ﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗ

قوله تعالى : قل لا أجد في ما أوحي إلي إلى قوله تعالى : فإن ربك غفور رحيم :
هذه الآية نزلت يوم عرفة في حجة الوداع وقيل إنه ١ لم ينزل بعدها ناسخ لها. ووجه القول فيها إن قوله تعالى : قل لا أجد الآية اقتضت أن المحرمات هي المذكورات فيها. واقتضت عند قوم تحليل ما عداها وهم الجمهور لأن دليل خطابها أقوى أدلة الخطاب.
وزعم بعض المنكرين لدليل الخطاب أنها لا تقتضي تحليل ما عداها ٢ والذين ذهبوا إلى القول الأول لما رأوا أنه قد جاءت في القرآن والحديث محرمات أخرى كالمنخنقة والموقوذة والخمر والحمر الأهلية ولحم بني آدم أشكل تأويل الآية عليهم فاختلفوا في ذلك. فذهب قوم إلى أنها منسوخة بالسنة ٣ وذلك لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من تحريم أشياء كأكل الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع ونحو ذلك ٤ وهذا قول ضعيف لأوجه منها : نسخ القرآن بالسنة غير المتواترة منها كثير، ومنها أنه يمكن الجمع بين ما حرم النبي صلى الله عليه وسلم وما حرم الله تعالى في سائر القرآن وبين هذه الآية. وأي حاجة إلى النسخ مع إمكان الجمع. ومنها أنه خبر، والأخبار لا تنسخ٥. وذهب الجمهور إلى أنها محكمة واختلفوا فيما تقتضيه. فرأى قوم أنها تقتضي الحصر وأن كل ما حرم الله تعالى محصور فيها وأن ما عدا ذلك إنما تحريمه تحريم كراهة وتنزيه ٦ كلحم الحمر لأنها كانت تأكل العذرة ٧ فكره أكلها لذلك. وكلحم السباع لأنها تقسي القلب ونحو ذلك. وإلى هذا ذهب سعيد بن جبير والشعبي٨. ورأى قوم أنها خرجت على سبب لأنها جواب لقوم سألوا عن أشياء فأخبروا عنها فقد لا تقتضي، وما جاء من سائر المحرمات مضموم إليها. وإلى نحو هذا ذهب الشافعي٩. ويحتمل أن يكون تعالى إنما أخبر بأنه لا يجد محرما في وقت ما غير ما ذكر. وأما الذين ذهبوا إلى أنها لا تقتضي التحليل فقالوا إن الآية مقتضاها نفي التحريم على ما عدا المستثنى منها بالتحريم وذلك يقضي في إثبات التحليل في غيره ١٠ وعندنا أن الأشياء قبل ورود الشرع غير محرمة وليس ذلك بتصريح بأنها محللة بل لغرض نفي الحكم والبقاء على الأصل قبل ورود الشرع. وبين الأصوليين في هذا نزاع وإلى هذا يذهب من يتغلغل في إنكار دليل الخطاب لأن دليل الخطاب في الآية تحليل ما عدا المذكور فيها.
وقد قيل : المعنى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما مما كنتم تستبيحون وتناولون ولا ١١ تعدونه من الخبائث محرما إلا هذه الأمور١٢.
فعلى هذه التأويلات لا تقتضي الآية التحليل فيما عدا المذكور، وما ورد من سائر المحرمات مضاف إليها. وعلى ما ذكرناه من الاختلاف في تأويل الآية ينبني اختلاف العلماء في تحريم أشياء وتحليلها. فمن ذلك السباع اختلف فيها. فعندنا فيها روايتان : إحداهما الكراهة والثانية التحريم. وأبو حنفية يقول بالتحريم وذهب الشافعي إلى أن الضبع والثعلب حلال دون غيرهما. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها كانت لا ترى بلحوم السباع والدم يكون في أعلى العروق بأسا. وقرأت هذه الآية قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما الآية ١٣. فالقول بالتحليل على القول بدليل خطاب الآية. ولكن مالكا ذهب إلى الكراهة إذ لم يقو عنده دليل الخطاب ورأى ما يعارضه. والقول بالتحريم ١٤ على ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع. وفي حديث الموطأ : " أكل كل ذي ناب من السباع حرام " ١٥. وفي هذا الحديث ضعف ومن قال بهذا رأى الآية إما منسوخة وإما مخصوصة بزمان وإما خارجة عن سبب وإما لم يقل بدليل خطابها. ومن ذلك كل ذي مخلب من الطير، اختلف فيه. فعندنا أن أكله حلال ١٦ وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنه حرام ١٧. وحجة القول الأول قوله تعالى : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما الآية. فأما ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن أكل كل ذي مخلب من الطير فلعله نهي تنزيه إذ قد يصيد ١٨ من ذوات السموم ما يخشى منه على أكلها. وحجة القول بالتحريم قول الصحابة رضي الله تعالى عنهم : نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، ورأى من قال ذلك النهي على التحريم، وفيه خلاف بين الأصوليين هل هو على التحريم أو هو على الكراهة ما لم ١٩ يدل دليل. وتأولوا الآية على أحد الوجوه التي قدمناها وفي الاحتجاج أيضا بحديث النهي خلاف بين الأصوليين لأنه لم ينقل لفظ النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من قول الراوي.
ومن ذلك الحمر الأهلية اختلف في أكلها. وفيها في المذهب روايتان : التحريم والكراهة المغلظة. والتحريم قول أبي حنيفة والشافعي وأجاز ابن عباس أكلها واحتج بقوله : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما الآية. قال عمرو بن دينار ٢٠ : قلت لجابر بن زيد ٢١ : أنتم تزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تحريم الحمر الأهلية قال : قد كان يقول ذلك الحكم ابن عمر ٢٢ والغفاري٢٣ عندنا عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن أبى ذلك البحر – يعني ابن عباس – وقرأ : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما ٢٤ الآية. فوجه التحريم ما جاء في الحديث من أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية. وفي بعض الطرق حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الأهلية ٢٥ وهذا النهي ٢٦ مؤكد بظاهر القرآن في قوله عز وجل : والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة [ النحل : ٨ ] فذكر المنافع التي فيها. ولو كان أكلها مباحا لنبه عليه وذكر وجه المنة به. والآية على هذا القول تتأول على أحد الوجوه التي ذكرنا. والقول بالكراهة وجه مراعاة ظاهر الآية قل لا أجد وما وقع بين الصحابة من الاضطراب في النهي عن لحوم الحمر الأهلية لأن منهم من رأى النهي عن ذلك نهي تحريم آت لا لسبب، ومنهم من رآه لأنها لم تكن خمست، ومنهم من رآه لأنها كانت حمولة الناس فخيف عليها الفناء وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام قيل له ذلك فنهى. ومنهم من رآه من أجل جوال القرية ٢٧. وخرج أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علل بذلك ٢٨.
والبغال حكمها حكم الحمير على ما ذكرناه. ومن ذلك الخيل اختلف في أكلها. ففي المذهب الكراهة وعند أبي حنيفة والشافعي الإباحة ٢٩ وقال الحكم : حرم القرآن الخيل وتلا قوله تعالى : والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة [ النحل : ٨ ]. وما خرج النسائي وأبو داود أنه عليه الصلاة والسلام قال : " لا يحل أكل لحوم الخيل والبغال والحمير " ٣٠ وقال النسائي فيه يشبه إن كان صحيحا أن يكون منسوخا لأن قوله أذن في لحوم الخيل دليل على ذلك. وتعلق من أباح بما جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن أكل ٣١ لحوم الحمر الأهلية وأذن في الخيل. وبقوله تعالى : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما الآية ولما رأى أصحابنا اختلافا لهذه الأحاديث وما تحتمله الآي من التأويل. وكان حديث الإباحة أصح، مالوا إلى الكراهة. وقد اختلف في أشياء منها الأرنب. الجمهور على الجواز وابن أبي ليلى ٣٢ على الكراهة. والضب : الجمهور على الجواز وأبو حنيفة على الكراهة. والقنفذ واليربوع والفأرة اختلف أيضا فيهن ٣٣ ومن حجة من ٣٤ أجاز شيئا من ذلك قوله تعالى : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما الآية وقد مر الكلام على سائر أحكام هذه الآية بما أغنى عن إعادته.

١ في (أ)، (د)، (هـ): "أنها"..
٢ في (أ)، (ز): "ما سواها"..
٣ انظر الإيضاح ص ٢٤٩..
٤ قال عليه الصلاة والسلام: "كل ذي ناب من السباع حرام". حديث صحيح أخرجه مالك بلفظ: أكل كل ذي ناب من السباع حرام. وأخرجه الشيخان وأصحاب السنن الأربعة عن أبي ثعلبة..
٥ في (أ)، (ز): "لا نسخ فيه"..
٦ في (ب)، (ح): "وتنزه"..
٧ في (ح)، (هـ): "القذرة"..
٨ انظر الإيضاح: ص ٢٤٩..
٩ انظر أحكام القرآن للشافعي ٢/ ٨٨، وكذلك أحكام القرآن للجصاص ٤/ ١٨٧، وكذلك الإيضاح ص ٢٥٠..
١٠ راجع أحكام القرآن للشافعي ٢/ ٨٨..
١١ كلمة "لا" ساقطة في (هـ)..
١٢ راجع أحكام القرآن للجصاص ٤/ ١٨٥..
١٣ راجع م. س٤. /١٨٦- ١٨٨..
١٤ كلمة "بالتحريم" ساقطة في (أ)، (ز)..
١٥ والحديث أورده مالك في الموطأ وقال: وهو الأمر عندنا. راجع الموطأ. كتاب الصيد ١/ ٣٣٢..
١٦ قال مالك: لا بأس بأكل الصرد والهدهد ولا أعلم شيئا من الطير يكره. راجع: المنتقى للباجي ٣/ ١٣٢..
١٧ راجع أحكام القرآن للجصاص ٤/ ١٨٨..
١٨ في (أ): "إذا هم بصيد من ذوات". وفي (د): "إذ قد يصاد"..
١٩ كلمة "ما لم" ساقطة في (أ)، (ح)..
٢٠ عمرو بن دينار: المكي أبو محمد الأثرم الجمحي التابعي. مفتي أهل مكة في زمانه توفي سنة ١٢٥هـ/ ٧٣٥م أو ١٢٦هـ/ ٧٣٦م. راجع طبقات الفقهاء ص ٧٠..
٢١ جابر بن زيد: الأزدي اليحمدي البصري. روى عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما. توفي سنة ٩٣هـ وقيل سنة ١٠٣هـ وقيل ١٠٤هـ. انظر تهذيب التهذيب ٢/ ٣٨..
٢٢ ابن عمر: هو عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الرحمن. شهد الخندق وبيعة الرضوان. توفي سنة ٧٣هـ/ ٧٨٦م. انظر الإصابة ٦/ ١٦٧..
٢٣ الغفاري : هو جندب بن جناده بن قيس أبو ذر الغفاري من كبار الصحابة. عالم وزاهد ومجاهد توفي سنة ٣١هـ/٦٤٣ م، انظر الإصابة ١١/١١٨..
٢٤ راجع أحكام القرآن للجصاص ٤/ ١٨٥..
٢٥ راجع أحكام القرآن للجصاص ٤/ ١٨٦..
٢٦ في (ب)، (د)، (و): "النص"..
٢٧ في (ح): "العربة"..
٢٨ ومن الأحاديث الناهية عن ذلك حديث الزهري عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما أنه سمع عليا بن أبي طالب يقول لابن عباس: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الحمر الأنسية وعن متعة النساء يوم خيبر. راجع أحكام القرآن للجصاص ٤/ ١٨٦.
أبو داود هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق الأزدي صاحب السنن. توفي سنة ٢٧٥هـ/٨٧٦ م. انظر تهذيب التهذيب ٤/١٦٩..

٢٩ انظر الأم للشافعي ٢/ ٢٥١..
٣٠ أخرجه أبو داود عن خالد بن الوليد في كتاب الأطعمة، باب: في أكل لحوم الخيل ٤/ ١٤٩، ١٥٠، والنسائي في كتاب الصيد..
٣١ كلمة "أكل" ساقطة في (ج)، (ح)..
٣٢ ابن أبي ليلى: هو محمد بن عبد الرحمن الأنصاري الكوفي، فقيه، قاضي الكوفة من أقران أبي حنيفة. توفي سنة ١٤٨هـ/ ٧٦٨م. انظر طبقات الفقهاء ص ٨٤..
٣٣ راجع أيضا أحكام القرآن للجصاص ٤/ ١٨٩، ١٩٠..
٣٤ كلمة "حجة" ساقطة في (ب)..

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن الفرس

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير