ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ

ويقول الحق بعد ذلك :
أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في النّاس كمن مّثله في الظّلمات ليس بخارج منها كذلك زُيّن للكافرين ما كانوا يعملون ( ١٢٢ ) :
والحق سبحانه وتعالى كما عرفنا يعرض بعض القضايا لا عرضا إخباريا منه، ولكن يعرضها باستفهام، لأنه جل وعلا عليم بأنه حين يأتي لك الاستفهام ؛ ثم تدير ذهنك لتجيب فلت تجد إلا جوابا واحدا هو ما يريده الحق. إذن فالأسلوب أحيانا يكون أسلوبا خبريا أو يكون استفهاما بالإثبات أو استفهاما بالنفي. وحين يعرض سبحانه القضية التي نحن بصددها يوضح وهو العليم أنك إن أحببت أن تجيب فلت تجد إلا الجواب الذي يريده الحق
إننا نجد في الآية الكريمة موتا وحياة، وظلاما ونورا.
وما هي الحياة ؟. الحياة هي وجود الكائن على حالة تمكنه من أداء مهمته المطلوبة منه، وما دام الشيء يكون على حالة يؤدي بها مهمته ففيه حياة، وأرقى مستوى للحياة هو ما تجتمع فيه الحركة والحس والفكر، وهذه الأمور توجد كلها في الإنسان. أما الحيوان ففيه حس وحركة وليس عنده فكر. غير أن الحيوان له غريزة أقوى من فكر الإنسان، فهو محكوم بالغريزة في أشياء وبالاختيار في أشياء، وليس لك في الغريزة عمل. لكن في مجال الاختيار لك عمل، تستطيع أن تعمله وتستطيع ألا تعمله.
إذن فالحياة هي أن يكون الكائن على حال يؤدي به مهمته المطلوبة منه. وعلى هذا الاعتبار ففي الإنسان حياة، وفي الحياة حياة، وفي النبات حياة، وفي الجماد حياة، وكلما تقدم العلم يثبت لنا حيوات أشياء كثيرة كنا نظن ألا حياة فيها، وإن ظهر لنا في التفاعلات أن بعض الأشياء تتحول إلى أشياء أخرى، فعلى سبيل المثال الحيوان فيه حياة فإذا ذبحناه وأكلناه، ورمينا عظامه، كانت فيها حياة من نوع ثم صارت أجزاؤه إلى جمادية لها حياة من نوعها، بدليل أنه حين يمر بعض من الزمن يتفتت العظم.
وكنا قديما في الريف نحلب اللبن في أوعية من الفخار وتوضع في مراقد، ويستمر اللبن أسبوعا في المرقد، ويكون أحلى في يومه عن أمسه. ويزداد اللبن حلاوة كل يوم، ثم تأخذ زوجة الفلاح قطعة القشدة الأخيرة وتصنع منها الجبن الجميل الطعم. أو الزّبد لكن بعد أن غلينا اللبن نجده يفسد بعد عدة ساعات ؛ لأنك حين وضعته في المرقد، أخذته بالحياة فيه فظلت في حيوية حياته، لكن حين غليته فقد قتلت ما فيه من الحياة، فإن لم تضعه في ثلاجة لابد من أن يتعفن، ومعنى التعفن، أنه لم يعد يؤدي مهمته كلبن، إنما انتقل إلى حياة أخرى بفعل البكتيريا وغيرها، ولا يذهب الحياة إلا الهلاك وهو ما قاله الحق :
كل شيء هالك إلا وجهه.. ( ٨٨ ) [ سورة القصص ].
إذن لا تأخذ الميت على أنه شيء ليس فيه حياة، ولكنه انتقل إلى حياة ثانية.
أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في النّاس.. ( ١٢٢ ) [ سورة الأنعام ]
كأن للإنسان حياة في ذاته، ثم جعل الحق له نورا يمشي به. كأن الحياة متنقلة في أشياء، ويحتاج الإنسان إلى حياة، ويحتاج إلى نور تتضح به مرائي الأشياء. وكانوا قديما يعتقدون أن الإنسان يرى حين ينتقل شعاع من عينه إلى المرئي فيراه، إلى أن جاء العربي المسلم ابن الهيثم. وقال هذا رأي جانبه الصواب في قانون الضوء، وقال : إن الإنسان يرى ؛ لأن شعاعا من المرئي يصل إلى عين الرائي. بدليل أن المرئي إن كان في ضوء يدركه الإنسان، وإن كان في ظلمة لا يدركه الإنسان، ولو كانت الأشعة تخرج من عين الإنسان لرأى الأشياء سواء أكانت في نور أم في ظلمة، وتعدلت كل النظريات في الضوء على يد العالم المسلم، وجاءت من بعد ذلك الصور الفوتوغرافية والسينما. إذن فالنور وسيلة إلى المرئيات.
ويترك الحق سبحانه وتعالى في أقضية الكون الحسية أدلة على الأقضية المعنوية ؛ فالنور الحسي الذي نراه إما ضوء الشمس وإما ضوء القمر، وإما ضوء المصباح، وإما غير ذلك، وهذا ما يجعل الإنسان يرى الأشياء، ومعنى رؤية الإنسان للأشياء أن يتعامل معها تعاملا نفعيا غير ضار. ونحن نضيء المصباح بالكهرباء حيث يغيب النور الطبيعي نور الشمس وعندما نضيء مصابيحنا نرى الأشياء ونتفاعل معها ولا نحطمها ولا تحطمنا، وكل واحد منا يأخذ من النور على قدر إمكاناته. إذن كل واحد يضيء المكان المظلم الذي اضطر إليه بغيبة المنير الطبيعي على حسب استطاعته، فإذا ظهرت الشمس أطفأنا جميع مصابيحنا ؛ هذا دليل من أدلة الكون الحسية الملموسة لنأخذ منها دليلا على أن الله إن فعل لقيمنا نورا فلا نأتي بقيم من عندنا، ما دامت قيمه موجودة.
ويوضح لنا الله أن الإنسان بدون قيم هو ميت متحرك، ويأتيه المنهج ليحيا حياة راقية. ويوضح سبحانه لكل إنسان : احرص على الحياة الثانية الخالدة التي لا تنتهي وذلك لا يتأتى إلا بإتباع المنهج، وإياك أن تظن أن الحياة فقط هي ما تراه في الوجود لأنه إن كانت هذه هي غاية الحياة لما أحس الإنسان بالسعادة ؛ لأنه لو كانت الدنيا هي غايتنا للزم أن يكون حظنا من الدنيا جميعا واحدا وأعمارنا واحدة، وحالاتنا واحدة، والاختلاف فيها طولا وقصرا وحالا دليل على أنها ليست الغاية ؛ لأن غاية المتساوي لابد أن تكون متساوية.
إذن فقول الله هو القول الفصل : وإن الدار الآخرة لهي الحيوان.. ( ٦٤ ) [ سورة العنكبوت ]
فهذه هي الحياة التي لا تضيع منك ولا تضيع منها، ولا يفوتك خيرها ولا تفوته. إذن فالذي يحيا الحياة الحسية الأولى وهي الحركة بالنفخ في الروح هو ميت متحرك.
أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به ( من الآية ١٢٢ سورة الأنعام )
أي أنه سبحانه قد أعطى لمثل هذا العبد حياة خالدة ونورا يمشي به، لا يحطم ولا يتحطم.
أما من يقول : إن الحياة بمعناها الدنيوي، لا تختلف عن الحياة في ضوء الإيمان، لمثل هذا نقول : لا، ليس بينهما تساو فهما مختلفتان بدليل أن الحق يقول :
استجيبوا للّه وللرّسول إذا دعاكم لما يحييكم ( من الآية ٢٤ سورة الأنفال )
فسبحانه يخاطبهم، وما دام يخاطبهم فهم أحياء بالقانون العادي، لكنه سبحانه أنزل لرسوله المنهج الذي يحيا به المؤمن حياة راقية، وافطنوا إلى أن الحق سبحانه وتعالى أعطى ومنح الروح الأولى التي ينفخها في المادة فتتحرك وتحس بالحياة الدنيا، إنه أعطاها المؤمن والكافر. ثم يأتي بروح ثانية تعطي حياة أبدية. ولذلك سمي منهج الله لخلقه روحا :
وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ( من الآية ٥٢ سورة الشورى )
فالمنهج يعطي حياة خالدة.
إذن فقوله الحق : أو من كان ميتا فأحييناه أي أو من كان ضالا فهديناه، أو من كان كافرا فجعلناه مؤمنا. ولنلحظ أن فيه " ميِِْتا " بالتخفيف، وفيه ميّت بالتشديد. والميّت هو من يكون مآله الموت وإن كان حيا، فكل منا ميّت وإن كان حيا. ولكن الميِْت من مات بالفعل وسلبت وأزهقت روحه. ولذلك يخاطب الحق نبيه صلى الله عليه وسلم فيقول له :( إنك ميّت ).
أي تؤول إلى الموت وإن كنت حيّا الآن. لأن كلا منا مستمر في الحياة إلى أن يتلبس بصفة الفناء، ويقول الحق : فأحييناه أي بالمنهج الذي يعطيه حياة ثانية، ولذلك سميّ القرآن روحا، وسمّي من نزل القرآن روحا أيضا.
وجعلنا له نورا يمشي به في الناس ولماذا يمشي به في الناس فقط، وليس بين كل الأشياء ؟ ؛ لأن الأشياء الأخرى من الممكن أن تحاط أنت منها، ولكن كلمة الناس تعبر عن التفاعل الصعب لأنهم أصحاب أغيار. ويتابع الحق : كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها " وهذا تساؤل جوابه : لا، أي ليس كل منهما مساويا للآخر، ومثلما نقول : هل يستوي الأعمى والبصير ؟. والفطرة هنا تقول : لا، مثلما تؤكد الفطرة عدم استواء الظلمات والنور، أو الظل والحرور، وهنا يأمننا الله على الجواب ؛ لأنه سبحانه يعلم أن الأمر إذا طرح كسؤال وكاستفهام فلن نجد إلا جوابا واحدا هو ما يريد الحق أن يقوله خبرا.
ويذيل الحق الآية : كذلك زيّن للكافرين ما كانوا يعملون ( من الآية ١٢٢ سورة الأنعام )
والمعنى هنا أي تركناهم عرضة لأن ينفعلوا للتزيين، ولم يحمهم الحق بالعصمة في اختيارهم ؛ لأنه سبحانه قد ترك الاختيار حرا للإنسان :
فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ( من الآية ٢٩ سورة الكهف )

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير