ﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠ

(.... )فيها الربا إجماعا، التي هي : القمح والشعير والتمر والزبيب، قالوا : كل واحدة من هذه الأربعة مقتاتة مدخرة، معناه أنها قوت يتقوت به الإنسان، وأنه يدخرها أزمانا فلا تضيع، فكل مقتات مدخر من الحبوب والثمار تجب فيه الزكاة عند مالك والشافعي. وأنهما اتفقا أيضا على أن الأشجار ليس في ثمارها شيء مقتات مدخر إلا الزبيب والتمر خاصة، ولم يوجب مالك والشافعي الزكاة إلا في التمر والزبيب خاصة، أما غيرها من ثمار الأشجار فليست عندهما مما يقتات ويدخر، ولم يوجب فيها شيئا إلا الزبيب والتمر، وأما الحبوب فإن مالكا و الشافعي اتفقا أيضا على أن كل ما يقتات ويدخر من الحبوب أنه تجب فيه الزكاة، وهي العشر ونصف العشر على ما قررنا، والحبوب المقتاتة المدخرة : كالقمح من السلت، والعلس، والأرز، والذرة، وأنواع القطاني الثمانية : كالبسيلة، والجلبان، والحمص، والترمس والفول، إلى غير ذلك من أنواع القطاني الثمانية، لأن القطاني ثمانية أنواع. وضابطها : ما يثبت فيه الربا من الفول، والحمص، والترمس، واللوبيا، والجلبان، والجلجلان، والبسيلة. أما الكرسنة : فالمشهور في مذهب مالك، أنها لا زكاة فيها لأنها علف، خلافا لأشهب من أصحاب مالك، إلا أن مشهور مذهب مالك أن الكرسنة من أنواع القطاني في باب الربا لا في باب الزكاة.
وزعم قوم أن الكرسنة هي البسيلة من أنواع القطاني. هذه الحبوب هي التي تقتات وتدخر، وتجب فيها الزكاة : القمح، والشعير، والسلت، والعلس، والذرة، والأرز، والدخن، وأنواع القطاني : كالتمرس، والحمص، والبسيلة، والفول، والجلبان، والجلجلان، واللوبيا، إلى غير ذلك، هذه الحبوب التي تقتات وتدخر تجب فيها الزكاة عند مالك والشافعي. وإنما اختلفا في شيئين : أحدهما : أن مالكا يقول : لا يضم شيء منها إلى شيء، فلا يضم فول إلى لوبيا، ولا ترمس إلى حمص، بل كل في جرابه، وإذا حصد خمسة أوسق من جنس واحد. وإن اختلفت أنواعها يضم بعضها إلى بعض ويخرج من كل نوع بحسبه. والشافعي يقول : لا يضم شيء منها إلى شيء، فلا يضم فول إلى لوبيا، ولا ترمس إلى حمص، بل كل في جرابه، وإذا حصد خمسة أوسق من واحد وجبت زكاة، وإلا فلا. كما أن الشافعي يقول : لا يضم قمح إلى شعير، ولا الشعير إلى القمح، ولا السلت إلى واحد منهما. ومالك يقول : إنه إذا قطع وسقين من قمح، ووسقين من شعير، ووسقا من سلت، أنها تكون خمسة أوسق، يضم بعضها إلى بعض، فتجب فيها الزكاة، فيخرج عن كل بحسبه.
أما العلس عند مالك فلا يضم إلى هذه الثلاثة.
والحاصل أن مالكا يضم عنده إلا أنواع القطاني الثمانية. يضم بعضها إلى بعض، ويضم عنده القمح، والشعير، والسلت، هذه الثلاثة بعضها إلى بعض. وأما غير هذا فلا ضم، فلا ضم تمر إلى قمح، ولا سلت إلى ذرة، ولا ذرة إلى أرز، بل كل بحسبه. والشافعي لا يرى ضم شيء من هذا إلى شيء. هذا حاصل مذهب مالك والشافعي.
وقد اختلفا في أشياء : منها الزيتون هل فيه زكاة أو لا : فمشهور مذهب الإمام مالك( رحمه الله ) أن الزيتون تجب فيه الزكاة إذا بلغ حبه خمسة أوسق، ولكنه لا يخرج إلا من زبته، فإذا كان حب الزيتون خمسة أوسق وجبت الزكاة فيه، ولكن الإخراج من زيته، وهو العشر أو نصف العشر. فالوجوب في الحب، والإخراج من الزيت. هذا مشهور مذهب مالك، ومثل الزيتون عند مالك في هذا- من انه ينظر نصاب الأوسق من الحب، ثم يخرج من الزيت مثل الزيتون عنده- السمسم، وبذر الفجل الأحمر، والقرطم، وبذر الفجل الأحمر خاصة، هي عند مالك إذا كانت حبوبها تبلغ النصاب وجبت فيها الزكاة، وأخرج العشر أو نصفه من زيتها، هذا مشهور مذهبه( رحمه الله )، ولا زكاة عند مالك في كتان ولا في غيره مما ذكرنا.
ومذهب الإمام الشافعي مختلف- أيضا- في الزيتون، فقال في القديم : إن الزيتون فيه زكاة إن صح أثر عمر الذي ورد فيه. وقد ورد عن عمر وابن عباس أثران أن في الزيتون زكاة، والأثران ضعيفان لا تقوم حجة بواحد منهما، ولذا كان مذهب الشافعي في الجديد : أن الزيتون لا زكاة فيه، والخلاف عنده في القرطم -أيضا- كالخلاف في الزيتون فيه الزكاة في القديم، وفي الجديد لا زكاة فيه، وهذا معروف عندهم.
واختلاف العلماء في زكاة العسل معروف، يذكر في هذا المحل عند الآيات الدالة على هذا، وإن كان العسل ليس في نفسه مما تنبته الأرض، ولكن نحله ترعى فيما تنبته الأرض فتخرجه. و زكاة العسل الخلاف معروف فيها بين العلماء، فعند مالك لا زكاة في العسل، والخلاف عند الشافعي، في القديم : يزكي العسل، وفي مذهب أبي حنيفة أنه إن كان في أرض العشر زكي وإلا فلا.
وقد وردت في زكاة العسل أحاديث متعددة، كحديث بني شبابة، وهو بطن من بني فهم، أنهم كانوا يؤدون زكاة عسلهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال البخاري وغير واحد من المحدثين : إن زكاة العسل لم يثبت فيها حديث واحد قائم، ولم يصح فيها شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجميع الأحاديث الواردة في زكاة العسل لا يخلو إسناد شيء منها من قادح وكلام.
قالوا : والأصل براءة الذمة، وعضدوا عدم الزكاة في العسل بالقياس على اللبن، قالوا : إن العسل واللبن كلاهما مائع خارج من حيوان، واللبن لا زكاة فيه، والعسل كذلك.
والحاصل أن العسل وردت في الزكاة فيه أحاديث متعددة، قال بعضهم : بعضها يشد بعضا. وأخد بمضمونها الإمام أحمد في طائفة من العلماء، فأوجب الزكاة في العسل، والجمهور : منهم الشافعي في الجديد، ومالك، قالوا : لا زكاة في العسل، لأنه لم يثبت فيه شيء، والأصل براءة الذمة، وليس هو مما تنبته الأرض مباشرة حتى يدخل في عموم : ومما أخرجنا لكم من الأرض ( البقرة : الآية ٢٦٧ ).
أيضا كذلك اختلف الرواية عن الإمام أحمد في الزيتون، وروى عن بعض أصحابه أن فيه الزكاة، وروى بعضهم أنه ليس فيه زكاة.
وليس عند الإمام أحمد زكاة في العصفر، ولا في الكتان، وإنما الزكاة عند احمد – رحمه الله- بما استوجب ثلاثة أشياء، لأن علة الزكاة عنده مركبة من ثلاثة أوصاف، وهي : أن يكون الشيء مكيلا، وأن يكون ييبس، لا يبقى مبلولا دائما، وأن يكون يبقى ويجوز ادخاره لبقائه، فكل ما جمع هذه الأوصاف الثلاثة، بأن كان يكال، وييبس، ويبقى، ففيه الزكاة عند الإمام أحمد، ولذا قال : عن بعض الأشجار إن ثمارها تكال وتيبس وتبقى، ولا يشترط كونها قوتا، سواء كانت قوتا أو غير قوت، ولذا أوجب الإمام أحمد الزكاة في بعض ثمار الأشجار التي لم يوجبها مالك والشافعي، لأن مالكا والشافعي اشترطا الاقتيات والادخار، وأحمد لم يشترط الاقتيات، قال : إن كان الشيء يكال وييبس ويبقى وجبت فيه الزكاة، ولذا أوجب الزكاة في بعض ثمار الأشجار، كالفستق، والبندق، وما جرى مجراها. هذا مذهب الإمام أحمد. وكذلك أوجب الزكاة في كل حب ييبس ويبقى و يكال، وإن كان لا يقتات، وتجب الزكاة عنده في الأبازير التي تصلح الطعام، كالكمون بنوعيه : الأحمر والأسود، والكراويا، واليانسون، وما جرى مجرى ذلك. وتجب عنده في كل بذر يزرع، وتجب عنده الزكاة في بذر الكتان، وفي بذر الخيار والقثاء، وكل ما جرى مجرى ذلك، لأنها حبوب تيبس وتكال وتبقى، هذا مذهب الإمام أحمد–رحمه الله-
وهؤلاء الأئمة الثلاثة لا تجب عندهم الزكاة إلا فيما بلغ الخمسة الأوسق. أعني : مالكا والشافعي والإمام أحمد، لأن عموم " فيما سقت السماء العشر " وعموم : ومما أخرجنا لكم من الأرض ( البقرة : الآية ٢٦٧ ) يخصصه عندهم حديث :" ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " فأقل نصاب الحبوب والثمار أن يبلغ خمسة أوسق.
والوسق- بالفتح والكسر- ستون صاعا بإجماع العلماء.
والصاع الشرعي النبوي بالتقريب : ملء اليدين المتوسطتين، لا مقبوضتين ولا مبسوطتين، وهو بالضبط : وزن رطل وثلث بالبغدادي، فوزن الرطل وثلث الرطل البغدادي هو الصاع النبوي ( هذا سبق لسان، والصواب :( المد النبوي ) كما في المحلى ( ٥/٦٤٥ )، والكافي لابن عبد البر( ص١٠٣ )، والمغني( ٢/٥٦١ )، القاموس الفقهي ( ص٣٣٧ ). وإنما الصاع : خمسة أرطال وثلث من الحنطة ).
فعدة الأوساق بالأمداد : ألف مد ومائتا مد، وبالصيعان، ثلاثمائة صاع، وبالأرطال : ألف وستمائة رطل. هذا هو نصاب الحبوب والثمار.
والرطل عندهم عندما حققه مالك وأصحابه –وهم أدرى الناس بقدر الصاع والمد، لأنهم في محل الصاع والمد، قدره عندهم يعني بالوزن – ألف وستمائة رطل.
ووزن الرطل عندهم مائة وثمانية وعشرون درهما مكيا، لأن وزن الذهب والفضة وزن مكة، والكيل كيل أهل المدينة، ووزن الرطل : مائة وثمانية وعشرون درهما مكيا، ووزن الذهب المكي : خمسون وخمسا حبة من مطلق الشعير وزيادة ابن حزم خمسة أسباع حبة ردها المحققون من علماء المالكية، هذا هو النصاب، وهو خمسة أوسق، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ".
والمزكيات فيها- عندهم- تفصيل، فيها نوعان يخرصان قبل إخراج الزكاة بلا نزاع، وهما : التمر والزبيب، والزبيب : العنب اليابس، فإنه إذا بدا صلاح التمر وتهيأ العنب للأكل يخرصان، فيرسل السلطان إليهما خارصا حازرا يخرصهما، بشرط أن يكون أمينا عدلا، عارفا بالخرص، صادق الحرز غالبا، فيأتي لهذا البستان ويخرصه نخلة نخلة، فيقول : في هذه النخلة الآن كذا من البلح من الزهو، ثم يكون فيها من الرطب كذا، فإذا يبست وجف رطبها نقص بكذا. فيحصل منها من التمر اليابس قدر كذا وكذا، ثم إذا خرصوا ذلك وحرزوا قدر ما يحصل منه من التمر اليابس قيدوه على لصاحبه، وقالوا لصاحبه : بينك وبين بستانك، فكل ما شئت، وبع ما شئت، وتصرف فيه كيف شئت، ولكنه عند الجذاذ أد قدر هذا الخرص تمرا يابسا، أو زبيبا يابسا. وهذا لم يخالف فيه إلا القليل من العلماء، فجماهير العلماء على الخرص، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، لما مر بوادي القرى نزل بحائط امرأة، فقال لقومه : اخرصوا كم يخرج منه ؟ فخرصوا، وخرص النبي صلى الله عليه وسلم مع الخارصين، وقال لها : في خرصه :" أرى أن تحصل منه عشرة أوسق من التمر اليابس، واحفظيه حتى نرجع من سفرنا " فلما رجعوا من غزوة تبوك سألوا المرأة فقالت : خرج منه عشرة أوسق مطابقة لحزره صلى الله عليه وسلم. مضمون هذا الحديث ثابت في صحيح مسلم والبخاري، وهو يدل على أن الخرص حق، وأنه سنة. والظاهر أنهم ما خرصوه إلا ليأخذوا زكاته إذا كانوا قافلين. والأحاديث الكثيرة في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث الخارصين، كعبد الله بن رواحة وغيره إلى يهود خيبر، فيخرص عليهم النخل، ويقول لهم : إن شئتم خذوه بهذا الكيل، وإن شئتم دعوه لنا بهذا الكيل هذا معروف.
وشذت طائفة من العلماء، فقال الشعبي : الخرص بدعة. وقال سفيان الثوري : لا يجوز الخرص، لأنه ظن وتخمين، والظن أكذب الحديث. وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة –رحمه الله -قال : الخرص ظن وتخمين لا يثبت به حكم أبدا، وإنما كان النبي يأمر بخرص النخيل تخويفا للقائمين عليه من أن يخونوا، فالمقصود به عنده تخويفهم م

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير