يقول الله جل وعلا : ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل١٠٧ ( الأنعام : آية ١٠٧ ) لما قال الله ( جل وعلا ) لنبيه : اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين١٠٦ ( الأنعام : آية ١٠٦ ) لما أمره بالإعراض عن المشركين، بين أن إشراكه بالله واقع بمشيئة الله ( جل وعلا )، واتبعه بقوله : ولو شاء الله ما أشركوا . قد تقرر في فن المعاني : أن فعل المشيئة إذا ربط بأداة شرط يحذف مفعوله دائما، فمفعول المشيئة هنا محذوف، وتقديره : ولو شاء الله عدم إشراكهم ما أشركوا.
وهذه الآية الكريمة تبين أنه لا يقع شيء إلا بمشيئة الله، وأنه لو شاء عدم إشراك الكفار لم يشركوا. وقد دلت على هذا آيات كثيرة كقوله : ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ( الأنعام : آية ٣٥ ) ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ( السجدة : آية ١٣ ) وهذه الآيات ترد على القدرية الزاعمين أن الكفر والمعاصي بمشيئة العبد لا بمشيئة الله، فمذهبهم باطل، فروا من شيء فوقعوا فيما هو أشنع وأكبر منه، فهم يريدون التقرب لله، بأن يزعموا أن الخسائس كالسرقة، والزنا، والشرك أنها بمشيئة العباد لا بمشيئة الله، زاعمين أن الله أنزه وأعظم وأجل من أن تكون هذه الرذائل بمشيئته.
وهذه الشبهة –التي هي شبهة الجبر والقدر- هي أعظم الشبه التي في دين الإسلام، وكثير من ضعفاء العلم يصعب عليهم أن ينفكوا عنها ويتخلصوا منها، ونحن في هذه الدروس دائما نبين كيفية رد هذه الشبه، وخلوص مذهب أهل السنة والجماعة بين مذهب القدرية والجبرية كخلوص اللبن من بين الفرث والدم سائغا خالصا للشاريين.
ونقول مثلا : لو أراد سني أن يناظر جبريا وقدريا متمسكين بمذهب القدرية والجبرية، القدري " يزعم " ( في الأصل : " فيقول القدري مثلا الزاعم.... " فالكلام غير متلائم مع ما بعده ) أن أفعال العبد القبيحة بمشيئة العبد لا بمشيئة الله ويزعم الجبري أن الأفعال كلها من الله، فليس للعبد فعل. فلو قال جبري مثلا : هذه الأفعال الصادرة من الإنسان، كالإشراك والزنا والسرقة وما جرى مجرى ذلك من الرذائل، هي مكتوبة عليه قبل أن يولد، قدرها الله وكتبها في الأزل، وما قدره الله و كتبه لا يمكن أن يتغير ! ! يقول الجبري مثلا : ما سبق في علم الله من أن المشرك يشرك، وأن الزاني يزني، وأن السارق يسرق، سبق به العلم الأزلي، فلا يمكن أن يتغير، لأن ما سبق في علم الله لا يمكن أن يتغير ! ! فإذن يقول هذا الجاهل : إنه مجبور ما دام الفعل كتب عليه قبل أن يولد، وجفت الأقلام وطويت الصحف، فالواقع واقع لا محالة، فيقول : هو مجبور ! !
فيجيب السني مثلا فيقول : كل الأسباب التي هدى الله بها المهتدين أعطاكها، فالأبصار الذي أبصروا بها آيات الله أعطاك بصرا مثلها، والأسماع التي سمعوا بها آيات الله فاهتدوا أعطاك سمعا مثلها، والقلوب التي فهموا بها عظم الله، وأدلته، وبراهينه فاهتدوا اعطاك عقلا مثلها، والرسل التي نصحتهم، وبينت لهم، واهتدوا بهديها أرسلها إليك كما أرسلها لهم، فجميع الأسباب الذي اهتدوا بها المهتدون أعطاكم، ولم يبق فرق بينك أيها الضال وبين المهتدي إلا أن الله تفضل عليه بتوفيقه، ولم يتفضل عليك بتوفيقه، ويوضح هذا المقام : مناظرة أبي إسحاق الإسفرائيني وعبد الجبار المعتزلي. وذلك أن عبد الجبار جاء إلى أبي إسحاق متقربا بمذهب القدرية فقال : سبحان من تنزه عن الفحشاء ! ! يعني أن السرقة والزنا والإشراك ليست بمشيئته، وأنه يتنزه عن أن يشاء هذا.
فقال أبو إسحاق : كلمة حق أريد بها باطل ! ! ثم قال : سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء.
فقال عبد الجبار : أتراه يشاؤه ويعاقبني عليه ؟
فقال أبو إسحاق : أتراك تشاؤه جبرا عليه، أأنت الرب وهو العبد ؟
فقال عبد الجبار : أرأيت إن دعاني إلى الهدى وسد الباب دوني، دعاني ولم يسهل لي طريق الخروج، تراه أحسن إلي أم أساء ؟
فقال أبو إسحاق : إن كان هذا الذي منعك حقا واجبا لك عليه فقد ظلمك وقد أساء – سبحانه عن ذلك- وإن كان ملكه المحض فإن أعطاك ففضل، وإن منعك فعدل.
فبهت عبد الجبار، وقال الحاضرون : والله ما لهذا جواب.
وهذا مفهوم من قوله في السورة الكريمة : قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين١٤٩ ( الأنعام : آية ١٤٩ ) ملكه التوفيق يتفضل به على من يشاء، ويمنعه ممن يشاء، هو حجته البالغة على خلقه، لأن المالك إذا تفضل فأعطى ففضل منه، وإذا منع فعدل منه، ولذا قال : قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين١٤٩ .
وذكروا عن عمرو بن عبيد، كبير المعتزلة، مع قوته، وذكائه، ومعرفته، أنه جاء بدوي وقال له : كنت أعمل على دابتي فسرقها اللصوص، فادع الله أن يردها على. فقال عمرو بن عبيد يتقرب بهذا المذهب الباطل، فقال : اللهم إنها سرقت، ولم ترد سرقتها، لأنك أكرم وأجل وأنزه من أن تريد السرقة. فقال له ذلك البدوي : ناشدتك الله يا هذا إلا ما كففت عني من دعائك الخبيث. إن كانت قد سرقت ولم يرد سرقتها فقد يريد ردها ولا ترد.
فالحاصل انه لا يقع في الكون شيء كائنا ما كان إلا بمشيئة خالق السماوات والأرض، وانه لا جبر ولا قدر، وأن الله تبارك وتعالى قدر في سابق أزله أن يخلق قوما مجبولين على الخير والفضل، ويوفقهم إلى ما يرضيه، لتظهر فيهم أسرار أسمائه وصفاته، من اسمه الكريم، واللطيف، وغير ذلك من أسماء الكرم والجود، وقدر في أزله أن يخلق آخرين مطبوعين على القذارة والنجاسة، ليظهر فيهم بعض أسراره كالقهار، يظهر فيهم قهره، وجبروته، وعظمته، وشدة عقابه، ليجتمع للناس الخوف والطمع، لأنه لو كان خوف لا طمع معه فقد يكون هنالك بغض، وإن كان طمع لا خوف معه فقد يكون هنالك أمن يحمل على الدلال وسوء الأدب، فخلق بعض الخلق وقدر لهم الشقاء الأزلي، لما جبلهم عليه من الخبث، ليظهر فيهم بعض أسرار أسمائه وصفاته، من قهره، وملكه، وقوة بطشه، و إنصافه، وقدر لقوم آخرين الهدى ليظهر فيهم بعض أسرار أسمائه وصفاته من رحمته، وفضله، ولطفه، وكرمه، ولكن قدرة الله و إرادته صرفت قدر الخلق وإرادتهم إلى ما شاء الله وقدره في أزله، فأتوه طائعين. فالله ( جل وعلا ) بقدرته وإرادته يصرف قدرة العبد وإرادته إلى ما سبق به الكتاب في علمه الأزلي، فيأتيه طائعا : وما تشاءون إلا أن يشاء الله ( الإنسان : آية ٣٠ ) هذا هو أصل هذه المسألة. فالله يشاء، ويقدر، ويصرف قدر العباد وإرادتهم إلى ما سبق به العلم الأزلي، فيأتوه طائعين. وله المثل الأعلى، والحكمة البالغة في كل ما يقدر.
ولا يخفى أن الجبريين الذين يقولون : إن العبد لا فعل له، وإنما هذا فعل الله ! ! لا يقبل منك هذا العذر، ويقول : أنت الذي فعلت وفعلت. وينتقم منك غاية الانتقام، ولكنه بالنسبة إلى التكاليف يتعلل هذا التعلل الباطل. فكل شيء في الكون لا يقع في العالم تحريكه ولا تسكينه من خير أو شر إلا بمشيئة خالق السماوات والأرض. وهو يوجه قدر الخلق وإرادتهم إلى ما سبق به العلم الأزلي، فيأتوه طائعين، فريق في الجنة وفريق في السعير، ليظهر فيهم أسرار أسمائه وصفاته.
وبهذا يتضح أن القائلين بالجبر مفترون، وأن النافين للقدر أنهم كذلك مجوس هذه الأمة. فالله يقدر الأشياء في أزله، ويكتب كل شيء، ثم يصرف بقدرته وإرادته الخلق وقدرتهم، فيأتون ما سبق به العلم الأزلي طائعين.
وهذه المسألة قد سأل أصحاب النبي عنها النبي صلى الله عليه وسلم، فسألوه : هل هذا الذي نعمل له شيء مؤتنف، أو أمر قد قضي في السابق وانتهى وفرغ منه ؟ فبين لهم صلى الله عليه وسلم أنه أمر قضي وفرغ منه، فقالوا له : لم لا نترك العمل ونتكل على ما سبق به الكتاب في العلم الأزلي ؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم أجابهم فقال : اعملوا فكل ميسر لما خلق له . فمعنى هذا الحديث : أن الله يخلق الخلق ويجبلهم على ما شاء من خبث، ومن خير ومن شر، ثم يسهل كل واحد منهم وييسر ما خلق له، فييسر للسعيد عمل الخير، وللشقي عمل الشر، يصرف قدرهم و إرادتهم بقدرته و إرادته، فيأتوه طائعين، ولذا قال تعالى : ولو أشاء الله ما أشركوا ( الأنعام : آية ١٠٧ )أي : لو شاء عدم إشراكهم بالله ما أشركوا.
وقوله : وما جعلناك عليهم حفيظا كان النبي صلى الله عليه وسلم بما جبله الله عليه من الرأفة والرحمة يحزنه عدم إيمانهم، فالله يقول : أنا ما جعلتك حفيظا عليهم، حافظا تحفظهم من الوقوع في الشر، وتيسرهم إلى الخير، ولا جعلتك وكيلا عليهم تحاسبهم بأعمالهم وتجازيهم، بل أنا الذي أوفق من شئت، وأضل من شئت، وأحصي عليهم أعمالهم فأجزيهم عليها، فذكر فإنما أنت مذكر٢١لست عليهم بمسيطر ٢٢ ( الغاشية : الآيتان٢١-٢٢ )وكقوله : فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ( الرعد : آية ٤٠ ) والمعنى : كأنه يقول له : لست موكلا بأعمالهم، ولا حافظا لهم توفقهم، حفظهم ومحاسبتهم على الله، و إنما انت نذير، وقد قمت بوظيفتك، وبلغت، فأرح نفسك، ولا تحزن، كما قال له : ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون ( النحل : آية ١٢٧ ) وقد تقدم في هذه السورة الكريمة قوله : قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون إلى ان قال : فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية أي : فتقهرهم بها على الإيمان فافعل. ثم قال : ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين ( النعام : الآيات ٣٣-٣٥ ). وقال له : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين٣ ( الشعراء : آية ٣ )، فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا٦ ( الكهف : آية ٦ )ومعنى باخع نفسك أي : مهلكها من الحزن عليهم، ولذا قال له هنا : وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل ( الأنعام : آية ١٠٧ ).
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير