وسبب هذه الموتات : صحبة الغافلين ؛ الموتى، وطاعتهم حتى يمكروا بصاحبهم، كما قال تعالى :
وَكَذالِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ
قلت : جعلنا بمعنى صيَّرنا، يتعدى إلى مفعولين، و مجرميها : مفعول أول، مؤخر، و أكابر : مفعول ثان، وفيه ضعف من جهة الصناعة ؛ لأن أكابر جمع أكبر، وهو من أفعل التفضيل، فلا يستعمل إلا بالإضافة، أو مقرونًا بمن. قاله ابن جزي.
قلت : ويُجاب بأنه لم يقصد به المفاضلة، وإنما المراد مطلق الوصف، أي : جعلناهم كبراء، فلا يلزم إفراده ولا اقترانه بمن. فتأمله.
يقول الحقّ جلّ جلاله : وكذلك أي : كما جعلنا في مكة أكابر مجرميها، ليمكروا فيها بأهلها، جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها أي : مجرميها أكابر، ليمكروا فيها بمن فيها، فيمكروا بالناس فيتبعوهم على ذلك المكر، لأنهم أكابر تصعب مخالفتهم، فيحملونهم على الكفر والعصيان، ويخذلونهم عن الإسلام والإيمان، وما يمكرون إلا بأنفسهم ؛ لأن وبال مكرهم راجع إليهم، وما يشعرون بذلك.
الإشارة : إذا أراد الله بقومٍ خيرًا جعل الخير في أكابرهم : فيجعل أُمراءهم عُدولاً حُلَماء، وعلماءهم زهَّادًا أعفَّاءً، وأغنياءهم رحماء أسخياء، وصُلحاءهم قانعين أغنياء، وإذا أراد بهم شرًا جعل الشر في كبرائهم، فيجعل أمراءهم فجارًا يحكمون بالهوى، وعلماءهم حراصًا جامعين للدنيا، وأغنياءهم أشحاء قاسية قلوبهم، وصلحاءهم طماعين في الناس، منتظرين لما في أيديهم، فبهؤلاء يصلح الدين إذا صلحوا، ويفسد إذا فسدوا، وفي ذلك يقول ابن المبارك رحمه الله :
| وَهَل أفسَدَ الدِّينَ إلا المُلُوكُ | وأحبارُ سُوءٍ وَرُهبَانُها |
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي