/ ٢١، و"تفسير الماوردي" ٢/ ١٥٢، والقرطبي ٧/ ٥٤ - ٥٧، و"بدائع التفسير" ٢/ ١٦٧.
(٢) لفظ: (الواو) ساقط من (أ).
(٣) "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٢٦٧. وانظر: "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج ص ٤٤، و"اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص ١٣٨، و"الأسماء والصفات" للبيهقي ص ٨٣، و"المقصد الأسنى" للغزالي ص ٩٢، و"شرح أسماء الله الحسنى" للرازي ص ٢٤٦.
(٤) عمرو بن أبي عمرو: هو عمرو بن إسحاق بن مرار الشيباني إمام لغوي ثقة، واسع الرواية، أخذ علم أبيه، سمع منه ثعلب وأبو إسحاق الحربي. توفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين ٢٣١هـ أو بعدها. انظر: "مقدمة تهذيب اللغة" ١/ ٣٥، و"إنباه الرواة" ٢/ ٣٦٠، و"معجم الأدباء" ٤/ ٤٧٣.
(٥) هو إسحاق بن مرار الشيباني أبو عمرو الكوفي، تقدمت ترجمته.
(٦) "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٢٦٧.
(٧) أبو العباس هو ثعلب أحمد بن يحيى، تقدمت ترجمته.
(٨) لفظ: (يقال) ساقط من (ش).
(٩) "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٢٦٧، و"اللسان" ٧/ ٤٠٣٦ مادة (لطف).

صفحة رقم 335

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية