ﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪ

قوله :" ولوْ شَاء اللَّه " مفعول المشيئة مَحْذُوف، أي :" لو شَاءَ اللَّه إيمانَهُم " وقد تقدَّم أنه لا يُذْكر إلا لِغَرَابتِه، والمعنى : لا تلتفتْ إلى سَفَاهَات هؤلاء الكُفَّار، فإنّي لو أرَدْت إزالَة الكُفْرِ عنهم، لَقَدَرْت، ولكنِّي تركْتُهم مع كُفْرِهم، فلا يَشْتَغِل قلبك بِكلماتِهم١.
وتمسَّك أهل السُّنَّة بقوله -تعالى- : وَلَوْ شَاءَ الله مَا أَشْرَكُواْ والمعنى : لو شَاءَ ألاَّ يُشْرِكوا، ما أشْرَكوا، وحيث لَمْ يَحْصُلِ الجَزَاء، لم يَحْصُل الشَّرْط.
وقالت المُعتزلَة : ثبت بالدَّلِيل أنَّه -تعالى- أراد مِنَ الكُلِّ الإيمان، وما شَاءَ من أحدٍ الكُفْر، وهذه الآية الكريمة تَقتَضِي : أنَّه -تعالى- ما شَاءَ من الكُلِّ الإيمانَ ؛ فوجب التَّوفيق بين الدَّليليْن، فيجعل مَشِيئةِ اللَّه لإيمانهم، على مَشِيئة الإيمان الاخْتِيَاريِّ الموجبِ للثُّواب، ويحمل عدم مشيئته لإيمانِهِم، على الإيمان الحاصِل بالقَهْر والجَبْر، يعني : أنه - تبارك وتعالى- ما شاء منهم أن يَحْمِلَهُم على الإيمان على سبيل القَهْر والإلْجَاء ؛ لأنَّ ذلك يُبْطِل التَّكْليف، ويخرج الإنْسَان عن اسْتِحقاق الثَّواب.
والجواب من وُجُوهٍ :
أحدها : أنه -تبارك وتعالى- ما شَاءً مِنْهُم أن يَحْمِلَهم على الإيمان على سَبِيل القَهْر وهو الذي أقْدَر الكَافِر على الكُفْر فَقُدْرَةُ الكُفْر إن لم تَصْلُح للإيمان، فخالِقُ تلك القُدْرَة لا شكَّ أنه كان مُريداً للكُفْر، فإن كان صَالِحة للإيمان، لَمْ يَتَرجَّحْ جانب الكُفْرعلى جَانِب الإيمان، إلاَّ عند حصولِ داعٍ يَدْعُو إلى الإيمان، وإلاَّ لَزِم رُجْحان أحد طرَفِي المُمْكِن على الآخر [ لا ]٢ لمرجِّح. وهو مُحَالٌ، ومَجْمُوع القُدْرَة مع الدَّاعِي إلى الكُفْر، يُوجِب الكُفْرَ، فإذا كان خالِق القُدْرة والدَّاعِي هو اللَّه-تعالى-، وثبت أنَّ مَجْمُوعَهما يوجِبُ الكُفْر، ثبت أنَّ الله -تعالى- أراد الكُفْر من الكافِرِ.
وثانيها : أنَّ الله -تبارك وتعالى- كان عالماً بعدم الإيمان من الكَافِر، ووجُود الإيمَان مع العِلْم بِعدم الإيمان مُتضَادَّانِ، ومع وُجودِ أحَد الضِّدَّيْن كان حُصُول الضدِّ الثاني محالاً، مع العِلْمِ بِكَوْنه محالاً غير مُرَادِ، فامْتَنَع أن يُقال : إنه -تعالى- يريد الإيمان من الكافر.
وثالثها : هَبْ أن الإيمان الاخْتِيَاري أفْضلُ وأنْفع من الإيمان الحَاصِل بالجَبْر والقَهْر، إلاَّ أنَّه- تعالى لما عَلِم أنَّ ذلك النَّفْع لا يَحْصُل ألْبَتَّةَ، فقد كان يَجِبُ في رَحْمَته وحكمته، أن يخلق فيهم الإيمان على سَبِيل الإلْجَاء ؛ لأن هذا الإيمان وإن كان لا يُوجِب الثُّواب العظيم، فأقَل ما فيه أن يُخَلِّصَه من العِقَاب العَظيم، وتَرْك إيجَاد هذا الإيمان فيه على سبيل الإلْجَاء، يُوجِب وقوعَهُ في أشَدِّ العذاب، وذلك لا يَلِيقُ بالرَّحمة والإحْسان، كما إنَّ الوالد إذا كان له ولدٌ عزيزٌ، وكان الأبُ في غَاية الشَّفَقَة، وكان الولدُ واقفاً على طَرف البَحْر، فيَقُول له الوالد : غُصْ في قَعْر هذا البَحْر ؛ لتَسْتَخْرِج اللآلِئ العظيمة الرَّفيعة الغَالِية، وعلِم الوالد قَطْعاً أنَّه إذا غَاصَ في البَحْر، هلك، فهذا الأب وإن كان مشفقا عليه، وجب عليه أن يمنعه من الغوص في قعر البحر، ويقول له : أترك طلب اللآلِئ، فإنَّك لا تَجِدُها وتَهْلَك، والأوْلى لك أن تَكْتَفِي بالرِّزق القَلِيل مع السَّلامة، فأما أنْ يَأمُرَه في قَعْر البحر مع تيقّن الهلاك، فهذا يدلُّ على عَدَم الرَّحْمة ؛ وكذا هَهُنَا٣.
قوله :" وَمَا جَعَلْنَاكَ " " جعل " بمعنى : صيَّر فالكافُ مَفْعُول أول، و " حفيظا " هو الثاني، و " عليهم " متعلق به، قدّم للاهتمام أو للفواصل، ومفعول " حَفِيظ " مَحْذُوف، أي :" حفيظاً عليهم أعْمالهم ".
قال أبُو البقاء٤ :" هذا يُؤيِّد قَوْل سيبويه٥ في إعْمَال فَعِيل " يعني : أنه مِثالُ مُبالَغة، وللنَّاس في إعْمَاله وإعْمَاله وإعْمَال فعل خلاف أثْبَتَهُ سِيبويْه، ونفاه غَيْرُه.
[ قال شهاب الدين٦ ]٧ : يُؤيِّده وليْس شيءٌ في اللَّفْظ يَشْهَد لَهُ ؟
قوله :" وَمَا أنْتَ " يجُوز أن تَكُون " مَا " الحجازية، فيكُون " أنْتَ " : اسْمُهاَ، و " بوكيل " : خبرها في مَحَلِّ نصْب، ويجُوز أن تكُون التَّمِيميَّة ؛ فيكون " أنْتَ " : مبتدأ و " بوكيل " : خَبَره في محلِّ رفع، والباءُ زائدة على كلا التَّقْديرين، و " عليهم " : متعلِّق بوكيل قُدِّم لما فيما قَبْلَه، وهذه الجُمْلَة هي في مَعْنى الجملة قَبْلَها ؛ لأن معنى ما أنْت وَكِيلٌ عليهم، وهو بِمَعْنَى : ما جَعَلْنَاكَ حفيظاً عليهم، أي : رقيباً.
واعلم أنه -تبارك وتعالى- لما بيَّن أن لا قُدْرَةَ لأحد على إزالة الكُفْر عَنْهُم، ختم الكلام بما يَكْمُل معه تَبْصير الرَّسُوال ؛ لأنَّه لما بيَّن له قَدْر مَا جَعَل إلَيْه، فذكر أنَّه ما جَعَله عليْهم حَفِيظاً ولا وَكِيلاً، وإنَّما فوَّض إليه البَلاغ بالأمْر، والنَّهْي، البَيَان بذكر الدَّلائل، فإن انْقَادُوا للقَبُول، فنفعه عَائِدٌ إلَيْهم، وإلا فضرَرُه عَائِدٌ إليهم.
قال عطاء : وما جَعَلْنَاك علهيم حَفِيظاً : تمنعهم منِّي، أي : لم تُبْعَثْ لِتَحْفَظ المُشْرِكين من العذاب، إنما بُعِثْت مُبَلِّغاً، وما أنت عليهم بِوَكيل على سَبيل المَنْع لَهُم.

١ ينظر: الرازي ١٣/١١٣..
٢ سقط في أ..
٣ ينظر: الرازي ١٣/١١٤..
٤ ينظر: الإملاء ١/٢٥٧..
٥ ينظر: الكتاب ٢/٢٥٥..
٦ ينظر: الدر المصون ٣/١٥٣..
٧ سقط في أ..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية