ﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎ

وكيف يسلك هؤلاء الناس :
ولتصغى إليه أفئدة الّذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون ( ١١٣ ) . كأن من يؤمن بالآخرة لا يقرب منه الزخرف أبدا ولا يميل إليه. وإن زينت له معصية فإنه يتساءل : كم ستدوم لذة هذه المعصية ؟ دقيقتين، ساعة، شهرا ؛ وماذا أفعل يوم القيامة الذي يكون فيه الإنسان إما إلى دخول الجنة وإما إلى دخول النار. إذن فمن يؤمن بالآخرة لا تتقبل أذنه ولا فؤاده هذا الزخرف من القول، ولا يتقبله إلا من لا يؤمن بالآخرة، وهو لا يعرف إلا الدنيا، فيقول لنفسه : فلتتمتع في الدنيا فقط، ولذلك لو استحضر كل مؤمن العقوبة على المعصية ما فعلها، وهو لا يفعلها إلا حين يغفل عن العقوبة. وإذا كنا في هذه الدنيا نخاف من عقوبة بعضنا بعضا، وقدراتنا في العقوبة محدودة، فما بالنا بقدرة الرب القاهرة في العقوبة ؟ ! ولذلك نجد الذين يجعلون الآخرة على ذكر من أنفسهم وبالهم إذا عرضت لهم أي معصية، يقارنونها بالعقاب، فلا يقتربون منها. ولتصغى إليه أفئدة الّذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مّقترفون .
والإصغاء هو ميل الأذن إلى المتكلم ؛ لأنك قد لا تسمع من يتكلم بغير إصغاء، وحين يسير الإنسان منا في الطريق فهو يسمع الكثير، لكن أذنه لا تتوقف عند كل ما يسمع، بل قد تقف الأذن عندما يظن الإنسان أنه كلام مهم. ولذلك يسمونه التسمّع لا السمع، وهذا هو الإصغاء. ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام : من تسمّع غانية أي امرأة تغني بخلاعة ولم يقل : " من سمع "، والإنسان منا قد يسير ويذهب إلى أي مكان والمذياع يذيع الأغاني، ويسمعها الإنسان، وآلة إدراك السمع منطقة وليست مفتوحة ؛ فهو لا يتصنت، وآلة إدراك الانطباقية أو الانفتاحية مثل العين ؛ فالعين لا ترى وهي مغمضة، إنها ترى وهي مفتوحة، والعين تغمض بالجفون أما الأذن فليس لها جفون يقول لها : لا تسمعي هذه، وهذه اسمعيها.
إذن فالسمع ليس للإنسان فيه اختيار، لكن التسمّع هو الذي له فيه اختيار.
ولتصغى إليه أفئدة الّذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مّقترفون ( ١١٣ ) [ سورة الأنعام ].
كأن فيه شيء ينبع طلب السمع فيه من الفؤاد، أي يوافق ما في الأعماق، وشيئا آخر يمر عليه الإنسان مر الكرام غير ملتفت إليه. والأفئدة هي القلوب، صحيح أن الآذان هي التي تصغي، لكن القلوب قد تتسمع ما يقال، وكأن النفس مستعدة لهذه العملية ؛ لأنها لا تؤمن بأن هناك آخرة وعندها استعداد لأن تأخذ لذة الدنيا دون التفات للآخرة. ولذلك ينقل الحق سبحانه الإصغاء من الأذن إلى الفؤاد وهذا إدراك.
ولتصغى إليه أفئدة الّذين لا يؤمنون بالآخرة.. ( ١١٣ ) [ سورة الأنعام ]
ثم تأتي المرحلة الثانية والمرحلة الثالثة :
وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون ( ١١٣ ) [ سورة الأنعام ]
وقد يصغي إنسان، ثم تتنبه نفسه اللوامة، ويمتنع عن الاستجابة. لكن هناك من يصغي ويرضي وجدانه ويستريح لما يسمع، ثم ينزع للعمل ليقترف الإثم.
وهذه ثلاث مراحل : الأولى هي : ولتصغى إليه أفئدة الّذين لا يؤمنون بالآخرة . ثم المرحلة الثانية : وليرضوه ، ثم المرحلة الأخيرة : وليقترفوا أي يرتكبوا الإثم، وهذه المسألة حددت لنا المظاهر الشعورية التي درسها علماء النفس فالإدراك ؛ لتصغى ، والوجدان، ليرضوه ، والنزوع ؛ ليقترفوا .
وقبل أن يولد علم النفس جاء القرآن بوصف الطبيعة البشرية بمراحلها المختلفة من إدراك ووجدان، ونزوع، والشرع لا يتدخل عند أي مظهر من مظاهر شعور المرء إلا عند النزوع إلا في حالة واحدة حيث لا يمكن فصل النزوع عن الوجدان وعن الإدراك ؛ لذلك يتدخل الشرع من أول الأمر، وهو ما يكون في عملية نظر الرجل إلى المرأة ؛ لأنك حين تنظر تجد في نفسك : تحبها وتعشقها تفتن بها، ومحرم عليك النزوع، فحين تتقدم ناحيتها يقول لك الشرع : لا. ولأن هذا أمر شاق على النفس البشرية، لا يمكن فصل هذه العمليات ؛ لأنه إن أدرك وجد، وإن وجد نزع، فأمر الحق بالامتناع من أول الأمر :
قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم.. ( ٣٠ ) [ سورة النور ]
وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهنّ.. ( ٣١ ) [ سورة النور ]
إذن فقد منع الإدراك من بدايته ولم ينتظر حتى النزوع، لماذا ؟ لأن الإدراك الجمالي في كل شيء يختلف عن الإدراك الجمالي في المرأة. الإدراك الجمالي في المرأة يحدث عملية كيماوية في الجسم تسبب النزوع، ولا يمكن فصلها أبدا.
ولتصغى إليه أفئدة الّذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مّقترفون
فساعة ما نقول : " ما " ويأتي الإبهام فهذا دليل على أن هناك أمور كثيرة جدا.
ولذلك يقول الحق :
فغشيهم من اليمّ ما غشيهم ( ٧٨ ) [ سورة طه ]
أي أنه أمر لا يمكن أن تحدده الألفاظ، مثله مثل قوله : وليقترفوا ما هم مقترفون
أي أن كل واحد يقترف ويكتسب ويعمل ويرتكب ما يميل إليه ؛ فهناك من يغتاب أو يحسد أو يسرق وغير ذلك من شهوات النفس التي لا تحدد ؛ لذلك جاء لها باللفظ الذي يعطي العموم.
وما دامت المسألة في نبوة وإتباع نبوة، وفي أعداء شياطين من الإنس والجن ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا إذن فهذه معركة، وحتى يتم الفصل فيها لابد من حاكم يحكم. فأوضح الحق : يا محمد أنا أرسلتك، ولك أعداء وسيكيدون لك بكذا وكذا ويبذلون قصارى جهدهم في إيذائك ومن اتبعك، فإياك أن تبتغي حكما غيري ؛ لأني أنا المشرع وأنا من أحكم، وأنا الذي سوف أجازي.
لماذا ؟ لأن الخلاف على ما شرع الله، ولا يستقيم ولا يصح أن يأتي من يقول مراد المقنن كذا، أو المفسر الفرنسي قال كذا، والمفسر الإنجليزي قال كذا، لا، إن الذي يحكم هو من وضع القانون، ومراداته هو أعلم بها، والحق الواضح هو أعلم به، وسبحانه هو من يحكم، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول :( إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها )(١).
أي إياك أن يقول واحد : إن النبي قد حكم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد حكم بظاهر الحجة، وقد يكون واحد من المختصمين قوي الحجة، والآخر لا يجيد التعبير عن نفسه.
إذن فالحكم هو الله لأنه هو الذي قنن، ومادام هو الذي قنن وهو الذي يحكم بينكم، فليطمئن كل إنسان يتخاصم مع غيره ؛ لأن القضية يفصل فيها أعدل العادلين وأحكم الحاكمين.
ولذلك يقول الحق سبحانه :
أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصّلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنّه منزّل مّن رّبّك بالحقّ فلا تكوننّ من الممترين ( ١١٤ ) .

١ رواه مالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير