في هذا الربع، تتناول مجموعة من الآيات الكريمة استعراض جملة من آيات القدرة الإلهية وأثار الحكمة الربانية في الخلق والإيجاد، والتدبير والإمداد، فمن فلق للحب والنوى، ومن إخراج الحي من الميت والميت من الحي، ومن إبراز آية النور ومحوها لآية الظلام، ومن تسيير للشمس والقمر بحسبان، ومن تزيين للسماء بالنجوم، ونصبها علامات للاهتداء بها في ظلمات البر والبحر، ومن إنشاء للنفس البشرية ولكل ما تفرع عنها من مختلف الأجناس والأنواع، ومن إنزال للماء وما ينبت به من مختلف الألوان والأشكال والطعوم.
وتتناول مجموعة ثانية من آيات هذا الربع الحديث عن عقائد المشركين، وما نسبوه إلى الحق سبحانه وتعالى من بنين وبنات، وما أشركوه به من الجن، وما أقسموا به من الأيمان الكاذبة، على أنهم مستعدون للإيمان بالله، إذا نزلت عليهم بالخصوص آية تكون من خوارق العادات، نظير ما سبق نزوله على الأمم السالفة في عهد الأنبياء السابقين، كما تتناول نفس الآيات ما ينبغي أن يكون عليه موقف المؤمنين والمشركين في المعاملة والمجادلة، وكيف ينبغي أن يكون موقف الرسول صلى الله عليه وسلم منهم بالأخص.
وتتناول مجموعة ثالثة من آيات هذا الربع عرض جزء مهم من صفات الله العليا وأسمائه الحسنى، تثبيتا لحقيقة الألوهية في النفوس، وتركيزا لها في القلوب.
فمن المجموعة الأولى : إن الله فالق الحب والنوى وهو يتضمن الإشارة إلى سر الحياة الذي يسري في البذرة والنواة، والذي لا يعلم مصدره إلا الله، ولا يدرك كنهه سواه، على غرار قوله تعالى : وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون الآية.
وأما المجموعة الثالثة في هذا الربع، وهي الآيات التي تتناول صفات الله العليا وأسمائه الحسنى، فمنها قوله تعالى : بديع السماوات والأرض أي مبدعها على غير مثال، لا سابق ولا لاحق، وقوله تعالى لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير أي أنه سبحانه وتعالى لا تحيط به أبصار الخلائق، وأن أكرم الصالحين من عباده بالنظر إليه، مصدقا لقوله تعالى : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة . لكنهم بمقتضى طبيعتهم أعجز من أن يحيطوا بحقيقة الخالق وعظمته وجلاله، فكم من مرئيات من جنس المخلوقات يراها الإنسان بعيني رأسه ولكنه بالرغم عن رؤيته لها يعجز عن إدراك حقيقتها وكنهها، ولا يحيط بها إحاطة تامة، فما بالك بالخالق سبحانه وتعالى : ذلكم الله ربكم، لا إله إلا هو، خالق كل شيء فاعبدوه، وهو على كل شيء وكيل .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري