وفي هذه الآية ترتيب غريب عجيب، بالغ في الحسن، لأن السبب الأول : هو الغرور والخديعة، فتسبب عن الغرور والخديعة : أن صغت إليه قلوبهم ومالت، ثم تسبب عن صوغ القلب وميلها : أنهم أحبوه ورضوه، ثم تسبب عن كونهم أحبوه ورضوه : أن اقترفوه، ولذا رتبها على هذا الترتيب، قال أولا : " غرورا " أي : لأجل أن يغروهم. ثم نتج من الغرور : صوغ أفئدتهم إليه. قال : " ولتصغى إليه أفئدة الذين " ثم تسبب عن كونها صغت إليه : أنها رضيته وأحبته، ولذا قال :" وليرضوه " ثم تسبب عن رضاهم ومحبتهم له أنهم فعلوه واقترفوه، ولذا جاء بعدها بقوله : " وليقترفوا ". وقوله :" ولتصغى " وهو معطوف على " غرورا " والمعنى : يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول لأجل الغرور. أي : لأجل أن يغروهم، ولأجل أن تصغى. و( تصغى ) معناه : تميل. تقول العرب : " صغي يصغى " كلها بمعنى : مال إليه، و " أصغى يصغي إصغاء " أيضا إذا مال. وهذا معروف في كلام العرب، وفي القرآن العظيم :" إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما " ( التحريم : آية ٤ ) أي : مالت إلى أمر تعلمان أن النبي لا يحبه. وقوله هنا : " ولتصغى " أي : تميل إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، ومادة ( صغى ) تستعمل واوية ويائية اللام. تقول العرب : " صغى يصغى "، و " صغى يصغو "، و " صغي يصغى "، كلها بمعنى : مال. وأصغى الإناء : إذا أماله، ومنه : رجل مصغى الإناء. إذا كان منقوص الحظ. تقول :" بنو فلان يصغون إناء فلان ". إذا كانوا ينقصونه من حقه، لأن الإناء المائل لا يحمل من الملء قدر ما يحمله الإناء المعتدل، فالناس إذا وضعت أوانيها لتملأ لها فالإناء المصغى – أعني المائل- لا يحمل كثيرا، بخلاف الإناء المعتدل فإنه يمتلء. وهذا معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول غسان بن وعلة، ويروى للنمر بن تولب العكلي قال :
| إذا كنت في سعد وأمك منهم | فقيرا فلا يغررك خالك من سعد |
| فإن ابن أخت القوم مصغى إناؤه | إذا لم يزاحم خاله بأب جلد |
" أصغى إليه " إذا أمال إليه أذنه. ومنه قولهم :" أصغت الناقة إلى من يشد الرحل عليها ". إذا صارت تميل إلى من يشد الرحل عليها، كالذي يستمع. ومنه قول غيلان ذي الرمة :
| تصغي إذا شدها بالكور جانحة | حتى إذا ما استوى في غرزها تثب |
| إن السفيه به عن كل مكرمة | زيغ وفيه إلى التشبيه إصغاء |
ومعنى قوله :" ولتصغى إليه " أي : لتميل إليه، أي : ذلك القول المزخرف المزين الباطل، الذي توحيه شياطين الإنس والجن، تميل إليه " أفئدة " أي : قلوب. الأفئدة : جمع الفؤاد، والفؤاد : القلب.
" ولو شاء ربك ما فعلوه " مفعول المشيئة محذوف، والمعنى : لو شاء ربك عدم فعلهم إياه ما فعلوه، فالضمير في " ما فعلوه " يرجع في أظهر الأقوال إلى " زخرف القول " الذي يوحونه إليهم، فزخرف القول الذي يوحونه إليهم لو شاء ربك ما فعلوه. والمعنى : لو شاء الله لكف شياطين الإنس والجن عن غرور الناس، وزخرفة الأقوال لها ليغروها، ولكن له ( جل وعلا ) في ذلك حكمته البالغة، يفتن خلقه ليظهر المطيع من العاصي.
وقوله :" فذرهم وما يفترون " ذرهم : معناه أتركهم، وهذا الفعل لا يوجد منه في اللغة العربية إلا الأمر و المضارع. تقول العرب : " ذر "، وتقول :" يذر ". بالمضارع والأمر. ولا يوجد من مادته فعل ماض، ولا مصدر، ولا اسم فاعل ولا اسم مفعول، فماضي " ذر " هو قولك : " ترك ". واسم فاعله : تارك، واسم مفعوله : متروك. ومصدره : الترك. ولا يستعمل منه إلا الأمر والمضارع. ومعنى " ذرهم " : اتركهم.
" وما يفترون " ( ما ) منصوبة لأنها مفعول معه. ويحتمل أن تكون مصدرية والمعنى : ذرهم وافترائهم. وعلى أنها موصولة فالمعنى : اتركهم والذي يفترونه على الله. وصيغة الأمر هنا إنما هي للتهديد، والمعنى : خلهم وافتراءهم فسيجدون غب ذلك، ويعلمون عاقبته الوخيمة. وقد تقرر في فن الأصول في مباحث الأمر، وفي فن المعاني في مباحث الإنشاء : أن من المعاني التي تأتي لها صيغة ( افعل ) منها : قصد التهديد والتخويف، كقوله : ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون٣ ( الحجر : آية ٣ ) وقوله : تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار ( الزمر : آية ٨ ) وقوله : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ( الكهف : آية ٢٩ ) كل هذه صيغ مراد بها التهديد، ولذا قال هنا : فذرهم وما يفترون والافتراء : هو اختلاق الكذب والعياذ بالله جل وعلا.
وقوله : ولتصغى إليه ( الأنعام : آية ١١٣ ) أي : ليغروهم، ولتميل إليه، أي : إلى ذلك القول المزخرف المزين الباطل، ليكون سببا للضلال، تميل إليه أفئدة : أي : قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة – والعياذ بالله - لأن المؤمنين يعرفون زخارف الشيطان ووحيه، فيتباعدون منه ويجتنبونه، ولذا قال : ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه . إذا مالت قلوبهم إليه يرضوه ويحبوه، ثم إذا رضوه وقعوا في الكفر المزين المزخرف والعياذ بالله.
وليقترفوا ما هم مقترفون ( الأنعام : آية ١١٣ ) الاقتراف في لغة العرب : معناه الاكتساب. والمعنى : وليكتسبوا ما هم مكتسبون إياه من الكفر والمعاصي – عياذا بالله- بسبب ذلك القول المزخرف، الذي صغت إليه قلوبهم ورضوه وأحبوه، ووقعوا بسببه بالكفر والمعاصي. والاقتراف : الاكتساب. وتقول : راح فلان يقترف لأهله أي يكتسب لهم من الدنيا. والمراد بالإقتراف هنا : اكتساب المعاصي هذا معنى قوله : وليقترفوا ما هم مقترفون .
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير