ﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ

قال تعالى : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير١٠٣ ( الأنعام : آية ١٠٣ ).
استدل المعتزلة بهذه الآية الكريمة على أن الله لا يرى بالأبصار. واستدلالهم بهذه الآية على ذلك باطل.
واعلموا أولا : أن التحقيق في رؤية الله بعين الرأس أنها ينظر إليها بنظرين :
أحدهما : النظر إليها بالحكم العقلي.
والثاني : النظر إليها بالحكم الشرعي.
أما رؤية الله بالنظر إلى حكم العقل : فهي جائزة في الدنيا، وجائزة في الآخرة.
فالدليل على جوازها عقلا في دار الدنيا : أن نبي الله موسى – وهو هو – قال رب أرني أنظر إليك ( الأعراف : آية ١٤٣ ) فلو كانت رؤية الله مستحيلة عقلا في الدنيا لما خفي ذلك على نبيه موسى، لأنه لا يجهل المستحيل في حق الله.
أما بالنظر إلى الحكم الشرعي : فهي جائزة وواقعة في الآخرة قطعا، ممتنعة في الدنيا. وهذا هو التحقيق، فعلم من هذا التحقيق : أن رؤية الله بالأبصار وعيون الرؤوس جائزة عقلا في الدنيا وفي الآخرة، ممتنعة شرعا في الدنيا.
فالله جل وعلا في دار الدنيا لا يرى بالأبصار فعلا، وإن كان ذلك يجوز عقلا، ولكنه في الآخرة يراه المؤمنون " جل وعلا "، هذا هو التحقيق.
ومذهب أهل السنة والجماعة الذي دلت عليه آيات القرآن، والأحاديث الصحيحة المتواترة، أن رؤية الله واقعة شرعا، يراه المؤمنون يوم القيامة بأبصارهم، كما جاء عن حوالي عشرين صحابيا في أحاديث متواترة : أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة. وقد نص الله على ذلك في آيات من كتابه، كقوله : وجوه يومئذ ناظرة٢٢ إلى ربها ناظرة٢٣ ( القيامة : الآيتان ٢٢، ٢٣ ) وكقوله " جل وعلا " في الكفار : كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون١٥ ( المطففين : آية ١٥ ) يفهم من مفهوم مخالفته : أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر قوله : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة قال :" الحسنى الجنة، والزيادة : النظر إلى وجه الله الكريم ".
هذا هو التحقيق في رؤية الله، أنها جائزة في حكم العقل في الدنيا والآخرة، ممتنعة في حكم الشرع في دار الدنيا، واقعة في الآخرة.
ولطالب العلم هنا سؤال، وهو أن يقول : إذا كانت جائزة عقلا في الدنيا فما وجه منعها وعدم إمكانها شرعا ؟
أجاب بعض العلماء عن هذا السؤال : بأن الناس في دار الدنيا ركبوا تركيبا ضعيفا معرضا للتغير، والفناء، والزوال، لا يقدر، ولا يستطيع، ولا يقوى على رؤية خالق السماوات والأرض، والدليل على ذلك : أنه لما تجلى للجبل صار الجبل دكا لعظم رؤية الله " جل وعلا "، كما يأتي في الأعراف في قوله : قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا ( الأعراف : آية ١٤٣ )فما يدك الجبال لا يقدر عليه بنو آدم، ولا يقوون عليه. أما في الآخرة فإن الله يركبهم تركيبا جديدا قويا ليس قابلا للتغير ولا للفناء، فيقوون بتلك القوة على رؤية الله جلا وعلا.
فتبن بهذا أنها جائزة عقلا في الدنيا، إلا أن البشر يعجزون ولا يقوون عليها، وأنها واقعة شرعا، لأنهم في ذلك الوقت يطيقونها لتركيبهم الجديد الدائم.
هذا مذهب أهل السنة والجماعة، وقد قدمنا مرارا في هذه الدروس : أن الواجب على كل المسلمين في آيات الصفات : أن يعتقدوا ثلاثة أسس كلها في ضوء القرآن العظيم، فمن اعتقد الأسس الثلاثة كلها لقي ربه مسلما على محجة بيضاء، ومن أخل بواحد منها وقع في مهواة قد لا يتخلص منها، وهذه الأسس الثلاث :
أولها :- وهو الأساسا الأكبر للتوحيد، وهو الحجز الأساسي لمعرفة الله الصحيحة، والصلة بالله على اساس صحيح وثيق. هذا الأصل العظيم الذي هو أساس التوحيد، والحجر الأساسي لمعرفة الله معرفة صحيحة وثيقة - : هو اعتقاد أن خالق السموات والأرض منزه غاية التنزيه عن أن يشبه شيئا من صفات خلقه، أو ذواتهم، أو أفعالهم. فهو " جل وعلا " العظيم الأعلى الذي لا يشبه شيئا من خلقه، ومن الخلق حتى يتشبهوا من خلقهم ؟ أليسوا أثرا من آثار قدرته وإرادته ؟ كيف تشبه الصنعة صانعها ؟ لا.
وهذا الأساس العظيم، الذي هو أساس التوحيد، والحجر الأساسي لمعرفة الله معرفة صحيحة، الذي هو تنزيه خالق السماوات والأرض عن مشابهة الخلق، بينه الله في آيات من كتابه، كقوله : ليس كمثله شيء ( الشورى : آية ١١ ) ولم يكن له كفوا أحد ٤ ( الإخلاص : آية ٤ ) فلا تضربوا لله الأمثال ( النحل : آية ٧٤ ) هل تعلم له سميا ( مريم : آية ٦٥ ) هذا أسا التوحيد الأكبر، فإذا نظف الإنسان ضميره من نجاسة وتقذير كان سهلا عليه أن يؤمن بما وصف الله به نفسه، وما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم إيمانا مبنيا على أساس التنزيه، لأن كل البلايا منشؤها من أقذار القلوب بنجاسات التشبيه، فمن طهر قلبه على أقذار التشبيه ونجاساتها، وعلم أن صفات الله بالغة من غايات الكمال والجلال ما يقطع علائق أوهام المشابهة بينهما وبين صفات المخلوقين : سهل عليه أن يؤمن بالصفات، لأنه يعتقد في معانيها التنزيه الكامل عن مشابهة الخلق.
وهذان الأصلان اللذان بيناهما الآن – اللذان هما : تنزيه الله عن مشابهة خلقه، والإيمان بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله إيمانا مبنيا على أساس التنزيه، وعدم مشابهة الخلق – لم نقله من تلقاء أنفسنا، وإنما قلناه في ضوء تعليم خالق السماوات والأرض في ضوء المحكم المنزل، لأن الله لما قال : ليس كمثله شيء اتبع ذلك بقوله : وهو السميع البصير ( الشورى : آية ١١ )فإتيانه بقوله : وهو السميع البصير بعد قوله : ليس كمثله شيء فيه تعليم أعظم، ومغزى أكبر، وسر سماوي لا يخفى، لا يبقى معه في الحق لبس، لأنه قال : وهو السميع العليم بعد قوله : ليس كمثله شيء مع أن السمع والبصر – ولله المثل الأعلى – من حيث هما سمع وبصر يتصف بهما جميع الحيوانات –ولله المثل الأعلى - فكأن الله يقول : لا تتنطع يا عبدي يا مسكين فتنفي عني صفة سمعي وبصري، مدعيا أن المخلوقات التي تسمع وتبصر، وأنك إن أثبت لي سمعي وبصري كنت مشبها لي بالمخلوقات التي تسمع وتبصر. لا وكلا ! أثبت لي سمعي وبصري، مراعيا في ذلك الإثبات، تنزيهي، وقولي قبله : ليس كمثله شيء فجميع الصفات من هذا الباب الواحد. فأول الآية - أعني : ليس كمثله شيء – يدل على التنزيه الكامل عن مشابهة المخلوقين من غير تعطيل، وقوله : وهو السميع البصير يدل على الإيمان بالصفات إيمانا حقا على أساس التنزيه، من غير تشبيه ولا تمثيل.
فالأساس الأول من هذه الأسس الثلاثة : هي تنزيه خالق السماوات والأرض عن مشابهة المخلوقين في صفاتهم، وذواتهم، وأفعالهم.
الأساس الثاني : هو أن لا تكذب الله فيما أثنى به على نفسه، لأنه لا يصف الله أعلم بالله من الله ءأنتم أعلم أم الله ( البقرة : آية ١٤٠ ) ولا يصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال في حقه : وما ينطق عن الهوى ٣أن هو إلا وحي يوحى٤ ( النجم : الآيتان٣، ٤ ).
فعلينا أولا أن نطهر قلوبنا من أقذار التشبيه، وأن ننزه خالق السماوات والأرض عن أن تشبه صفته صفة خلقه، ثم إذا طهرنا القلوب من أقذار التشبيه، ونزهنا خالق السماوات والأرض عن مشابهة الخلق، سهل علينا الإيمان بصفاته –صفات الكمال والجلال- إيمانا مبنيا على أساس التنزيه، وعدم المماثلة، على غرار ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ( الشورى : آية ١١ ).
الأساس الثالث من هذه الأسس : هو قطع الطمع عن إدراك الكيفيات، لأن من أدرك كيفية الشيء فقد أحاط به، والله يقول : يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما١١٠ ( طه : آية ١١٠ ).
فهذه الأسس الثلاثة التي هي : تنزيه الله عن مشابهة خلقه، والإيمان بصفاته الثابتة في كتابه وسنة رسوله، إيمانا مبنيا على أساس التنزيه، وقطع الطمع عن إدراك الكيفية. هذا معتقد السلف الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون. لا يفسرون صفات الله إلا بدليل جليل لائق منزه عن الأقدار ومشابهة الخلق، ولا ينفون عن الله ما أثبته لنفسه، بل يثبتونه له على أساس التنزيه، على غرار : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ( الشورى : آية ١١ ).
وأنا أؤكد لكم : أننا في هذه الدار –دار الدنيا- وسنرتحل جميعا منها إلى القبور، ثم ننتقل من القبور إلى عرصات القيامة، إلى محل المناقشة والسؤال عن الحقير والجليل، فإذا جئتم الله وأنتم معتقدون هذه الأسس الثلاثة، أؤكد لكم أنه لا تأتيكم بلية، ولا ويلة، ولا مشكلة، ولا لوم، ولا توبيخ من واحد منكم : لم تنزهني عن مشابهة المخلوقات ؟ لا، وكلا. هذا التنزيه طريق سلامة محققة. ولا يقول الله لأحد منكم : لم أثبت لي ما أثبته لنفسي، أو أثبته لي رسولي ؟ ولم تصدقني فيما أثنيت به على نفسي ؟ لا، وكلا. فتصديق الله والإيمان بما قال على أساس التنزيه طريق سلامة محققة لا شك فيها. ولا يقول الله لواحد منكم : لم لا تدعي أن عقلك الضعيف المسكين محيط بكل صفاتي وكيفياتها ؟ لا، وكلا.
فهذه الأسس الثلاثة في ضو ء القرآن العظيم طريق سلامة محققة، ولذا ما ثبت من رؤية الله بالأبصار نمره كما جاء، ونعتقد انه حق على الوجه اللائق بكماله وجلاله، المنزه عن مشابهة صفات المخلوقين من جميع النواحي.
إذا عرفتم هذا : فاعلم أن العلماء أجابوا عن استدلال المعتزلة بهذه الآية الكريمة على مذهبهم الباطل بأجوبة متعددة :
منها : أن معنى لا تدركه الأبصار ( الأنعام : آية ١٠٣ )كما جاء عن ابن عباس وجماعة من السلف : أن الإدراك المنفي هنا هو الإحاطة.
والمعنى : لا تحيط به الأبصار.
والإدراك قد يطلق على الإحاطة كثيرا، كقوله : أدركه الغرق ( يونس : لآية ٩٠ )أي : أحاط به من جميع جهاته. إنا لمدركون ( الشعراء : آية ٦١ )أي محاط بنا.
وعلى هذا فمعنى : لا تدركه أي : لا تحيط به الأبصار، وإن كانت تراه في الجملة، فالإدراك المنفي هو الإحاطة. والإحاطة لا يستلزم نفيها نفي مطلق الرؤية الثابت في الأحاديث المتواترة، والآيات القرآنية.
الوجه الثاني : أن معنى : لا تدركه الأبصار ( الأنعام : آية ١٠٣ ) أي : لا تدركه في دار الدنيا، بدليل قوله : في الآخرة وجوه يومئذ ناظرة ٢٢ إلى ربها ناظرة ٢٣ ( القيامة : الآيتان ٢٢-٢٣ ). فلما قيد نظرها إلى ربها بقوله : يومئذ أي : يوم القيامة، عرفنا أن ذلك النظر مقيد بالقيامة، وأن : لا تدركه الأبصار أي : في دار الدنيا.
وقال بعض العلماء : لو سلمنا ما يقوله المعتزلة من أن الإدراك : الرؤية، وأن الآية عامة لا تدركه الأبصار فعمومها تخصصه آيات أخر بيوم القيامة : وجوه يومئذ ناظرة٢٢إلى ربها ناظرة٢٣ ( القيامة : الآيتان ٢٢-٣٢ ) وقوله : كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ١٥ ( المطففين : آية ١٥ )أي : بخلاف المؤمنين فليسوا بمحجوبين عن ربهم.
وقد تقرر في الأصول أن المفهوم يخصص العام، سواء من كان مفهوما موافقة، او مفهوم مخالفة، فمثال تخصيص العام بمفهوم الموافقة : قوله صلى الله عليه وسلم " لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته " ومعنى قوله :" لي الواجد " يعني : ظلم الغني يحل عقوبته. يعني : بالحبس. وعرضه : بأن يقول : ظلمني، ومطلني. وظاهر هذا العموم يشمل الوالد إذا مطل

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير