ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡ

تفسير المفردات : الأكابر واحدهم أكبر أو كبير : وهو الرئيس، والمجرمون : فاعلو الإجرام، والإجرام : هو ما فيه الفساد والضرر من الأعمال، والقرية : البلد الجامع للناس " العاصمة في عرف هذا العصر " وقد تطلق بمعنى الشعب أو الأمة، ويرادفها البلد في اصطلاح هذا العصر فيقولون ثروة البلد، مصلحة البلد ويريدون الأمة، والمكر : صرف المرء غيره عما يريده إلى غيره بضرب من الحيلة في الفعل، أو الخلابة في القول.
المعنى الجملي : بعد أن أبان سبحانه أن أكثر أهل الأرض ضالون متبعون للظن، والحدس، وأن كثيرا منهم يضلون غيرهم بأهوائهم بغير علم، وأن الشياطين منهم العاتين عن أمر ربهم يوحون إلى أوليائهم ما يجادلون به المؤمنين ليضلوهم ويحملون على اقتراف الآثام، و يحملوهم أيضا على الشرك بالله بالذبح لغيره والتوسل به إليه وهو عبادة له ـ ضرب هنا مثلا يستبين به الفرق بين المؤمنين المهتدين للاقتداء بهم، والكافرين الضالين للتنفير من طاعتهم والحذر من غوايتهم مع ذكر السبب في استحسان الكافرين لأعمالهم وهو تزيين الشيطان لهم ما يعملون، ومن ثم انغمسوا في ظلمات لا خلاص لهم منها، وأصبحوا في حيرة وتردد على الدوام.
الإيضاح : وكذلك جعلنا في كل قرية أكبر مجرميها ليمكروا فيها أي وكما أن أعمال أهل مكة مزينة لهم جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها، فزين لهم بحسب سننا في البشر سوء أعمالهم في عدوان الرسل ومقاومة الإصلاح إتباعا للهوى، واستكبارا في الأرض.
ومجمل القول : إن سنة الله في الاجتماع البشري قد قضت أن يكون في كل عاصمة لشعب أو أمة بعث فيها رسول أو لم يبعث زعماء مجرمون يمكرون بالرسل وبسائر المصلحين من بعدهم، وهكذا كان الحال في أكثر أكابر الأمم والشعوب ولاسيما في العصور التي تكثر فيها المطامع ويعظم حب الرياسة والكبرياء فتراهم يمكرون بالأفراد والجماعات، فيحفظوا رياستهم ويعززوا كبرياءهم كما يمكرون بغيرهم من الساسة والرؤساء إرضاء لمطامع أمتهم وتعزيز نفوذ حكومتهم بين الشعوب والدول.
والمراد بالأكابر المجرمين من يقامون دعوة الإصلاح ويعادون المصلحين من الرسل وورثتهم، وكان أكثر أكابر مكة كذلك، وتخصيص الأكابر بذلك لأنهم أقدر على المكر واستتباع الناس لهم.
وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون أي وما يمكر أولئك الأكابر المجرمون الذين يعادون الرسل في عصرهم ودعاة الإصلاح من ورثتهم من بعدهم إلا بأنفسهم. وهكذا شأن من يعادون الحق والعدل ليبقى لهم ما هم عليه من فسق وفساد، لأن سنة الله قد جرت بأن عاقبة المكر السيئ تحيق بأهله في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فبما ثبت في القرآن من نصر المرسلين وهلاك الكافرين المعاندين، ومن علو الحق على الباطل، ومن هلاك القرى الظلمة، وبما أيده الاختبار ودلت عليه نظم العمران من أن تنازع البقاء يقضي ببقاء الأمثل والأصلح فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض [ الرعد : ١٧ ].
وقد أشارت الآيات إلى أن هذا كان سنة الله في الأولين فقال : ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون٥٠ فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين [ النمل : ٥٠ ٥١ ] أي فالذين كانوا يمكرون السيئات لمقاومة إصلاح الرسل حرصا على رياستهم وفسقهم وفسادهم، لم يكونوا يشعرون بأن عاقبة مكرهم تحيق بهم، لجعلهم بسنن الله في خلقه، وهم خليقون بهذا الجهل، وأما في الآخرة فالأمر واضح والنصوص متظاهرة على ذلك.
وهذه الجملة متضمنة لوعيد الماكرين من مجرمي أهل مكة، وفيها وعد وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير